عذراء وأُمّ، الحبّ يصنع المعجزات

 

 

 

عذراء وأُمّ، الحبّ يصنع المعجزات

 

كثيرًا ما ترتبط العذريّة في العالم القديم بعالم الأديان. ففي العالم المصري القديم، كانت أُنشودة تُنشَد في ليل 5 - 6 كانون الثاني، في عيد ميلاد الزّمن تُذكَر العذراء التي تلد الأيّون أي الزمن. أشعيا النّبي نفسه يكتب: "ها إنَّ العذراء تحبل وتلد ابنًا يُدعى اسمه عمّانوئيل" (أش 7/ 14). وهذا الإسم يعني أنّه بارتباط وثيق بالسّماء. فكلمة عمّانوئيل تعني "الله معنا". ما الذي دفع بالله لأن يكون معنا؟ هذا هو سرّ التألّق الإلهي على أرض البشر بدافع الحبّ. "هكذا أَحبَّ الله العالم حتّى أنّه جاد بابنه الوحيد لكي لا يهلك أيّ مؤمن به، بل تكون له الحياة الأبديّة" (يو 3/ 16). فالحبّ بين السّماء والأرض ليس جديدًا أيضًا في عالم الأديان. في الأساطير المصريّة وغيرها كان هنالك حبّ بين السّماء والأرض. فأمطار السّماء تُخصِب الأرض لتعطي الزّرع والحياة. ليست هذه سوى تلميحات تهيّئ للمسيح الإله الذي يأخذ من مريم ناسوته ويتألّق فيه الناسوت واللاّهوت. أين نجد الحبّ في قصّة العذراء؟

 

 

من عذراء السّقوط...

خلق الله الإنسان شعاع نور من فَيْض حبّه، على صورته كمثاله. كان رائعًا في البهاء والنّقاء، كان آدم ابن التّراب متغذِّيًا حواسّه الترابيّة، الذّوق والنظر وأسر فيهما العقل بالخيال، عبر الأمنية، وأهمل الرّوح. ماذا كان يتمنّى هذا العقل؟ وهل أراد نفسه أقوى سلطة في الكون؟ هوس السّلطة؟ أم الخضوع للشّهوة التي تسطو عليها الحواس؟ على كلّ حال، سقط آدم مرّتين: كان السّاهر والحارس على الحياة التي تعطيها حوّاء هي وإيّاه. فخضع لها طائعًا وخسر مهمَّته ولم يكتسب مهمَّتها، إعطاء الحياة. والسّقوط الثاني هو من النعمة والفردوس، حين تنكَّر لأصله الرّوحي: من نفس الله. ولم يعد حارس حوّاء ولا حارس الفردوس. فقد فَقَدَ النّوريّين.

 

وأمّا حوّاء فقد بدأت بتألّق بالغ السموّ! كانت أسمى قمّة لهرم الخلق. كوَّن الله الأرض، أعطى النباتات والأشجار، وغيرها. والمرحلة التالية كانت الخليقة ببُعدها الحيّ من طيور وحيوانات! ثمَّ في اليوم السادس خلق الله الإنسان، وقمَّة هذا الإنسان كانت حوّاء التي خلقها الله نقيَّة بهيَّة بلا عَيْب، تنسجم مع مشيئة الباري. ختم الله الخلق بخلق حوّاء، رائعة وصافية، ومهمَّتها تتخطّى كلّ المهام الأخرى. كانت الوحيدة أُمّ كلّ حيّ! هي الأقرب، بين الخليقة، من صفة الله الباري، المعطي الحياة. كيف على المجرّب أن يهين الله الإهانة القصوى؟ هاجم قمّة الهرم، حوّاء التي كانت مهمّتها أن تعطي الحياة ويسهر عليها آدم باتّحادهما بالله باريهما. جعلها المجرّب تكون مرافقة آدم وقت التجربة. هي التي مهمّتها أن تعطي الحياة، خاصّة لزوجها، أعطته الموت حين أكلت من شجرة المعصية وأطعمته معها. فسيطرت عليه لاعبة لعبة السّلطة والسّياسة، هي التي كانت مهمّتها إعطاء الحياة التي على آدم أن يحرسها. باتت حوّاء المعطية والحارسة. وكأنّها ألغت آدم ودوره. وهذا من ثمار الخطيئة التي تعمل على إلغاء الأدوار والتنظيم. إنّ سقوط الإنسان الأوّل بسبب إنفصال حوّاء عن الله ومشيئته، أضاع البشريّة. فحين يكون الأولاد ثمرة الزواج بعد السّقوط في الخطيئة، تؤثِّر الخطيئة عليهم ويكونون مولودين تحت نير الخطيئة وبالتالي تكون كلّ السّلالة ثمرة الخطيئة. بات على الإنسان أن ينتظر من بعيد مصالحته مع أصوله ومع الله.

 

 

... إلى عذراء النهوض

حين ننظر إلى عائلة النّاصرة نفهم كيف كان دور آدم وحوّاء منذ البدء، منذ ما قبل الخطيئة. كان يوسف حارس العائلة، حارس مريم ويسوع الطفل، وحارس مريم، التي كانت بدورها تعطي الحياة. هي أُمّ الحيّ، أيّ أُمّ الله. حوّاء الأولى نزلت من السّماء إلى التّراب بتخلّيها عن الإنتماء الرّوحي للغَوص في الإنتماء التّرابي. أمّا مريم فقد صعدت بالإنسان من الإنتماء التّرابي إلى الإنتماء الرّوحي. كان الإنسان ترابيًّا بعد أن ورث عن حوّاء الأولى الخطيئة والموت والرّعب من الموت، وصراع السَّطْوة على الآخر، وعدم إحترام الأدوار، وبات التّركيز على المُلك والمقتنيات والسّلطة لا على الحياة.

 

أمّا مع مريم فكان التّركيز على الحياة والبعد الرّوحي. كان الحبّ النّقي، الحبّ الرّوحي، هو محور حياتها. كانت تقضي وقتها مع الله، كانت ممتلئة نعمة. وكان الله مجتاحًا كلّ حياتها. كانت فقيرة، لا مال لديها ولا جاه بين البشر. كانت وديعة ومتواضعة، ممتلئة من مشيئة الله. كانت ترى كم الإنسان بحاجة لأن يرفع عينيه إلى السّماء. عصمها الله من الخطيئة الأولى التي شوَّهت أُصول الإنسان الجميلة والبديعة. ولكنَّ الإنسان بعبادته لحواسّه وللأنا بالعمل على سَطْوَته على غيره، كما فعلت حوّاء حين أصبحت الآمرة والنّاهية في حياة آدم الذي كان معها حين وقفت أمام شجرة معرفة الخير والشرّ، فأكلت وأطعمته. باتت صاحبة السّلطة عليه. وراحت الإنتفاضة من قبله حين تذمَّر لله، بعد الخطيئة، من أنّ المرأة التي أعطيتني إيّاها هي أعطتني فأكلتُ. فوصف له الله حالة العلاقة بينهما بعد الخطيئة: صراع السّلطة.

 

 

مريم العذراء ويوسف البارّ!

أمّا العذراء النقيَّة، حوّاء الجديدة، فقد إلتقت بيوسف البارّ، الذي لم يكن الله قد عَصَمَه من الخطيئة، وإنّما كانت سلالته صديقين، فكانت أمانته لله ثمرة جُهْده وأمانته وبرارته وتربيته وسلالته. كان حارسًا للعائلة المقدّسة. والحارس هو السّاهر للحفاظ على الأمانة أمام سيِّد العائلة. كان مِحوَر هذه العائلة هو الله. مريم ممتلئة نعمة، يوسف بارّ يحمل زَنْبقة الطهارة، ومِحوَر العائلة هو الله في البرارة والصّفاء والنّعمة والحبّ. بعد بشارة الملاك لمريم، وقبولها لمشروع الله، بات الله الجنين ثمّ الطفل، ثمّ المترعرع، ثمّ البالغ، محور هذه العائلة، والخلاص مشروعها. والحبّ يُنعش جوَّها وعلاقاتها. مريم المملوءة بالنعمة، شغفها بيسوع وغوصها في سرِّ الله كانا يجعلانها بحالة إنشداه دائم. فنشيدها، "تعظّم نفسي الربّ"، كان خلاصة كلّ حياتها. هذا ما كانت تعيشه بكلّ لحظة.

 

مع يوسف كانت مريم تعيش هذا الحبّ الرّوحي والوحدة التي محورها يسوع، الله - الإنسان. ما هذا الذّهول! كانت مريم تعيش مع الله، والله خاضع ليوسف ويتغذّى من مريم. كان يوسف مربّي الإنسان يسوع المنسجم مع الإله المسيح، بتربيته الرّوحيّة، والأخلاقيّة، والنّفسيّة، والشخصيّة، والإجتماعيّة والإنسانيّة.

 

كان يسوع الإنسان بين يديّ مريم ويوسف يتنشّأ ليكون كاملاً وبانسجام مطلق مع المسيح الإله! وكانت التربية العائليّة والإنسانيّة هذه ثمرة عناية الله وتجاوب الإنسان في حبّ سماوي ينحني على الأرض فوق الناصرة، وشوق إنساني باسم الأرض العطشى لأُصولها والمشرئبّة صوب السّماء. كانت تتكوّن قصّة حبّ تؤسِّس الأرض الجديدة، وعناقها مع السّماء، لتفتح أبواب الفردوس أمام الإنسان والخليقة مجدّدًا ليبقى مفتوحًا فيما بعد إلى الأبد.

 

 

عذراء وأُمّ!

إنّه سرّ مذهل! ولكنّه لا يمكن أن يكون غير ذلك! لماذا؟ بعد الخطيئة، باتت الأمومة البشريّة موصومةً بحدود الغريزة الترابيّة، ولا يمكن أن تعطي الحياة بمعناها المطلق. فقدرة الإنسان على إعطاء الحياة مرتبطة بحدود أخذه وعطائه الضعيفة. ماذا يحصل في عذريَّة مريم؟

 

إنّ مريم ممتلئة بالنعمة، وإرادتها مليئة بمشيئة الله. وطاقاتها على القبول والأخذ مرتبطة بحبّها اللامحدود ونقائها، لأنّ المشيئة الإلهيَّة إجتاحتها، أي أصبحت قوّة الله هي الفاعلة فيها لا قدرة التراب، كما هو حال بقيَّة البشر. فلو تزوّجت زواجًا بشريًّا بعلاقة بشريّة لكانت عانت الشّقاء والمرارة، لأنّها تقدر أن تقبل أكثر بكثير ممّا يُعطى لها. لذا هي تقبل كلّ الله وتعطيه جسدًا نقيًّا خلقها فيه ليأخذه منها نقيًّا ومفتوحًا على لامحدوديَّة القبول من الآب ومن طبيعته الإلهيّة، ليعطي لكلّ البشريّة عبر العصور ما يفيض عنها من النعم والطاقة الحياتيّة كما هي في الله. لذلك، فعذريّة مريم مفتوحة على الخصب الإلهي اللامحدود، وحبّها الذي يقبل الحبّ الإلهي اللامحدود أعطاها نعمة الشفاعة لأجل البشريّة كلّها، وهذا هو سرّ تقديمها لنا بشخص التلميذ الحبيب على أقدام الصّليب من قبل ابنها وإلهنا يسوع لحظة تحقيق الفداء كأُمّ لديها نعمة قبول كلّ شيء من الله وإعطاء كلّ شيء للبشريّة. إنّه سرّ يفوق الإدراك! والحبّ هو المحور الذي يفتح القلب والنّفس والرّوح حتّى ضمن إطارالجسد على قبوله ليتحقّق سرّ الأسرار. ألهذا هي شريكة في الفداء؟ ألهذا يُحقّق الحبّ المعجزات؟ الذي يحبّ لا يترك حدودًا لمن يحبّه بل يفتح له كلّ طاقاته وكيانه ليجتاحه. هكذا كانت مريم أمام الله الذي نعمت بأن تدعه يجتاح كلّ كيانها وهي سعيدة في الحبّ والنعمة والعطاء، وحتّى في حمل الألم اللامحدود. ولكن هل الحبّ والألم ينفصلان؟

 

 

خلاصة

في حالة النعمة الفردوسيّة، ما قبل الخطيئة، كانت الأمومة شبيهة بأبوَّة الله بإعطاء الحياة بإطلاقها وصفائها. ولكن بعد الخطيئة صارت الأمومة ناقلة كلّ خلايا الأُمّ والأب إلى الأولاد. لذلك باتت الأمومة مصدّرة الحياة المؤقّتة، مصدر موت ينتقل من الأهل إلى الأولاد، إلاّ إذا كانت السّلالة قد صارت نهج تنقية وتوبة وصلاح وبرارة، كما حصل ليوسف البارّ، حينها يقترب الإنسان تدريجيًّا من خالقه ويعود إلى لذّة أن يذوق وينظر ما أطيب الربّ. فالذّوق والنظر، أداتَيّ الخطيئة تصبحان طريق القداسة حين يكون الله محورهما.

 

في أمومة العذراء، وحراسة يوسف، كان الله في شخص يسوع محور العائلة. والحبّ الذي نعيشه تجاه الله، كما عاشته العذراء، يصبح سرّ اجتراح المعجزات. حينها نُعطي الله للعالم، ضمن حدود طاقاتنا التي تنمو كما كانت تنمو الوزنات بتشغيلها. إنَّ حبّ مريم جعلها بحقّ تكون أُمّ البشريّة لأنَّ الله أعطاها هذا الحقّ في أن تكون أُمّ الله.

 

لقد أَحبَّت يسوع حتّى لامحدوديّة الحبّ لدرجة أنّها بعد صعودِه إلى السّماء كانت تحترق شوقًا إليه حتّى بجسدها، وشوقها راح يعبر بها تدريجيًّا حتّى باتت جاهزة للعبور إليه بما أعطته، بالجسد الذي حمله وغذّاه إنسانًا. فحبَّها لله جذب إليها الله الذي تجسَّد منها، ثمّ على قدر شوقها إليه، إجتذبها الله إليه بالنّفس والجسد. فانتلقت إلى السّماء بكلّيَّتها، وبكلّ كيانها. ونحن هل يجتاحنا حبّ الله ليكون هو الحيّ فينا ونكون أولاد مريم؟

 

المطران الياس سليمان

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية