قيمة الحجّ المريميّ

 

 

 

 

قيمة الحَجّ المريميّ

 

 

قيمة زيارة الأماكن المقدّسة كامنةٌ في الإعتقاد أنّنا عابِرو سبيل في هذه الدّنيا. فنحن لسنا محصورين ولا منغلقـًا علينا في مكان عيشنا المعتاد. المسيحيّة تَوْقٌ ومسيرة وحركة. والحجّ يسمح للإنسان بأن لا يَدَعَ العملَ والمسؤوليّاتِ تُقفِل عليه، ولا أن يَخفُق بين الغاية والوسيلة، بل ينظر إلى "ما هو فوق" (قول 3/ 1)، لا سيّما إذا زار الأماكن حيث ظهرت العذراء كما في لورد، وفاطمة، وديرِ راهبات المحبّة في باريس، وغيرها...، وحيث لا تزال تحضر بعجائب الشفاء أو الإهتداء. "الحجّ، كما يقول أحدهم، ليس هُروبًا، بل أمرٌ يسمح بالتحقّق من التوجيه الحياتيّ... فأَنْ يخرج المرء من بيتِه قد يعني أنّه يخرج من ذاته...، أنّه يلتفت صوب المسيح... هكذا كان موقف مريم وتصرُّفُها...".

 

بخصوص عجائب الشّفاء التي جرت في لورد، إليكم بيان مؤثّر للغاية، نشره سنة 1970 فريق من اللاّهوتيّين اللّوثريّين الألمان في مدينة دْرِيسد (Dresde): "لقد جرت حتّى الآن، في لورد، 1200 حادثة شفاء اعترف الأطبّاء بأنّها لا تُفَسَّر علميًّا... طوالَ ثلاثين سنة، أحدَ عشرَ ألف طبيب قد مرّوا في لورد. وكان لأَيَّ طبيب حقُّ الكشف على الإفادات الطبّيّة، أيًّا تكن ديانته أو آراؤه العلميّة. إذًا، عندما يعترف الأطبّاء بشفاءٍ عجائبيّ، فإنّ للأمر أكبرَ ضمانةٍ ممكنة.

 

"ما هي، في التدبير الإلهيّ، أبعادُ هذه الوقائع العجائبيّة؟ يبدو أنّ الله يريد، من خلالها، أن يردَّ بطريقةٍ قاطعة على قلّة الإيمان. كيف يستطيع اللامؤمن، إزاءَ هذه الوقائع، أن يستمرّ، بحسن نيّة، في عدم إيمانه؟ (...) ألا ينبغي لهذه الأمور أن تجعلنا نُعيد مريم إلى الكنيسة الإنجيليّة؟... أليست هذه الأمور دليلاً قاطعًا على دور مريم الحاسم في قضيّة خلاصنا اليوم؟

 

"إنّ الوجود المسيحيّ مُهدَّد، في هذا أو ذاك من البلدان. أفليس من اللاإدراك بمكان أن نتجاهل صوت الله الذي، بواسطة مريم، يكلّم العالم، فنُدير له الظهور، لا لشيءٍ سوى أنّه يكلّمنا من خلال الكنيسة الكاثوليكيّة؟ (...) هذا مع العلم أنّ أُممَّ الله لم تُنَحَّ عن الكنيسة الإنجيليّة، بل هُجِّرَتْ فقط بعد حرب الثلاثين سنة، أيّامَ الفلاسفة الملحدين، في أواسط القرن الثامن عشر. فلمّا خَنقوا التعبُّد للسيّدة في قلوب الإنجيليّين، قَضَوا على أَرَقِّ الشعور في التقوى المسيحيّة".

 

إنّ العجائب التي جرت، أو تجري، هنا وهناك في أماكن الحجّ، تُذكِّر، في الإيمان، بأنّ الله "سيمسح كلَّ دمعة" (رؤ 7/ 17، 21/ 4)، وبأنّه لا يُطيق الشرّ، وبأنّه يدعونا إلى عمل المستحيل لتخفيف الأوجاع، وللتضامن مع جميع الذين هم في غَمٍّ وهَمّ.

 

يقول يوحنّا بولس الثاني: "لماذا يحجّ المرضى إلى لورد؟ لماذا أصبح لهم هذا المكان مِثلَ قانا الجليل؟... كان في قانا الجليل عرس، أي عيد الفرح لأنّه عيد الحبّ... وإنّما ذلك الفرح كان، مِثلَ جميع الأمور البشريّة، مهدِّدًا... لكن، ولحسن الحظّ، "كانت أُمّ يسوع هناك"، وإذًا، كان "يسوع أيضًا مدعوًّا إلى العرس" (يو 2/ 1 - 2). ولمّا دَعَتْه أُمّه، حوَّل الماءَ إلى خمرة جيّدة (يو 2/ 9 - 10).

 

"قلب الإنسان لم يكن يومًا إلاّ للفرح... بَيْدَ أنّ هناك، لسوء الحظّ، ما يُحتِّم على الكثيرين محنةَ العذاب الذي لا يُطاق: أمراض، أحزان، مصائب، عاهات، عزلة، تعذيب جسديّ، قلق معنويّ... ولكلِّ حالةٍ اسمٌ ووجه وتاريخ.

 

"هؤلاء، إن كانوا مؤمنين، يقصدون لورد لأنّهم يعلمون أنّه في لورد، كما في قانا، "أُمّ يسوع هناك". وحيث هي، يسوع أيضًا حاضر... إنّ المرضى، على مختلف أمراضهم، يقصدون لورد وهم يحدوهم الأمل بأنّ قدرة المسيح الخلاصيّة سوف تظهر فيهم بشفاعة مريم. وفي الحال، إنّ هذه القدرة تظهر دائمًا، إمّا بمنح نعمةِ السّكينة والتّسليم، وإمّا بالتحسُّن الصحّي، وإمّا بالشِّفاء العجائبيّ التامّ".

 

 

هذه الممارسات كلُّها (المسبحة الورديّة، التبشير، نشيد العذراء، "السّلام" ثلاث مرّات، الحجّ)، كما وإكرام الصّوَر والأيقونات والتماثيل التي تصوِّر العذراء، ينبغي لها أن تكون تعبيرًا عن التعبُّد الباطنيّ القائم على الإعتبار والتأمُّل والمحبّة والتّسبيح والشّكر والتقدمة والإتّحاد والإقتداء. عندئذٍ فقط يَصِحّ القول المأثور: "من كان للعذراء عبدًا، لن يُدركه الهلاك أبدًا".

 

هذا ونستطيع القول، في التعبُّد المريميّ، ما قاله بيوس الثاني عشر في انتقال العذراء: "أكثر ما يفيد منه الجنس البشريّ هو أنّه يوجّهه نحو المجد في الثالوث الأقدس".

 

كما ويقول هنري دي لُوباك (de Lubac): "ألمجد لله وحده. كلُّ شيء في مريم يُشيد بهذا المجد. قداستها كلُّها لاهوتيّة. إنّها كمال الإيمان والرّجاء والمحبّة. فيها تكتمل "ديانة المساكين". أَمَةُ الربّ تحتجبُ أمامَ مَن نظرَ إلى تواضعها. إنّها تُعجَب بقدرته. تحتفل برحمته وأمانته. تبتهج به وحده. (مريم، كما يقول أمبروسيوس، هي هيكل الله، لا إلهُ الهيكل - في الحاشية). - إنّها مجد الله. دورها الأُموميّ كلُّه في أن تقودنا إلى الله. هذه هي مريم".

 

 

جميل نعمةالله السقلاويّ

مرسل لعازريّ

 

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية