"كلّ الأجيال تطوّبني، لأنّ القدير صنع بي العظائم"

 

 

"كلّ الأجيال تطوّبني، لأنّ القدير صنع بي العظائم"

 

 

"كلّ الأجيال تطوّبني، لأنّ القدير صنع بي العظائم"           

                                                       

هذه الجملة الطالعة إلينا من إنجيل الحياة، والتي جاءت على لسان لوقا الإنجيليّ، هي نبوءة ورسالة للكنيسة كي تعمل بوحيها لأنّها جملة أوحى بها الرّوح وبذلك تصبح مرتكزًا رئيسيًّا وأساسيًّا لعبادة المسيحيّين لوالدة الإله.

لم تخترع الكنيسة شيئًا، حين ترفع ابتهالها إلى مريم، إنّها تقوم بواجب مقدَّس حيال العذراء، لأنّ رسالتها قد سُلِّمت إليها منذ البداية، فلو لم يكن الإنجيليّ لوقا مُدركًا تمامًا لأهميّة هذا النّشيد لَما أدرجه في نصِّه المكتوب وهو بالتأكيد يريد الإضاءة على إيمان المسيحيّة منذ بداياتها ونشيده هذا يشكّل جزءًا أساسيًّا من العناصر الإيمانيّة التي انتقاها والتي اعتبرها أساسيّة في صياغة وبلورة العقيدة المسيحيّة.

وحين أعلنت إليصابات "مباركة أنتِ بين النساء"، أدرك لوقا أهميّة هذه العبارة فأدرجها في نصِّه على أنّها معطاة من الرّوح القدس وأصبح بالتالي لهذه الجملة النبويّة وقعًا وصدى يتجاوز المسافات والعصور.

إنّ هذا الإكرام لمريم والذي نقلته الكنيسة الأولى، يشكّل عنصرًا أساسيًّا لقصص الطفولة عند الرّسول لوقا وكلامه المدوّي يعطي الكنيسة مسؤوليّة نقله والبشارة به في كلّ زمان ومكان وإذا لم تقم الكنيسة بإكرام مريم فإنّها تبدو وكأنّها غير ملتزمة بوصيّة أساسيّة تكون قد أخلَّت طوعًا عن الإلتزام بتراثها وإرثها المقدَّس.

 

1- الله أصبح ظاهرًا

إذا كان الخلق كلّه من خلال بهائه وجمالاته الأخّاذة يشير إلى خالق مبدع وعظيم، فإنّ أشخاصًا عرفنا من خلالهم صفات الإلتزام والصّدق صفات الصّبر والرّجاء شكّلوا لنا منارات تدلّنا على خالق هو في أساس هذا الخصب وهذا التوجّه، فمن إبراهيم إلى إسحق ويعقوب إلى أنبياء شكلَّت كلماتهم إخصابًا مستمرًّا للعقل والقلب، وعلى الرّغم من أنّ أحدًا منهم لا يستطيع إظهار وجه الله في اتّساعه وعمقه فإنّ هؤلاء جميعهم أصبحوا منارات وإشارات ضوئيّة تشير إلى خالق الوجود وربّ السّماء والأرض. ومن بينهم مريم التي حملت في حشاها مخلِّص البشريّة وحفظت في نفسها وقلبها أمورًا مقدَّسة كثيرة. ومعرفة المسيحيّة بمريم أصبحت ذات غنى لا حدود له وما علينا إلاّ التركيز على بعض النّقاط الأساسيّة التي وردت في كلّ الأناجيل وخصوصًا عند الطبيب لوقا.

 

2- مريم أم المؤمنين وابنة صهيون

 "إفرحي يا ممتلئة نعمة" هذا النّشيد الملائكيّ لمريم هو نشيد مسيحاني بامتياز لأنّ الآتي من الله سيؤسِّس زمنًا جديدًا ويختم زمنًا قديمًا وحين يسلِّم الله على مريم، فإنّه من خلالها يسلِّم على كلّ شعبه المُنْتَظِر، أي على البشريّة بأسرها، وهذا النّشيد هو دعوة إلى الفرح العميق لأنّ مأساة الإنسان تكمن في حبّه الباطل وفي غلبة الطابع المنقضي لكلّ الأشياء، للموت والألم، للوهم والخبث. نحن نشعر أنّنا متروكون لأنفسنا في عالم مليء بالتناقضات حيث العلامات الضوئيّة لرحمة الله تأتينا من خلال فتحات نشكّ دائمًا في وجودها، بفعل قوى مظلمة تضع وزر كلّ شيء على الله أو تظهره وكأنّه ضعيف ومتخاذل.

من أين جاء الحقّ لمريم في الفرح والغبطة في عالم نعرف الكثير عن أحزانه؟ ولكنّ الكتاب المقدَّس مليء بالإنتشارات التي تؤكِّد على أنّ الفرح الحقيقيّ هو العودة إلى النّبع الذي يفضح كلّ الأفراح المزيّفة ويُعطي وحده هذه الطاقة العميقة الداخليّة من الفرح لأنّه فوق الجميع وفي قلب الجميع. ولكنّ أحدًا لا يشعر به بعد أن خنقته الأشواك وهموم الدّنيا وحبّ المناصب والمكاسب.

فعند النبي صفنيا إنّ الربّ سيبقى في وسط صهيون وكلام الملاك لمريم يعيد إلى الأذهان صدى هذا الوعد فأعجوبة ابنة صهيون أصبحت الآن تخصّ مريم، لقد أخذت مكانتها الحقيقيّة وأخذ المسيح مكانه، لأنّه يأتي إلهًا متجسِّدًا حيًّا به تكتمل النبوءات. كان التقليد الأوّلي يرى مسكن الله "في قلب إسرائيل" وهنا أصبح مسكن الله في قلب الصبيّة مريم التي أصبحت تابوت العهد الحقيقي.

 

3- التبشير الملائكيّ نقطة مركزيّة

إنّ تبشير الملاك هو نقطة مركزيّة للقضيّة المريميّة وقادنا إلى الأساس التيولوجيّ لفهم أهميّة مريم لأنّها مسكونة بالكامل بالمسيح أي بالله، وما أهميّة الكنيسة ودورها إن لم تصبح مسكن الله في العالم؟ فالله لا يستعمل مفاهيم مجرّدة، إنّه شخص والكنيسة هي أيضًا شخص، بمعنى أنّها أصبحت مسكنًا لله.

ومريم تعيش تناسقًا وتناغمًا وتطابقًا مع التاريخ المقدَّس وهي تجسِّد حقيقة الشّعب اليهوديّ، هذا التطابق هو حقيقة روحيّة وهو حياة مسكونة بالرّوح القدس وبروح الكتاب المقدَّس المتجذِّر في إيمان البطاركة الأوَّلين إبراهيم وإسحق ويعقوب والموجَّه في الوقت ذاته صوب المواعيد الآتية. وحين تشبِّه الكتب المقدَّسة البار بشجرة جذورها تستقي من المياه الحيّة للخالق الأزليّ ورأسها يلتقط وينشر ضوء السّماء، حينها نعرف أنّ الفرح يأتي من النّعمة ومن هو على حال النّعمة بإمكانه التمتُّع بالفرح العميق والدّائم وبالتالي فإنّ النّعمة هي الفرح بعينه.

 

4- معنى النّعمة الحقيقي

إنّ اعتبارنا النّعمة شيء ما فائق للطبيعة مخفي في أعماق أنفسنا هو تديُّن باهت إن لم يكن عديم الفائدة، لأنّ الكلمة تصبح فارغة من كلّ معنى. النّعمة هي مفهوم علاقة، فهي لا تفتح لنا باب معرفة الأنا ولكن تفتح لنا الباب على علاقة بالله، "يا مملوءة نعمة"، النّعمة هنا ليست شيئًا يأتي من الله ولكنّها الله بذاته، عطيّة الله هي الله عينه. وهذا يعني أنّ مريم انفتحت بالكامل على الله من دون خوف على مستقبلها، ووضعت بالتالي نفسها بين يدي الله، وهذا يعني أنّها تعيش كامل العلاقة مع الله. إنّها تصغي وتصلّي روحًا ونفسًا وهي دائمة اليقظة لإلتقاط النداءات الآتية من الله الحيّ.

أحبَّت مريم بكلّ جوارحها وهي أيضًا على استعداد للتضحية والألم الذي هو أيضًا لبُّ الحبّ وجوهره.

وبالعودة إلى لوقا الإنجيليّ فإنّنا نراه يقيم شبهًا بين إبراهيم أبو المؤمنين وبين مريم، وحين نكون في حال النّعمة فإنّ ذلك يتضمَّن فضائل إلهيّة كمثل الصّبر والثقة ولكن ذلك لا يلغي من قلوبنا لحظات مظلمة، والعلاقة بين الأنا وبين الله هي علاقة بين الخالق والخليقة، وحين يقبل الإنسان الإنفتاح على الله، فإنّه يعترف بأنّ إرادة الله الأسراريّة والخفيّة تستطيع النّفاذ إلى إرادتنا، فالمقابلة بين مريم وإبراهيم تبدأ بالفرح الذي هو مشترك بينهما أي بالوعد بولادة "صبيّ". ومن صورتيهما النقيَّتين يستمدّ إيماننا اتّساعه وعمقه ويعرف طريقه الحقيقيّ.

 

5- سلام الملاك يؤسِّس اللاّهوت المريميّ

ما هو دور مريم في البنية الإيمانيّة وفي التقويّات؟ المدخل الأوَّل يتعلَّق بصلاة مريم ودعوتها لنا إلى التأمّل الشَّخصيّ، وفي هذا السّياق، نرى أنّ آباء الكنيسة جعلوا مريم في مصاف الأنبياء. إنّ خوف مريم هو خوف مقدَّس يجتاح الإنسان حين يشعر باقترابه من الله المُطلق، ومريم عرفت هذا الحوار الدَّاخليّ مع الله وقد حفظت كلَّ ذلك في قلبها... هذه الطاقة من التأمّل ستلعب دورًا هامًّا في إنجيل يوحنّا، فقد أدركت مريم أنّ هذا الكلام سيؤدّي حتمًا إلى حدث محمَّل بالمعاني لأنّه يأتي بفعل إرادة إلهيّة، لقد ترجمت الأحداث إلى أفعال وسكن الله في مريم وهو لبّ الحدث ولحظة لا تتكرَّر ولا تنقضي. جمعت مريم الأحداث وفهمتها في كليّتها وليس فقط على صعيد شخصيّ، أصبحت الكلمة عندها بذرة في أرض خصبة، ثمّ تجذّرَت بهدوء في أعماق مريم لتبقى إلى الأبد ولتصبح بدورها ذاكرة المسيحيّة بامتياز. ففي المزمور 119 تظهر جليّة صورة المؤمن، فهو يحبّ الله أوَّلاً ويحمل في حشاه كلمة خالقه ويجعلها ملكه الخاصّ ليل نهار لتطبع لاحقًا كلّ حياته، وقد لخَّص آباء الكنيسة ذلك بصورة جميلة حين قالوا: "لقد ولدت المرأة النبيّة من خلال إصغائها للإله الحيّ لأنّ الطريق الحقيقيّ والأساسيّ للكلمة هي أوّلاً الإصغاء".

"وفي وجه مريم النبيّة لا تجد أثرًا واحدًا للوثنيّة، وموقف مريم عند البشارة وفي الزيارة مطابق لمواقف الأنبياء، لأنّه حالة نعمة داخليّة".

 

6- مريم في سرّ الصّليب والقيامة

"إنّ الوحدة بين الطبيعتين والإرادتين المختلفتين تمرُّ عبر صليب الطاعة"، هذه الجملة لمكسيموس المعترف تدلّنا على التطابق والشّبه بين السّيف الذي مزَّق قلب مريم وبين آلام ابنها على الصّليب "طوبى للبطن الذي حملك وللثديين اللّذين أرضعاك". هكذا تهيّأت مريم منذ البداية لسرّ الصّليب الذي لا تنتهي مفاعيله عند الجلجلة بل ستبقى لاحقـًا وإلى زمن طويل علامة تناقض ولحظة خصام فكريّ ولاهوتيّ في سجل الفكر الإنسانيّ.

إنّ ألم مريم هو ألم فصحيّ يدشِّن المرور بالموت صوب الوحدة مع الحبّ الإلهيّ، والفرح الذي أُعلن لمريم ليس فرحًا عاديًّا ينتهي بعد أيّام. إنّه فرح حقيقيّ لا تستطيع الأيّام هدمه بالألم والحزن. إنّه على العكس يصل إلى خواتيمه من التفتّح والإستمرار لأنّ الفرح الحقيقيّ وحده يستطيع مواجهة الألم فهو دائمًا الأقوى والأفعل ومريم التي قبلت إيمان إبراهيم أوصلته إلى نهاياته، لقد أصبحت المباركة وهي أُمّ المؤمنين، بها تتبارك أُمَم الأرض ونحن معها وبها ندخل ديار هذه البركات لأنّ الله اختارها أُمًّا لابنه وأُمًّا لكنيسته وهي العروس الأنقى والأجمل بين نساء الأرض.

 

الخوري اسكندر الهاشم

 

المركز الدائم للتنشئة المسيحية macro-max rebound mazar
CMS x