غاية التعبُّد المريميّ

 

 

 

 

غاية التعبُّد المريميّ

 

 

حدّد المجمع غاية التعبُّد المريميّ بقوله: "يصدر التعبُّد الحقيقيّ عن الإيمان الحقيقيّ الذي يدفعنا إلى الإعتراف بسموِّ أُمِّ الله، وإلى حبّها حبًّا بنويًّا، وإلى الإقتداء بفضائلها". كما ويقول بولس السّادس إنّ تلك الغاية هي "تمجيدُ الله والعيشُ بحسب إرادته". وفي الحال، إنّ التوافق وإرادة الله كان مُستند حياة العذراء، هي التي لم تشأ يومًا أن تكون إلاّ "أمَة الربّ" الوضيعة... فمقياس التعبُّد لمريم هو، إذًا، الإقتداء بها.

 

 

 

رُبَّ معترضٍ يقول إنّ "الإقتداء بالمسيح هو الأهمّ. فالعذراء لم تَقُلْ مرّةً واحدة: "اتبعوني"... لا ريب، كما يقول بولس السّادس، في أنّ الإقتداء بالمسيح هو الطريق الملوكيّة لبلوغ القداسة. بَيْدَ أنّ الإقتداء بالعذراء مريم لا يمنع بتاتًا المؤمنين من أن يسيروا بأمانةٍ في خُطى المسيح، بل هو بالعكس يشجِّعهم على ذلك ويسهّله لهم، لأنّ مريم التي عملتْ دائمًا مشيئة الله، قد كانت أوَّلَ من استحقَّ ثناء المسيح القائل: "من يعمل مشيئة أبي، ذاك هو أخي وأختي وأمّي" (متّى 12/ 50).

 

 

 

إن كان كلّ شيء، في حياة مريم، يرتكز على الـ"نَعَم" التي قالتها لله، فهذه الـ"نَعَم"، كما يقول اللاهوتيّ الكبير بَلْتَسار (Hans Urs von Balthasar)، ليست إلاّ "الصّدى البشريّ التامّ للـ"نَعَم" الإلهيّة البشريّة التي قالها يسوع للآب... مِحورُ الـ"نَعَم" التي قالتها مريم هو مِحورُ الـ"نَعَم" التي قالها الابن... فالمِحوران متشابكان كلّيًّا، وإن كان لا يغيب الواحد في الآخر. وإنّ التخْيير الحصريّ القائل: "إمّا يسوع وإمّا مريم"، فإنّما هو تَخْييرٌ مستحيل ولا معنى له، كالتخيير الحصريّ بين المسيح من حيث هو الرأس، والكنيسة من حيث هي الجسم. فعندما يُفصَلُ اعتباطيًّا عن أُمّه أو عن الكنيسة، لا يعود المسيح، في نظر المسيحيّة، موضوع إدراكٍ تاريخيّ، بل يصبح شيئًا في المجرَّد، كائنًا يهبط من السّماء كالنَيْزَك، ثمّ يعود إلى السّماء دون أيّ تأصُّلٍ واقعيّ في تاريخ البشر، ماضيًا ومستقبلاً.

 

 

 

"ولمّا كانت الـ"نَعَم" التي قالتها مريم لا تشوبها شائبة، فإنّ إكرامها والإقتداءَ بها لا يكوّنان روحانيّةً منفصلة. لا، بل ينبغي القول إنّه ليس لروحانيّةٍ تُصادِقُ عليها الكنيسة، أن تدّعي بلوغَ الله، إن هي تجنّبتْ ذلك المثال للكمال المسيحيّ، أو رفضتْ أن تكون مريميّة. فليس، في الكنيسة، غيرُ مريم مَن تجاوَبَ ونداءَ الإيمان بأكثر ما يمكن من الصَّفاء والمَنطِق. هذا وليس مِن دربٍ للكمال المسيحيّ لا تقوم على الطواعيّة (disponibilité) اللّامتحفـِّظة...، كما كان من أمر الـ"نَعَم" التي قالتها مريم من أجل جميع المسيحيِّين، لا بل جميع البشر...

 

 

 

"هذا وإنّ لِمَن يريد الإقتداء بالـ"نَعَم" المريميّة، خياراتٍ عديدةً ومختلفة باختلاف الظروف الحياتيّة التي نلتقي فيها بمريم: فهناك المرأةُ الشجاعة أثناء الهرب إلى مصر، ومدبّرةُ البيت النشيطة والمتخفيّة، والأُمّ المتأمّلةُ سرًّا والحافظةُ في قلبها لكلّ ما يتعلّق بابنها، والمتشفِّعةُ بالفقراء الذين لم يعد عندهم خمر، والمُرافقةُ لرسالة ابنها بالصَّلاة والقلق المؤلم، والمتحوّلةُ بالألم الأكبر إلى نموذجٍ للكنيسة، والمُتواريةُ في صلاة الكنيسة وعملِها".

 

 

 

هذا الإقتداء بمريم، ما فتئ آباء الكنيسة يشدّدون عليه قائلين، مع يوحنّا الدمشقي: "الطريق الفُضلى لإكرام الله ومريم هي ممارسة الرّحمة"... ومع أُوريجينُس: "ماذا ينفعني القول إنّ المسيح قد جاء في الجسد الذي كوّنتْه له مريم، إن لم أُظهر أنّه قد جاء أيضًا في جسدي" بالإيمان، مثل مريم؟... ومع أحد النصوص القُبطيّة من القرن الرّابع: "إن أرادتْ إحداهُنَّ أن تُدعَى بتولاً، فلْتقتدي بمريم"... ومع أتناسيوس: "مريم هي مِرآةُ جميع الفضائل، وإنّ الإقتداء بها هو الشّكل المميَّز للحياة المسيحيّة"... ومع أمبروسيوس: "مريم ليست فقط مثال البُتولة، بل هي أيضًا مثالُ الأُمِّ ومثلُ الشجاعة"...

 

 

 

إلى ذلك فإنّهم، في الكنيسة الشّرقيّة المتأثّرة جدًّا بالحياة الرُّهبانيّة والنُّسكيّة، قد اعتادوا منذ القِدَم أن "يروا في مريم مثالاً كاملاً للحياة التقشُّفيَّة والتأمُّليَّة التي تتغذّى بالصَّمت، والفقر، والتواضع، والطاعة، والقراءة الرُّوحيَّة، والمدائح الإلهيّة المستطيلة، والصّلوات المتواصلة.

 

 

 

 

علامات التعبُّد الصّحيح

 

 

 

 

 

التعبُّد الصّحيح لمريم:

 

 

1- روحيّ وداخليّ، ينطلق من الرّوح والقلب، ويوجِّه الرّغبات نحو الخير الرّوحيّ، دون أن يعني ذلك استثناءً للخير الجسديّ.

 

 

 

2- مُثابر ومستمرّ، على مثال الكنيسة التي تخُصُّ الصَّلاة المريميَّة بحصَّةٍ كبيرةٍ في اللّيتورجيّا. فالمثابرة تجعلنا نتعلّق بالممارسات التقويّة، وتمنحنا الشجاعة في مكافحة الشرّ الذي فينا، على الرَّغم من سقطاتنا المتكرّرة.

 

 

 

3- يحرّك الثقة والبساطة، في لجوئنا إلى الأُمِّ الحنون: في الحيرة، والتجارب، والضعف، والوساوس، والعذاب، والمسؤوليّات، والمشاريع...

 

 

 

4- مقدِّس، إذ يحمل على الإقتداء بما كان في العذراء من تواضع، وطاعة، وتفرُّغ للخدمة، وتقشُّف، وصلاة، وطهارة، ومحبّة، وتحمّل، ووداعة، وحكمة... هذا وإنّ الكنيسة لا تُثبِّط عزيمة المتعبِّد الخاطئ الذي لا يتصلّب في خطيئته بل يرغب، ولو بمقدار، في أن يتحسّن...

 

 

 

5- غيرُ مُغرِض، إذ يحمل على محبّة الأُمّ السَّماويَّة كما يحبُّ المرء أمَّه على الأرض، دون خلفيّات نَفْعيّة، لا من حيث الجسد ولا حتّى من حيث الرّوح، بل من حيث إنّها تُحَبّ...

 

 

 

6- فاعل، لا يكتفي بالممارسات المُطَمئِنة دون العبور إلى الإلتزام اليوميّ، على مثال مريم التي إلتزمت سرّ الفداء. فالتعبُّد الصّحيح يجعل المتعبِّد ينفتح على التدبير الإلهيّ الرّامي إلى إنهاض الإنسان، كما انفتحت عليه مريم العذراء. والتعبُّد الصَّحيح يضع المتعبِّد على الطريق التي سلكتْها العذراء لخدمة المسيح بين البشر، وإلاّ كان التعبُّد مَسْخًا وتشويهًا: مريم لم تتهرَّب يومًا من نتائج الـ"نَعَم" التي قالتها. فالتعبُّد الصّحيح يعني أن نقول، بكلّ صدق وشجاعة، الـ"نَعَم" التي قيلتْ عنّا يومَ العماد، أو قلناها يومَ الزّواج أو النّذور الرُّهبانيّة أو السّيامة الكهنوتيّة أو الإلتزام الرّسوليّ...

 

 

"مهما يقل لكم فافعلوه". يشرح يوحنّا بولس الثاني ويقول: "هذه الكلمة، تُردِّدها مريم باستمرار... فإنّ في سماع الكلمة والعمل بموجبها سرّ التعبُّد المريميّ تعبُّدًا يجعلنا نشترك في حبّها الوالديّ، إلى أن تكوّن فينا صورَة المسيح... ولذا، فعلينا أن نرفض كلّ ما يناهض الإنجيل: الحقد، العنف، الظلم، العُطل عن العمل، فَرْض الإيديولوجيّات المحقِّرة لكرامة الإنسان ذكرًا وأُنثى. كما وعلينا، بالمقابل، أن نشجِّع كلَّ ما هو بحسب مشيئة الآب السّماويّ: المحبّة، التعاون، التربية في الإيمان، الثقافة، ترَقّي الأشدّ فقرًا، احترام الجميع لا سيّما المحرومين والمعذّبين والهامشيِّين. ذلك أنّه لا يجوز أن تعتبر مريم أُمًّا فيما نسمح بتحقير أبنائها وسوءِ معاملتهم".

 

 

كنّا، ربّما، نحلم يا مريم بحياةٍ هادئة. وإذا بنا مَدعوّون إلى كفاحٍ لم تُستَثْنَي أنتِ منه. فأنت لست هنا لتُهَدْهدينا بالأوهام، بل لتمنحينا شجاعة العمل من أجل الإنسان. فمنك نلتمس المعونة لكي يجعلنا التعبُّد لك في خدمة ابنك الإله الإنسان المعذَّب في الإنسان، ويجعلنا، مثل القدِّيس منصور دي بول، نعتبر الفقراء "أسيادًا" لهم علينا حقُّ الخدمة الفاعلة والخلاّقة...

 

 

 

 

 7- يؤدّي إلى المسيح ويكوّنه فينا. يقول بيوس الثاني عشر: "إلى يسوع، بمريم. فهي، إذًا الطريق المؤدّي إلى المسيح الذي هو الطريق والحقّ والحياة"... وبولس السّادس: "ليس التعبُّد المريميّ غايةً بحدِّ ذاته، بل هو وسيلةٌ لتوجيه الأنفُس نحو المسيح، فتتّحد بالآب، في حبّ الرّوح القدس". كما ويقول للجمعيّات المريميّة: "إنّ التعبُّد لمريم هو الطريق الرئيسيّة المؤدّيّة إلى المسيح، وفيه إلى مجد الله ومحبّة الكنيسة". وفي رسالته "التعبُّد المريميّ": "كلُّ ما في العذراء يعود إلى المسيح، وهو به متعلِّق"... هذا وكان المجمع قد قال إنّ "مهمّة مريم الوالديّة نحو البشر لا تَحجُب وساطة المسيح الوحيدة، ولا تُنقِص منها البتّة، بل تُظهِر قوّتها... وهي لا تَحُول دون اتّحاد المؤمنين المباشر بالمسيح، بل تساعده".

 

 

لا، ليست مريم حاجبًا بيننا وبين ابنها. فالأُمّ، كما يقول موريس زُونْديل، هي دائمًا "مَعْرِض" ابنها (ostensoir). فلمّا كانت مريم، أُمُّ المسيح، هي نموذج المسيحيّ المكتمل، فإّنها تَعرِض علينا ابنها، فتساعدنا بذلك على اتّخاذ المواقف التي تسمح للرّوح أن "يحوّلنا إلى صورة الرَّبّ، المتزايدة في البهاء" (2 قور 3/ 18)... فعندما نتأمّل في حياة مريم، نُدرِك ما هي الحياة للمسيح ومع المسيح، وكيف نتجاوب أبدًا ونداءاته... هذا ما نسمّيه بالتحوُّل إلى صورة المسيح. ولمّا كان الفعل الإلهيّ واحدًا ومتواصلاً، فإنّ الله، إن هو أراد مرّة أن يكوّن المسيح بمريم وفيها، فهو يريد، كلَّ مرّة، أن يكوّنه فينا بمريم أيضًا... وهكذا، يقول القدّيس إيلْدِفُونْس، "يعود إلى الملك، الإكرامُ المؤدَّى تمجيدًا متواضعًا للملكة".

 

 

 

8- يُبرِز المعنى الكامل للمناولة الإفخارستيّا. فالمناولة تعني للمسيحيّ المتعبِّد أنّه يعيش سرّيًّا في مريم ما قد عاشه فيها جسديًّا ابنُ الله، فتكون له مريم الأُمُّ ما كانت لابنها الإلهيّ: هيكلاً ومِحرابًا ومَذبحًا. فإنّ حشاها، كما يقول القدّيس أمبروسيوس، هو "قاعة الأسرار" حيث تكوَّنَ يسوع المسيح، ويتكوَّن جميع المختارين.

 

 

والمناولة تعني أنّنا نحيا بمريم، بروحها الذي هو روح الله، روحُ الوداعة والقوّة، التواضع والشجاعة، البُتولة والخصب. أن نحيا بمريم يعني أيضًا أن ندعها تحوِّلنا إلى صورة ابنها، كما هي نفسها دَعَتْه يحوّلها من أجل الرِّسالة.

 

 

والمناولة تعني أنّنا نستمدّ الحياة من مريم، كما استمدّ ابنها منها الحياة في حشاها. فمَن يتناول، إن صحَّ قول أفرام وأغسطينوس، يأكل نوعًا ما جسد مريم، لأنّ "جسد المسيح جسدُ مريم".

 

 

والمناولة تعني أخيرًا أنّنا نحيا مثل مريم، على صورة المسيح الذي كُوِّنَ جسديًّا ونفسيًّا على صورة أُمِّه. أن نحيا مثل مريم يعني أن نعيش بروح الخدمة.

 

 

 

9- يحمل على اختيار خدمة الفقراء، كما خدمتْ مريم أثناء الزيارة، وفي عرس قانا، وعند الصَّليب، وفي العلّيّة، فأعطت كما الرَّبّ قد أعطاها.

 

 

لقد يعني العمل الرّسوليّ، في بعض الحالات، الترقّي الإنساني الإجتماعيّ من خلال مستوصف، أو مركز لتعليم القراءة والكتابة، أو مهنة، أو عناية صحيّة، أو استقبال، أو إنقاذ، أو بيوت للعجزة، أو مساكن جاهزة للمشرَّدين، أو الوضع تحت تصرّف المحتاجين لبعض الأبنية الكنسيّة والرّهبانيّة الغير المستعملة أو المستعملة جزئيًّا... أو من خلال تشجيع الشبيبة على تخصيص البعض من وقتها لخدمة المحتاجين (مريم كرّست ثلاثة أشهر لخدمة نسيبتها أليصابات، وحياتها كلَّها لخدمة الجنس البشريّ)، أو أخيرًا من خلال مشاريع التَوْأَمة والتبنّي... أَوليس الإيمان المسيحيّ مرتبطـًا ارتباطـًا وثيقًا بالإلتزام الواقعي وأعمال المحبّة؟

 

 

 

10- يحمل البصمة المزدوجة التي قد ختمت حياة مريم، أي الإنقطاع ("لماذا كنتما تطلبانني؟") - (لو 2/ 49) والتأمُّل ("وكانت تحفظ جميع هذه الأشياء وتتأمَّل فيها في قلبها" - (لو 2/ 19، 51)... فإنّ تعبُّدًا لا يقتضي أيَّ انقطاع عن بعض العادات، إنّما هو تعبُّد في خطواته الأولى. وإن هو لا يُفْضي بالمتعبِّد إلى الحياة الداخليّة التأمُّليّة والإستسلام لله، فإنّما هو تعبُّد يَنِمّ عن الخوف أو عن كُلُومٍ نفسيّة، أكثر منه عن السَّعي إلى الله.

 

 

 

11- له وجهٌ ثالوثي ومِسْيَحي وكنائسي. فالتعبُّد المسيحيّ هو أصلاً عبادة الآب، بالابن، وفي الرّوح. وإن كانت الكنيسة تؤدّي لمريم والقدِّيسين عبادةَ الإكرام (لا السّجود المختصّ بالله وحده)، فلأنّها تريد أن تحتفل فيهم - هم الذين تألّموا مع المسيح - بالسرّ الفصحيّ. وإنّ لمريم، في هذا السرّ، علاقة الابنة مع الآب مصدر النّعمة والمجد، وعلاقة الأُمّ مع الابن المتجسّد فيها لخلاص البشر، وعلاقة القرينة مع الرّوح القدس الذي أخصبها فكوَّن فيها جسد الكلمة الكلّيّ النّقاء، جاعلاً إيّاها مَسكِنَ الملك ومكان استراحة الكلمة (أمبروسيوس)، وهيكل الربّ (إيرونيموس)، وتابوت العهد (يوحنّا الدّمشقي)، ومِحرابَ الرّوح القدس (برنردُس).

 

 

وعليه، ينبغي للتعبُّد المريميّ أن يكون فينا انعكاسًا لهذه العلاقة البنويّة مع الآب، والقرائنيّة مع الرّوح، والأخويّة لا بل والأُموميَّة مع الابن ("من يعمل مشيئة أبي، ذاك هو... أُمّي").

 

 

ولمّا كان للعذراء مريم مكانةٌ كبرى في الكنيسة، اقتضى الأمر أن يدفعنا التعبُّد المريميّ إلى العمل الرَّسوليّ، من أجل نشر التّعليم المسيحيّ، ومساعدة الفقراء والضعفاء، واستتباب السَّلام والوفاق بين البشر، امتدادًا للعناية التي أظهرتْها مريم في الناصرة وعين كارم وقانا والجلجلة والعلّيّة.

 

 

 

 

12- للتعبُّد المريميّ الصَّحيح، أخيرًا، توجيهٌ كتابيّ وليتورجيّ ومسكونيّ وأنسانويّ:

 

 

 

أ- التوجيه الكتابيّ

ينبغي للتعبُّد المريميّ أن يتغذّى بالكتاب المقدّس الذي - من سفر التكوين إلى سفر الرؤيا - يَعرض التدبير الإلهيّ للخلاص، ويحتوي على تلميحاتٍ واضحة إلى تلك التي هي أُمّ المخلِّص وشريكته. فلْنستوحِ إذًا النصوص الكتابيّة، في صلواتنا ومدائحنا المريميّة.

 

 

 

ب- التوجيه اللّيتورجيّ

ينبغي للممارسات المعتادة أن تراعي الأزمنة الطقسيّة، وتتناغم وإيّاها بلا عشوائيّة (كما لو رنّموا - كما يحصل - الترنيمة "هالشمس الغابِتْ عنّا" في ختام قدّاسٍ صباحيّ!..)، وبلا "خلط شعبان برمضان" (كما لو تُليَتِ المسبحة، أو فرضُ الخويّة، أثناء القدّاس، فيصبح هذا مناسبةً لشيءٍ آخر!..).

 

 

إلى ذلك، ينبغي للمتعبِّد المريميّ أن يحيا بروحانيّة الزمن الطقسيّ. هكذا مثلاً في زمن المجيء والميلاد، زمن انتظار المخلّص، ينبغي العيش بروح التفرُّغ للخدمة، والرحابة، والتجدّد، مع مريم في الناصرة وفي عين كارم... وفي زمن الصّوم، زمن تقشُّف وتوبة، ينبغي الإمتناعُ عن الأكل في الأوقات المعلومة، والحملاتُ الخيريّة لصالح "مصلوبيّ" الفقر، مع مريم في قانا الجليل وعند الصَّليب... وفي زمن الفصح والعنصرة، زمن الفداء ورسالة الكنيسة، ينبغي الفرحُ المسيحيّ، والإلتزامُ الرّسوليّ، مع مريم لمّا ظهر لها ابنها، وفي العلّيّة...

 

 

 

 

ج- التوجيه المسكونيّ

ينبغي للتعبُّد المريميّ أن يَعكِس هموم الكنيسة، لا سيّما إعادة الوحدة بين المسيحيِّين. التعبُّد المريميِّ هو الجامع المشترك بيننا وبين إخوتنا الأرثوذكس والأنكليكانيّين، حتّى والبروتستانت الذين يسبِّحون الله بكلام العذراء نفسها. فمَن غيرُ مريم يستطيع أن يعمل، على الوجه الأصحّ، للوحدة التامَّة بين المسيحيِّين أولادِها، في المحبّة والحقّ، هي التي كانت، ما بين الفصح والعنصرة، رباط الوحدة والتجمّع بالنسبة إلى التلاميذ الضائعين الحائرين؟

 

 

 

 

د- التوجيه الأنسانَوِيّ

ينبغي للتعبُّد المريميّ أن يَعكِس أيضًا آمال البشر، في زمنٍ يتسرّعون فيقولون إنّ مريم امرأةٌ "ضيّقة الآفاق"، فهي ليست "لعصرنا"، عصر المساواة بين الرّجل والمرأة، عصر "إعتاق" المرأة و"تحريرها!"... إنْ يبدو أنّ مريم ليست لعصرنا، فالذنب ذنب بعض التصوُّرات الشعبيَّة والأدبيَّة، لا ذنبُ الكنيسة التي ما فَتِئَتْ بوحيٍ من الكتاب، تَعرِض مريم مثالاً للمؤمنين، لا بنَمَطِ حياتها الذي قد يكون الزّمن قد مرّ عليه، بل لأنّها، في حياتها اليوميّة، قد التزمت كلّيًّا وبحريّة، مشيئة الله وإيحاءات الرّوح ورسالة المخلّص، وذلك بصفتها عذراءَ وقرينةً وأُمًّا، تلك السِّمات الثلاث المميَّزة للوضع الأُنثَويّ.

 

 

ليس في مريم، طبعًا، ما تتميّز به المرأة "المتحرّرة" بالمفهوم العصريّ للكلمة. إنّما هي المرأة التي "وضعت نفسها كلّيًّا في خدمة ابنها، لكي يتصرّف بها كما يحتاج وكما يريد. أوليس في ذلك شأنٌ من شؤون جميع الأزمنة المسيحيّة، مهما طرأ على صورة المرأة من تبدُّل؟".

 

 

أجل، إنّ مريم هي، على حدِّ قول بولس السَّادس، "المرأة التي تعكس آمال الإنسان المعاصر... هكذا مثلاً، على المرأة التي تريد أن تشارك الرَّجل في التقرير والإختيار، أن تتأمَّل في مريم التي مَنَحَتْ موافقتها الفاعلة والحرّة، ليس على حلِّ مسألة ثانويّة، بل على "حَدَثِ الأزمنة"، أي تجسُّد الكلمة... هذا وإنّ اختيار مريم الحرّ الشجاع لحال التبتُّل لم يكن منها انغلاقًا على قيم الزواج، بل كان تكريسًا كلّيًّا للحبّ الإلهيّ... ومريم الناصرة لم تكن، على كونها مستسلمةً كلّيًّا لإرادة الله، امرأةً خاضعة بخنوع، بل المرأة التي لم تخشَ أن تُعلِن بالفم الملآن أنّ الله يُنهِض المتواضعين والمظلومين، ويَحُطّ أقوياءَ العالم عن عروشهم... ومريم امرأة قويّة اختبرت الفقر والعذاب، الهرب والنّفي، الأمر الذي لا يسعه إلاّ أن يَلفِت نظر من يريد أن يساعد، بروحٍ إنجيليّة، قوى التحرّر الكامنة في الإنسان والمجتمع...

 

 

"هذه الأمثلة تُظهِر بوضوح أنّ شخصيَّة مريم لا تخيِّب ما في الإنسان المعاصر من ترقُّب عميق، بل هي تقدِّم له المثال الكامل لتلميذ، المسيح، أي باني المدينة الأرضيّة الزمنيّة، وإن في مسيرةٍ ناشطة نحو المدينة السماويّة الأبديّة، والدّاعي إلى العدالة المحرّرة والمحبَّة المُعيَّنة، وإن يكن، فوق كلِّ ذلك، الشَّاهد الفعّال للحبِّ الذي يبني المسيح في القلوب".

 

 

 

هذا وإن كان من داعٍ للإستشهاد بسيرةِ أحد المتعبِّدين الكبار لمريم، ذَكرْنا اسمَ الأب مَكسيمليان كُولبي الذي، سنة 1941، في سنّه السَّابعة والأربعين، أخذ طوعًا واختياريًّا، في معسكر أُوشْويتْز النازيّ، محلّ أحد المحكومين، لكي يموت، مع غيره، جوعًا وعطشًا، ميتةً بطيئة ورهيبة... كثيرًا ما كان يقول: "إنّي، مع البريئة، أستطيع كلَّ شيء". فاستطاع فعلاً أن يحوِّل الزنزانة الجهنّميَّة إلى أرضٍ سماويّة...

 

 

 

 

                                                           الأب جميل نعمة الله السّقلاوي

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية