عقيدتا الحبل بلا دنس وإنتقال مريم بالنفس والجسد إلى السماء

 

 

 

عقيدتا الحبل بلا دنس وإنتقال مريم

بالنفس والجسد إلى السماء

 

مدخل:

1- أبرزنا ونحن ندرس عقيدة مجمع أفسس، أنَّ كلَّ السرّ المريميّ يعود أصله إلى أمّ الله، إلى الأمومة الإلهيَّة والبتوليَّة، وقلنا خصوصًا إنّ مريم ببتوليَّتها الخصبة والدائمة تُفلت من القانون العامّ الذي يسري على الولادة بين البشر، ولكنّها تخضع للقانون الذي يتحكّم تحكّمًا مباشرًا في الكلمة الإلهيّ، ويتجاوز حدود الطبيعة، لأنّها أمّه. ولدَت ولادة بتوليّة لأنّها أمّ الله.

 

هذه الحقيقة الأساسيَّة نفسها جعلت الكنيسة تؤكِّد الحبَل بمريم بلا دنس من جهّة وانتقالها بالنفس والجسد من جهّة أخرى. أفلتت مريم، بالحبل بها بلا دنس. وبانتقالها بالنفس والجسد إلى السّماء، من قانون الطبيعة العامّ الذي يقضي بأنَّ جميع البشر موسومون بخطيئة العالم، الخطيئة الأصليّة، ولذلك عرضة لفساد الموت... هاتان هما العقيدتان الأخيرتان اللتان حدَّدتهما الكنيسة وهما عقيدة الحبَل بلا دنس وقد حدَّدها في 1854 بيّوس التاسع، وعقيدة إنتقال العذراء مريم إلى السّماء بالنفس والجسد. وقد حدَّدها بيوس الثاني عشر في 1950.

 

 

2- وهكذا أبرز المجمع الفاتيكانيّ الثاني في الدستور "نور الأمم"، الرقم 59، أنَّ مريم جُعِلت على مثال ابنها، وذلك ما قلناه، إذ أكّدنا أنَّ مريم خاضعة للقانون الذي يتحكّم في الكلمة الإلهيّ: "آخر الأمر، إنّ العذراء، الخالية من كلِّ عيب، وقد صانها الله من كلّ مسٍّ للخطيئة الأصليّة، وأتمَّت جميع مسيرتها في الأرض، رُفعَت بالجسد والنفس إلى مجد السماء وأقامها الربّ ملكة الكون كلّه، لكي تكون على مثال ابنها على وجهٍ تامّ، وهو ربّ الأرباب (رؤ 19، 16) القاهر للخطيئة والموت".

 

تبدو العقيدتان أذاً مرتبطتين الواحدة بالأخرى. وهما مرتبطتان حقـًّا، لكون مريم على مثال ابنها.

 

 

3- ومن جهّة أخرى، إنَّ هاتين المسألتين من العقيدة هما آخر المسائل التي أوضحتها وحدَّدتها بجلاء السلطة التعليميَّة في الكنيسة بتفخيم يبدو أنّها توليهما أهميَّة أعظم ممّا للحَمْل البتوليّ أو الأمومة الإلهيّة، لا بل لقداستها. ونحن نعلم أنَّ تفخيم إعلان عقائديّ – التفخيم الشرعيّ – لا يُقابل حتمًا أهميّته في المجمل الذي يشمل الوحي. فهو يعني شيئًا واحدًا، وهو أنَّ هذا الإعلان جزء من الوحي لا يتجزّأ.

 

لقد أبرزنا عدّة مرّات أنَّ المسألة الجوهريَّة في دعوة مريم هي أمومتها الإلهيَّة والبتوليَّة، فيجب علينا إذا أن ننظر إلى الحبَل بلا دنس والانتقال لانّفس والجسد إلى السّماء، من هذه الزاوية. وسندرك فعلا ً أنَّ هذين الإعلانَين العقائدِيَّين يوضحان توافقات جديدة لسرِّ مريم نفسه، وهي عذراء وأمّ الفادي. لقد قلنا آنفـًا إنَّ مريم أفلتت من القانون العامّ الذي يسري على الولادة الطبيعيَّة بين البشر، وهي ولادة تجعلنا نشترك في الخطيئة الأصليَّة، ويُقذف بنا إلى الموت والفساد. ففي ذلك يتّصل الحبَل بلا دنس والانتقال بالنفس والجسد إلى السّماء بأمومة مريم الإلهيَّة وبتوليّتها، لأنّها أفلتت من الخطيئة والموت.

 

ولكن هناك ما يزيد على ذلك، فمريم لأنّها أمّ المسيح فادي العالم ومخلّصه، تشارك مشاركة تامّة في فداء العالم وخلاصه، وهي أوّل مَن خُلّص وافتُدي. فلأنَّ التجسُّد المفتدي يبدأ فيها حقيقة، لا بالمعنى المجازيّ فحسب، ففيها يتحقـَّق كمال هذا الفداء وهو يحظى منها بينبوعه.

 

 

 

1- الحبَل بلا دنس

يُلاحظ أنَّ عبارة "الحبل بلا دنس" قد تدعو إلى الإلتباس. فقد خلطوا بين "الحبل بلا دنس" و"الحمْل البتوليّ": فالعبارة الأولى تعني أنَّ والدَي العذراء مريم حبلا بها من غير الخطيئة الأصليَّة، في حين أنَّ العبارة الأخرى تعني أنَّ مريم حَمَلت من غير أن تعرف رجلاً، بالمعنى الكتابيّ للكلمة (لو 1/ 34). تتناول العبارة الأولى قداسة مريم منذ دخولها ووجودها في هذا العالم، في حين أنَّ العبارة الأخرى تتناول الحبل بيسوع لدى بشارة الملاك لمريم.

 

أ- نصّ التحديد العقائديّ للبابا بيّوس العاشر (1854)

"نُعلن ونقول ونحدِّد أنَّ العقيدة بأنَّ الطوباويَّة العذراء مريم قد حُفِظت سليمة من كلّ دنس الخطيئة الأصليَّة، منذ أوّل لحظة الحبَل بها، بنعمة وإنعام خاصّ من الله القدير على كلِّ شيء، بالنظر إلى استحقاقات يسوع المسيح، مخلّص الجنس البشريّ، هي عقيدة أوحى بها الله، ولذلك يجب على المؤمنين جميعًا أن يؤمنوا بها إيمانًا راسخًا دائمًا".

 

 يكاد يكرِّر هذا النصّ كلمات رسالة الإسكندر الثامن في 8 كانون الأوّل 1661، التي لم يكن لها بعد ما للتحديد العقائديّ من سلطة وتفخيم.

سنتناول قبل كلّ شيء مختلف عناصر هذا التحديد التي تظهر فيه سلطة الكنيسة التعليميَّة بفخامة.

 

- حُفظت مريم "سليمة من كلِّ دنس الخطيئة الأصليَّة منذ أوَّل لحظة الحَبَل بها". يعني هذا أنَّ العذراء مريم أستُثنيَت من حالة الجنس البشريّ الخاطئة، وأنّها لم تُشارك في أيّ لحظة كانت في تاريخ الخطيئة. وبعبارة أخرى، إذا أردنا الرجوع إلى الرسالة إلى اهل رومة (5/ 12): "إذا كانت الخطيئة دخلت في العالم عن يد إنسان، وبالخطيئة دخل الموت. وهكذا سرى الموت إلى جميع الناس لأنّهم جميعًا خطِئوا"، لم يكن للعذراء مريم نصيب في هذه الحالة الشاملة لجميع البشر، التي حكمت على جميع الناس بالموت الأبديّ.

 

 وهذا يعني بوجهٍ إيجابيّ أنَّها منذ بدء أمرها قدِّيسة بجملتها. فتأكيد تمام القداسة في مريم مُتضمِّن إذا. تذكِّر هذه القداسة، في لغة الآباء القدِّيسين، بما تلقّته حوّاء وخسرته: إنّها على صورة الله ومثاله على نحوٍ تامّ، أيّ إنّها تُشارك مشاركة تامّة في حياة الله والروح القدس حالّ فيها، وذلك كلّه، على وجه فريد، لأنّها هي وحدها الخليقة البشريَّة التي حظيَت بهذا الكمال منذ بدء أمرها إلى آخر حياتها.

 

وأوضح المجمع الفاتيكانيّ الثاني (نور الأمم، الرقم 56): "رسخت العادة المتّبعة عند الآباء القدِّيسين أن يدعوا أمّ الله كلّيَّة القداسة وبريئة من كلِّ دنس الخطيئة، وكأنَّ الرّوح القدس قد جبلها وجعل منها خليقة جديدة... وقد زهت، منذ اللحظة الأولى للحبل، بقداسة وهّاجة وفريدة جدًّا".

 

- هذا كلّه بالنظر إلى استحقاقات يسوع المسيح مخلّص الجنس البشريّ. وهذا يعني أنَّ مريم كانت موضوع الخلاص في يسوع المسيح. فإذا لم تعرف مريم الخطيئة، وإذا كانت قدِّيسة بجملتها، فمع ذلك قد نالت هي نفسها الخلاص من الخطيئة والقداسة بموت إبنها وقيامته، فهي إذاً من الجنس البشريّ ولكنّها، منذ الحبل بها، عضو من الجنس البشريّ الذي افتُدي وخُلّص، لا بل هي أوَّل مَن أفتُدي وخُلّص.

 

- "بنعمة وإنعام فريد من الله القدير على كلّ شيء". تُبرز "النعمة" و"الإنعام" مجَّانيَّة النعمة المطلقة، فتعبِّر عن مُبادرة الله الجذريَّة. لم تستحقّ مريم هذه النعمة. سنرى أنّ هذا الإنعام، هذه المبادرة الإلهيَّة، لم يمكن فصلهما عن هذه المبادرة الإلهيَّة المُطلقة، التي هي عرض الله الخلاص للبشر في يسوع المسيح، هذا الإنعام يُبرز أنَّ هذه المبادرة هي منذ الآن حاضرة وأخذت تتحقّق في العالم.

 

 

ب- تطوّر هذا التحديد في أثناء التاريخ

الحبَل بلا دنس مرتبط إذاً بقداسة مريم: ستشعر الكنيسة بذلك تدريجيًّا، في زمن متأخِّر  برزت قداسة مريم بمشقّة، وخصوصًا في الشرق. سلّمَ بسهولة بضعة آباء قدِّيسين حتى القرن الخامس بشيء من قلّة الإيمان ونقيصة أخرى عند أمّ يسوع. فالآباء اليونانيّون على وجه خاصّ، شأن أوريجينس وباسيليوس وغريغوريوس النازيانزي، ويوحنّا فمّ الذهب الذي ألحَّ إلحاحًا خاصًّا، أرادوا هكذا التشديد على أنَّ المسيح هو وحده قدّوس. لقد انشأ مجمع أفسس تحوّلا ً نهائيًّا بتشديده على أمومة مريم الإلهيَّة.

 

لقد سبق لنا أن رأينا، في الغرب، عقيدة مار أوغسطينس الذي سلّم تسليمًا تامًّا بأنّ مريم سليمة من الخطيئة، لا لأنّها حُفِظت من الخطيئة الأصليّة (لأنّ ميلادها سار على قوانين الطبيعة)، بل لأنّ الله طهَّرها منها بعد الحبَل بها: فقد كان زمن، مهما كان قصيرًا، فيه كانت مريم نفسها في حكم الخطيئة، شأن جميع الناس. ولمّا كان لمار أوغسطينس في ما بعد نفوذ كبير في علم اللاهوت الغربيّ، بقيت عقيدة الحبَل بلا دنس تُتَّهم بأنّها بدعة طوال قرون في الغرب، حتّى مار توما الأكويني فكَّر أنَّ مريم قُدِّست في بطن أمِّها (شأن يوحنّا المعمدان)، وإلّا لما صحَّ القول إنَّها احتاجت إلى الفداء والخلاص. فالمدرسة الفرنسيسيَّة هي التي، عن يد القدِّيس بونافانتورا (ولا سيّما دون سكوت) سلَّمت بالحَبَل بلا دنس، إذ عدَّت افتداء مريم، لا على أنّه تحرير من حالة خطيئة سابقة، بل حفظ من كلِّ خطيئة.

 

قُبِلت عقيدة الحبَل بلا دنس في الشّرق بعد مجمع أفسس: "مريم هي قدِّيسة بجملتها بسبب من أمومتها الإلهيَّة". هذه شهادة من الفرض المارونيّ يعود، على ما يرى الأب يوحنّا تابت، إلى القرن السابع أو الثامن:

 

"يا ربَّ الكلّ، أيّها الإله العظيم ومخلّصنا يسوع المسيح، يا مَن حنا علياءَهُ ليأتي إلينا، لقد اتّخذتَ مسكنًا في الحشا البتوليّ والمُقدّس منذ اللحظة الأولى بالرّوح القدس، في حشا أمِّكَ الوديعة العذراء المنزَّهة عن كلِّ عيب، مريم القدِّيسة والجديرة بكلِّ مديح. إنّها أمّ الله، خلافـًا لأوهام الهراطقة، فهي مرتفعة وأسمى من أعلى السّماوات..." (يوحنّا تابت، الفرض المارونيّ).

 

 

ج- الحبَل بلا دنس: تعبير عن سابق إعداد مريم لتكون أمّ المسيح

هكذا نرى أذًا أنّه لا يُمكن فصل الحبَل بلا دنس عن قداسة مريم: إنّه التأكيد المُطلق والشامل لهذه القداسة: مريم كلّها قداسة منذ بدء وجودها في الأرض ولم يكن للخطيئة يد عليها، على نحو مطلق.

 

ورأينا من جهّة أخرى أنَّ تقليد الآباء القدِّيسين، ولا سيّما بعد مجمع أفسس، كان يربط قداسة مريم المُطلقة والدائمة بأنّها ستلد وولدت إبن الله القدُّوس. فالحبَل بلا دنس نتيجة أمومة مريم الإلهيَّة.

 

ذلك بأنَّ أمومة مريم  الإلهيَّة تُعبِّر عن دعوتها الفريدة، بالنظر إلى تدبير الخلاص. كانت مريم، وهي ستكون أمَّ المخلّص، موضوع اختيار، كما أنَّ شعب إسرائيل  اختير ليكون شعب الوعد، ومنه سيولد المسيح المخلّص. هكذا أعِدّت مريم سابقـًا لتصير أمَّ الله، ولكنَّ هذا الإعداد السابق لم يقف عند هذا الحدّ. كان مرحلة لمجيء المخلّص، وشرطـًا لا بُدَّ منه لمجيئه إلى بشريّتنا لكي يخلّصنا. فالمخلّص هو الذي جاء إذا أوّل الأمر، وهو الهدف الأوّل لإعداد الله السابق. كتب الأب كارل راهنِر: "إنَّ هذه المشيئة الإلهيَّة للخلاص، التي منذ البدء الأوّل من كلِّ أزل، تغمر مريم فتسبق كلّ إمكان آخر، هو الإعداد السابق للمسيح نفسه. هكذا فلو لم تُرَدْ مريم قدِّيسة ومُفتداة على وجه تامّ، لما كان المسيح نفسه، كما هو في الحقيقة تجاهنا، أراده الله". واستأنف الأب راهنِر فقال:

 

"إنَّ مريم وهي التي افتُديَت على وجه تامّ، تخصّ، على نحو حقيقيّ يؤكّده لنا الإيمان تأكيد اليقين، حلقة إعداد المسيح السابق نفسه... سرّ الإعداد السّابق، وهو وحده يجعل للحبل بلا دنس معناه الخاصّ".

 

ولذلك افتُديَت العذراء مريم من خلال الحبَل بلا دنس، لأنّها من حلقة الفداء، لا بل إنّها المثال التامّ والنموذجيّ للفداء. قال الأب راهنِر في المؤلّف المذكور: "إنّ حفظها من الخطيئة الأصليَّة هو الشكل الأشدّ أصالة للفداء، وأسمى بركة"، لأنّه البدء الأوّل لهذا الفداء، لأنّه يجرّ معه القداسة التامّة والمطلقة، في سائر حياة مريم كلّها. هكذا نُزِعَت مريم منذ البدء، من زمان الخطيئة، وتعود إلى زمان الخلاص، لأنّها تعود إلى زمان المسيح. بقيت مريم طوال أيّام حياتها قدِّيسة لا خطيئة عليها.

 

 

د- "الخدمة" والقداسة

أ ُعِدَّتْ مريم سابقـًا لتصير أمّ الله فكانت بلا دنس منذ الحبَل بها، وقد افتُديَت بالنظر إلى هذه الدعوة وبالنظر إلى ابنها الفادي. وهذا ما شرحناه آنفـًا.

بيد أنَّ هذا الإعداد  السابق الآتي من الله لا يُبطل عند مريم كلَّ عملٍ وكُلَّ قبول، لأنَّ هذه الأمومة التي أ ُعِدَّت من أجلها ستكون في الحقيقة عملا ً حُرًّا لإيمانها. فقول مريم "ليكن لي بحسب قولك"، الذي أورده لوقا (1/ 38)، لا ينبغي عَدُّهُ "حدثـًا في سيرة مريم" (الأب راهنِر)، لا فائدة أخرى منه لنا. إنّه بالأحرى حدث من التاريخ العامّ "والرسميّ" للخلاص، بوصفه تاريخًا عامًّا رسميًّا، أكثر أهميَّة حتّى من إيمان إبراهيم أو العهد الذي أقيم في سيناء. فالأمومة التي عاشتها ليست حدَثـًا حياتيًّا فحسب، بل شاركت فيه حقيقة. هذه الطاعة، الطاعة المؤمنة لمريم، التي من دونها لما كانت أمَّ الله، هي نفسها ولا شكّ، نعمة من الله. هذا أمر أكيد، ولكن لا يبدِّل أي شيء كان في أنّها تصير أمَّ الله في حرّيَّة إيمانها. فالنعمة لا تُبطل الحريّة، بل ترفع شأنها وتحرّرها.

 

ذلك بأنَّ في فكرة الدعوة أو الإعداد السابق، لدور يُقام به في تدبير الخلاص، صلة جوهريَّة بين الوظيفة التي يُدعى فيه المرء بدعوة إلى القيام بها، والقداسة. "لم تتردَّد الكنيسة قطّ في القول والاعتراف، على سبيل المثال، بأنَّ الرسل  لم يكونوا أصحاب وظيفة في هذه الأرض في أثناء حياتهم فحسب،  بل في المدينة السماويَّة أيضًا. وقد كُتبت أسماؤهم على أبوابها فيجلسون قضاةً على العروش"... "وفي الأوقات الحاسمة من التاريخ، الوظيفة (=الدور الجوهريّ في التاريخ الرسميّ لخلاص شعب الله) والقداسة الشخصيَّة تندمجان حتّى إنَّ الواحدة منهما تحمل الأخرى وتجعلها ممكنة" (الأب راهنِر).

 

إذا كان الأمر هكذا في تدبير الخلاص عامّة، فكم بالأحرى يكون كذلك في هذا الحدث الحاسم على الإطلاق من هذا التاريخ، تاريخ الخلاص الذي هو التجسُّد، ودخول إبن الله في جسدنا. وعند ذاك دعوة مريم إلى أن تُتيح لابن الله هذا اتِّخاذ جسدنا تقتضي قداستها وتندمج فيها. وكما أنَّ هذه الدعوة هي أسمى دعوة تلقَّتها خليقة بشريَّة، فكذلك تكون قداستها. فهُنا الوظيفة والشخص، والدور في الكنيسة والموقف الشخصيّ أمام الله، والكرامة والقداسة، ذلك كلّه يندمج اندماجًا تامًّا. مريم هي حقـًّا أمُّ الله القدّيسة. في هذا الحدث الحاسم، الذي لأجله بقولها "نعم" وُلدت، والذي فيه ابتدأ العهد بين الله والإنسان، وهو عهد أبديّ نهائيّ، الحبل بلا دنس هو الإعداد السابق والتهيئة سالفـًا لفعل الإيمان هذا المُطلق الذي كان جوابها للملاك في بشارته لها... وهكذا تظهر قداستها منذ حبَلها.

 

ألنا أن نسائلَ أنفسَنا لماذا تندمج الوظيفة والقداسة الشخصيَّة وتدعو الواحدة منهما الأخرى، وخصوصًا في مريم؟ لا شكَّ في أنّه يمكننا الجواب: كان من اللائق أن تصحبَ القداسة مثل هذه الرسالة التي تقتضي قبول مقصد الله، وهي فاتحة هذا المقصد (هذا برهان اللياقة)، كان على التي يجب أن تكون أمّ الله أن تُقـَـدَّس بالنظر إلى رسالتها المقدَّسة. ولا يخطر للمؤمنين ببال أن يكون غير ذلك. وهذا هو برهان اللياقة الذي دلَّ التقليد على عقيدة الحبل بلا دنس. فهذا قول من بين ألف قول، فاه به بروقلوس القسطنطينيّ أمام نسطوريوس في أثناء مجمع أفسس:

 

"مريم هي الجنّة الروحيَّة لآدم الآخر، المكان الذي فيه ينشأ اتّحاد الطبيعتَين، المكان الذي فيه صُمِّم الوصال الخلاصيّ، المُخدَع الذي فيه اقترن الكلمة بالجسد... إنّها الجسر الفريد بين الله والناس، اللحمَة السرِّيَّة للتدبير الإلهيّ، التي فيها يُنسج على وجه لا يوصف، بخيط جزَّة آدم، قميص الوحدة".

 

وبعبارة أخرى، لم يكن يمكن الكلمة أن يولد، في ميلاده الزمنيّ، إلّا من أمّ قدِّيسة جدّاً.

بيد أنَّه يمكننا أيضًا أن نلاحظ أنَّ كلَّ رسالة في التدبير الخلاصيّ، وكلَّ دعوة أو إعداد سابق، يأتي من الرّوح القدس الذي يخلق ويسيِّر هذا التدبير، الرّوح المحيي والمُقدِّس. فالرّوح القدس نفسه يُسيِّر الكنيسة ويُقدِّسها، ولا يمكن الفصل بين هذين المظهرَين. القدُّوس، العليّ، يسوع المسيح وُلِد من الرّوح وسيَّره الرّوح. هكذا تلك التي كان يجب أن يحلَّ بها الرّوح لكي يخصب بطنها البتوليّ، كان لا بُدَّ لها من أن يصوِّرها ويلجها الروح. وما تؤكِّده عقيدة الحبل بلا دنس هنا هو أنَّ مريم، منذ الحبل بها، بالنظر إلى رسالتها وهي أن تكون أمّ الله، كانت خليقة الروح على وجه تامّ وفي كلِّ شيء.

 

 

2- الإنتقال إلى السّماء

يظهر مجد الله، أي عظمته، في قداسة مريم، ولا سيّما في الحبل بها بلا دنس. أجل، يظهر هذا المجد في أثناء حياة مريم في الأرض في ظلمة الإيمان. وهي إنعكاس تجرُّد الابن من ذاته. يتوهَّج مجد الله، في انتقالها إلى السّماء، على أنّها إنعكاس تمجيد الله لابنه بقيامته، وصعوده إلى السّماء وجلوسه "عن يمين الآب".

أ- الدستور الرّسوليّ لبيوس الثاني عشر

حدَّد بيّوس الثاني عشر إنتقال مريم بالجسد والنفس إلى المجد السّماويّ.

ولكنّ نصّ الدستور، قبل التحديد في حدِّ ذاته، ذكر بإيجاز تاريخ هذه العقيدة منذ القرن السادس، وهو يُظهر كيف تفهَّمت الكنيسة على نحو تدريجيّ إيمانها واستخلصت هذه الحقيقة ممّا يكمن في أصول الوحي المختصَّة بمريم. تذكَّر آخر فقرات النصّ البابويّ بذلك.

 

فالمسألة هي، قبل كلِّ شيء، برهان لياقة، مبنيّ على الكتاب المقدّس. فالكتاب المقدَّس "يُرينا، على وجه ما، أمّ الله الجليلة متّحدة بابنها الإلهيّ اتِّحادًا وثيقـًا ومشتركة دائمَا في مصيره". فعندما تؤكِّد الكنيسة إنتقال مريم إلى السّماء بالجسد والنفس، فهي على وفاق وهذا الاتّحاد وما يقتضيه هذا الاتّحاد. لم يكن ممكنـًا فصل مريم عن ابنها "بعد حياتها في الأرض، إن لم يكن بنفسها، فبحياة جسدها على الأقلّ. هكذا أولاها ابنها هذا الشّرف العظيم بأن يصونها من فساد الموت"، لكيلا تنفصل عنه في تمجيده. تشير الوثيقة الحبريّة إذاً إلى أنَّ العقيدة الجديدة مبنيَّة على الكتاب المقدّس شيئًا عن انتقال مريم بالجسد والنفس، كما أنّه لا يذكر شيئًا عن الحبل بلا دنس، ولكنَّ الحقيقة المؤكّدة في الكتاب المقدّس تزدهر في انتقال مريم بالجسد والنفس.

 

وهناك برهان آخر وارد في هذا الدستور العقائديّ: برهان مأخوذ من الآباء القدِّيسين بأنَّ مريم هي حوّاء الجديدة، فهي موازية للمسيح آدم الجديد. فمريم مثال مضادّ لحوّاء، التي غلبتها الحيَّة، كما غلبت آدم، وقد "اتّحدت مريم اتّحادًا وثيقـًا جدًّا بآدم الجديد، في محاربة العدوّ الجهنَّميّ". ولذلك كان لا بُدَّ من أن تكون متَّحدة به في النصر. فكما أنَّ قيامة المسيح جانب جوهريّ لانتصاره على الخطيئة والشيطان، فكذلك "كان لا بُدَّ من أن تنتهي الحرب التي خاضتها مريم متّحدة مع ابنها، بتمجيد جسدها البتوليّ".

 

وآخر الأمر، إنَّ هذا التصوُّر نفسه للإتّحاد بين الإبن وأمّه في مقصد واحد يستدعي الإعداد السّابق نفسه. تابع هذا النصّ نفسه كلامه فقال: هذا الإعداد السابق الذي يجمع بين الإبن وأمّه يبدو في ما نسمِّيه امتيازات مريم: "حُبِلَ بها بلا دنس، عذراء طاهرة جدًّا في أمومتها الإلهيَّة ورفيقة سخيَّة للفادي الإلهيّ الذي أصاب نصرًا شاملا ً على الخطيئة ونتائجها". فقد نال، آخر الأمر، تتويجًا أعلى لإمتيازاتها بأنّها حُفِظت من فساد القبر، وشأن إبنها، بعد قهرها للموت، أن تُنقل بالجسدِ والنفس إلى المجد في أعلى السّماوات، لكيّ تتلألأ ملكة عن يمين إبنها، ملك الدّهور الخالد".

 

هكذا إنتقال مريم بالجسد والنفس إلى السّماء هو "تتويج أعلى لامتيازاتها". وهذا الامتياز يتوِّج اتّحادها بابنها، وهي "رفيقة سخيَّة للفادي الإلهيّ الذي انتصر انتصارًا على الخطيئة" وعلى الموت.

وهي لذلك ملكة مع ابنها، مثل الملكة الأمّ في العهد القديم "عن يمينه".

إنتقال مريم إلى السّماء بالجسد والنفس يوحِّد إذاً بينها وبين إبنها في المصير نفسه. وقد انتهى هذا المصير بالإرتفاع في المجد بنفسها وجسدها. "تشتركُ دائمًا أبدًا في مصيره".

 

 هذا الإتّحاد في الدعوة والرغبة مبنيّ على أمومة مريم البتوليَّة، كما رأينا ذلك، أي على أنَّ مريم هي أمّ يسوع، فادي العالم. فانتقال مريم إلى السّماء يُضيف عنصرًا جديدًا إلى علم اللاهوت المريميّ، إذا انطلقنا من غاية مصيرها هذه المرَّة، ونظرنا إلى اتِّحادها في مصير المسيح الذي يَظهر على أنّه مشاركة في انتصاره. نكتشف في انتقال مريم إلى السماء، بالإنطلاق من مشاركتها في مجده (القيامة)، مشاركة وثيقة في رسالته ودعوته كلّها.

 

ولذلك بوسع بيّوس الثاني عشر أن يُعلن: "نؤكِّد ونُعلن ونحدِّد عقيدة أوحى بها الله وهي أنَّ أمَّ الله الطاهرة، مريم الدائمة البتوليّة، بعدما أتمَّت مسيرة حياتها في الأرض، رُفِعَت بالجسدِ والنفس إلى المجد السّماويّ". لا بُدَّ من ملاحظة تخيُّر الألفاظ. لا يُقال إنَّ مريم "أ ُقيمَت من الموت" في جسدها. لا يُؤكـَّـد إذاً أنَّ مريم ماتت ميتة طبيعيَّة، ولا يُردّ ذلك أيضًا. ولا يُقال أيضًا (كما الأمر هو في الكلام على المسيح) إنّها قُبِرَت أو لم تُقبَر. تبقى القضيَّة مفتوحة في رأي السّلطة التعليميَّة. ولكنّ علماء اللاهوت على العموم يميلون إلى فرَضيَّة موت مريم: ففي هذا الموت، تكون على مثال ابنها حتّى النهاية. وهذه الفرضيَّة هي أيضًا موافقة لتقليد قديم.

 

 

ب- تاريخ عقيدة إنتقال مريم إلى السّماء

1- كان مار أفرام الأوّل من آثار مسألة وفاة مريم في الأرض. لم يقُل شيئًا، لا إنّها ماتت ولا إنّها بقيت خالدة. لا يبدو أنّه يعرف أيَّ تقليد قديم على هذا الموضوع.

2- عيد الرُّقاد

غير أنَّ إعلان مريم أمّ الله في مجمع أفسس، بقوله إنَّ جسد العذراء المجيدة وَلَد الله، مهَّد الطريق لتفهّم وَفاتها المجيدة. ونحن نعلم أنَّ كنيسة أورشليم، في نحو السنة 425، قبل هذا المجمع إذاً، أقامت عيد ذكرى السيِّدة مريم "التي صارت منذ نحو 550 عيد الرُّقاد".

لمّا كانت الكنيسة اليونانيَّة تحتفل "بذكرى القدِّيسة مريم"، فمن الأكيد أنّها كانت ترى مريم في المجد السّماويّ. وعندما تُكرَّم مريم، تنظرر دائمًا أبدًا إلى البطن المجيد الذي فيه وُلد ابنها الوحيد في جنسِنا البشريّ. ولكن لم يكن من كلام بعدُ على انتقال مريم إلى السّماء.

غير أنّه لمّا صارَ هذا العيد عيد "الرّقاد"، وأخذ المسيحيّون يتكلّمون على "رقادٍ في الموت" أو على "موتٍ في الرّقاد"، اختيرَت كلمة "الرُّقاد" للإشارَةِ إلى وفاة مريم العجيبة المجيدة، لأنّ وفاة أمّ الله لا يُمكن أن تكون وفاة عاديّة، مثل وفاة سائر الناس.

 

 

3- قبرا العذراء

هناك مكانان يُقال إنّهما احتويا قبْرَيْ العذراء: أفسس ومدينة القدس الشريف. يبدو أنَّ التقليد المُختَصّ بأفسس مُتَّصل بمجمع 431: المدينة التي أعلنت فيها أمّ الله هي المدينة التي توفِّيت فيها. ومن جهّة أخرى، إنَّ أعمال المجمع تذكر عدّة مرّات "قبر يوحنّا اللاهوتيّ". وقد ورد في إنجيل يوحنّا أنَّ التلميذ "استقبلها في بيته". وهكذا قام، ولا شكّ، التقليد الذي يقول إنّ مريم توفّيت ودُفنت في أفسس.

 

ولكن كان هناك تقليد أقدم ورد فيه أنَّ قبر العذراء هو في أورشليم، وورد في "التاريخ الأفتيميّ"، الذي استشهد به مار يوحنّا الدّمشقيّ في القرن الثامن، أنَّ بطريرك أورشليم جوفينال، الذي حضر في 451 المجمع الخلقيدونيّ والذي كان حاضِرًا بعدئذٍ في القسطنطينيّة، تلقّى طلبًا من الإمبراطور مرقيانس ومن زوجته بولخيرية Pulchérie لذخائر العذراء. فأجاب جوفينال انَّ قبر مريم في أورشليم وُجـِدَ فارِغًا. وبعد قليل، أرسل إلى الإمبراطور أكفانًا وُجـِدَت في ذلك القبر.

 

فلنختم ذلك بقولنا: من جهّة، كانوا على العموم يعتقدون في التقوى الشعبيّة أنّه كان هناك قبر للعذراء، إمّا في أفسس وإمّا في اورشليم، الأمر الذي يؤيّد الاعتقاد بموت مريم. ومن جهّة أخرى، لم يوجَد وما وُجـِد قطّ ذخائر لمريم. عندما يذكر المرء كم كانت التقوى الشعبيّة مولعة بذخائر القدِّيسين، فلا يسعه إلّا أن يعجب من هذا الفقدان في ما يختصّ بمريم. فلنقل إنَّ في ذلك أساسًا حقيقيًّا لوفاة أمّ الله العجيبة.

 

 

4- المؤلّفات المنحولة في موضوع الرُّقاد

كثُرَ عددها وتضاعفت منذ آخر القرن الخامس. تروي الأخبار موت مريم، وقد حفَّت بها الأعاجيب وتبعها إمَّا حفظ جسدها النيّر من الفساد في القبر، وإمّا نقلها إلى الفردوس الأرضي (= حوّاء الجديدة). من الأكيد أنَّ هذه الأخبار ساهمت مساهمة كبيرة في إشاعةِ الاعتقاد بانتقال جسد مريم إلى السّماء وقد ألهمت في ما ألهمت وعّاظ العظات البيزنطيّة على الرقاد، التي ظهرت في الشرق في نحو السنة 700م.

 

5- العظات البيزنطيّة

جميع هذه العظات (ما عدا عظة واحدة) تروي:

- موت مريم نقلاً عن المؤلّفات المنحولة.

- دفنها في وادي الجتسمانيَّة في أورشليم حيث كان مزار قسطنطين.

- رفع جسدها المجيد إلى السّماء.

(راجع مار أندراوس الكِريتيّ ومار جرمانس بطريرك القسطنطينيّة ومار يوحنّا الدّمشقيّ).

تُشدّد المبادئ التعليميّة التي تشرح فيها:

- على والدة الإله (ثيوطوقوس): جسد الأمّ ملك للابن وقد ربط الله الجسدَين الواحد بالآخر للأبد.

- على أمومة مريم البتوليَّة: لا يستطيع قانون الطبيعة أن يتحكّم بسلطانه المُفسد في الجسد الذي وَلـَـدَ كلمة الله ولادة بتوليَّة.

- وهناك صلة بالحبل بلا دنس: فكما أنَّ هذا الجسد لم يَنل منه منذ ولادته الفساد الروحيّ، فلم يُسلَّم عند الوفاة إلى فساد الموت الجسديّ.

والمدهش في هذه العظات هو أنَّ الحدث الغالب ليس موت مريم وقيامتها، أيًّا كان مكان الخبر، بل حدث التجسُّد. فإذا تُرِكَ الخبرُ جانبًا، فليس هناك سوى فرق قليل جدّا، في مجال العقيدة، بين هذه العظات وعظات القرن الخامس في ما يختصّ بميلاد المسيح وميلاد مريم أو البشارة.

فهمت الكنيسة، منذ مجمع أفسس، أنَّ بين الأمّ والابن تمَّ تبادل: صارت مريم شريكته لمنعة الكلمة من الفساد، في الوقت الذي جعلته فيه شريكًا  لطبيعتها القابلة للألم. فكما أنَّ الكنيسة تشعر بوحدتها المُطلقة مع المسيح، مع أنّها هي في الأرض وفي الزمان، في حين أنّه هو في السماء، وفي الأبديّة، فكذلك فهمت أنّه بين الأمّ والابن لا يُمكن أن يقوم أي افتراق زمنيّ أو مكانيّ، روحيّ أو جسديّ. فعلى هذا الشعور بنت الكنيسة اليونانيَّة إيمانها في الحبل بلا دنس في أوَّل حياة مريم، مؤكّدة أنَّ مريم كانت قدِّيسة بجملتها منذ أوّل أيّامها. وهذا الشعور نفسه قاعدة إيمانها بالانتقال، إذ تؤكّد أنَّ مريم لم ينل منها فساد القبر، وهكذا لم يستطع شيء الفصل بين الأمّ والابن، حتّى في الجسد.

 

6- في الغرب لا يُضاف إلّا القليل

في أواخر القرن السابع، أدخل البابا سرجيوس (وهو سريانيّ) إلى رومة عيد الرّقاد الذي سُمِّي فيما بعد "الانتقال"، وقد بقيَ عيد وفاة مريم.

وآخر الأمر في القرن الثالث عشر، علّم علماء اللاهوت المدرسيّ، من فرنسيسيِّن أو دومينيكانيِّين، أنَّ عقيدة الانتقال ثابتة، لمعرفتهم العظات البيزنطيَّة.

نختم درس العقيدتين المختصَّتين بمريم فنقول: يبدو لنا من المهمّ استخلاص الأفكار الجوهريَّة التي منها تتألّف هاتان العقيدتان.

لاحظنا أنَّ في عقيدة الحبل بلا دنس، وفي عقيدة الانتقال، عبارة الإعداد السّابق الإلهيّ بالنظر إلى مريم، وذروته هو أنَّه ستكون وكانت أمّ الله. إنَّ هذا الإعداد السّابق لمريم يندرج في الإعداد السابق، أي في مشيئة الله التي تتوخّى تدبير الخلاص. وبعبارة أخرى، لمريم وابنها، في هذا المخطّط الإلهيّ للخلاص، الذي أراده الله، مصير مشترك. يبدأ هذا الاشتراك في المصير الواحد بالنظر إلى مريم في الحبل بها بلا دنس، وينتهي عند ارتفاعها بالجسد والنفس في المجد السّماوي، كما أنّه يبدأ بالنظر إلى المؤمنين في عمادهم في الموت والقيامة مع المسيح، وينتهي بالقيامة العامَّة، ولكن هذا الاشتراك في المصير هو، بالنظر إلى مريم، أوثق وخاصّ ويقتصر عليها وحدها.

 

تُشدِّد عقيدة الانتقال، في هذه النظرة الشاملة، على أنّه لا يُمكن الفصل بين الأمِّ والابن، وهما غير منفصلين الواحد عن الآخر في المجد السّماويّ. راجع الدستور الرسوليّ لبيّوس الثاني عشر: "إنَّ أمّ الله الجليلة متّحدة اتّحادًا وثيقـًا جدًّا بابنها الإلهيّ، وتشترك دائمًا أبدًا في مصيره". إنّ اتّحادهما في المجد السّماويّ يُعبِّر عن الغاية ويُتِمّ هذا "التاريخ" المُشترك. كانت مريم الرّفيقة السخيَّة للفادي، طوال أيّام حياتها، متّحدة بابنها. الغاية توضح كلّ ما سبق. إشتركت مريم في رسالة ابنها، في معركته لمحاربة العدوّ الجهنميّ".

 

قاعدة هذا الاتّحاد أو هذه المشاركة هي تبادل بين الأمّ والابن. أعطت مريم ابنها المشاركة في الكيان البشريّ بإعطائها إيّاه جسده وطبيعته الإنسانيّة. أعطى الابن أمّه، على نحو مخلوق، المشاركة في الكيان الإلهيّ، وإذاً في قداسته وعدم قابليّته للموت. هذا ما يعبِّر عنه سرّ أمومة مريم الإلهيّة.

 

هذا ما أدركته الكنيسة آخر الأمر في هذه المسيرة البطيئة التي آلت إلى تحديد عقيدة الانتقال.

ولكنَّ هذه العقيدة ليست في خارج الكنيسة نفسها. فكما أنَّ الكنيسة هي ذروة تدبير الخلاص في هذا العالم، فكذلك في هذا التدبير أقامت لنفسها مكانًا بالنظر إلى مريم، إذ أقامت مكانًا في تدبير الخلاص. رات الكنيسة في مريم مثالها وأوَّل مَن افتُديَ، وبعد حين أمَّ المؤمنين وأمَّها، أمّ الكنيسة، كما قال الباب القدّيس يوحنّا بولس الثاني.

 

بوسعنا أن نُضيف أيضًا: الانتقال، هو مشاركة في قيامة المسيح، يدلّ على اتّحاد الأمّ والابن في انتصار على الشيطان والموت. ولذلك يكرِّس الانتقال هذا الانتصار النهائيّ، وهو دخول في المجد السّماوي.ّ

 

تظهر هذه المظاهر بوضوح في مديح الكنيسة لمريم. وهذه المظاهر مرتبطة في أحيان كثيرة بموضوع حوّاء الجديدة المتّحدة بآدم الجديد الذي يجمع في نفسه تاريخ الخلاص. (شخص العذراء وهي تسحق رأس الحيّة). (سفر التكوين 3/ 15).

 

 

 "خلاصة اللاهوت المريميّ"

الأب أوغسطين دوبر لاتور

 

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية