مريم أُمّنا

 

 

مريم أُمّنا

 

حقيقة الأمر

إن كنّا والمسيح، كما يعلّم القدّيس بولس، جسدًا روحيًّا واحدًا، هو فيه الرّأس ونحن الأعضاء، فإنَّ مريم أُمّه هي أيضًا أُمُّنا، لأنّ أُمَّ الرّأس هي أُمُّ الأعضاء أيضًا.

هذه الأمومة التي انطلقت يوم البشارة، كرّسها المسيح فيما كان يُتِمّ عمله الخلاصي على الصّليب. وجّه الكلام إلى أُمِّه مُشيرًا إلى يوحنّا الحبيب وقال: "يا امرأة (يا حوّاء الحقيقة "أُمّ الأحياء") هوذا ابنك". ثمّ قال ليوحنّا مشيرًا إلى مريم: "هي ذي أُمُّكَ". بهذا الكلام كرّس المسيح أُمومة مريم الرّوحيّة الشاملة، لأنّ يوحنّا كان يمثّل كلّ التلاميذ وكلّ المؤمنين بالمسيح.

 

اعتراض

هناك الكثير ممّن لا يرون في كلام المسيح هذا إلاّ وصيّةً بشريّة، بها يدبِّر أُمور أُمِّه الإجتماعيّة موصيًا يوحنّا بأن يهتمّ بأُمّه المحرومة الزّوج والولد وكأنّها أُمُّه.

على هذا الإعتقاد أجوبة عديدة أكتفي منها بإثنين:

1- لو أنّ الموضوعَ موضوعُ اهتمام بشؤون مريم الإجتماعيّة لكان المسيح اكتفى بأن يقول ليوحنّا: "هذه أُمّك"، أو بالأصحّ: "أُمّي هذه، أَحِطْها بالعناية". فلمّا وجّه الكلام أوّلاً إلى أُمّه، مشيرًا إلى يوحنّا، وقال: "هوذا ابنك"، كما لو أنّ الموضوع موضوعُ اهتمام بيتيم، في حين أنّ يوحنّا ليس يتيمًا (أُمُّه صالومي معه عند الصّليب)، أشار المسيح بوضوح إلى أنّ الموضوع ليس موضوعَ اهتمامٍ بشريّ، لا بمريم ولا بيوحنّا، بل موضوع أُمومةٍ جديدة لمريم وبنوّةٍ جديدة للبشر، على صعيد الرّوح.

 

2- لو كان كلام المسيح هذا يتعلَّق بوصيّة بشريّة، لما كان الإنجيليّ دمجَهُ في نطاق اكتمال العمل الخلاصي بموته على الصّليب، ولمّا كان قد أردف حالاً بعد تلك الوصيّة: "وبعد ذلك، إذ رأى يسوع أنّ كلّ شيء قد اكتمل، قال إلخ..." نستنتج من ذلك أنّ العمل الخلاصيّ قد اكتمل بتلك الوصيّة. إذَنْ هي في صُلْبِ العمل الخلاصيّ ومن مُكمِّلاته. وبالتالي لولا أُمومةُ مريم لكان العمل الخلاصيّ ناقصًا...

 

طبيعة هذه الأمومة

أُمومة مريم هذه ليست أُمومةً رمزيّة مبنيّة على العطف (كلّ من يَعطِف ليس أُمًّا)، ولا مبنيّة على الشفاعة (كلّ من يشفع ليس أُمًّا).

أُمومة مريم أُمومةٌ فعليّة، على صعيد الرّوح. "هوذا ابنك (حقًّا). هي ذي أُمّك (حقًّا)"، لا "اعتبري هذا ابنًا لك. إعتبِرْ هذه أُمًّا لك".

حقًّا إنّ الأُمّ تَعطِف وتحبّ، وحبُّ مريم لا مثيل له، كما يقول القدّيس ألفونس دي ليغوري: "لو جمعنا معًا محبّة جميع الأولاد لأُمّهاتهم، في العالم أجمع، ومحبّةَ جميع الأُمّهات لأولادهنّ، في العالم أجمع، ومحبّةَ جميع الملائكة والقدّيسين لِمَن إليهم يصلّي، فالمجموعةُ هذه كلّها من المحبّة لا توازي محبّة مريم لنفس واحدة". لا عجب، فإنّ الأُمومة والحبّ متلازمان. فكم بالأحرى إن كانت الأُمّ، مثل مريم، أُمَّ المحبّة! الأُمّ تَعطِف وتحبّ. لكنّ العطف والحبّ وحدهما لا يكوّنان أساس الأُمومة. مريم أُمّنا:

1- لأنّ الأُمّ تمنح الحياة، ولولا مريم لما كان لنا حياةٌ روحيّة وخلاص. حقًّا هو المسيح مصدر الحياة الرّوحيّة، أي إشراكنا معه في البنوّة الإلهيّة. ولكنّه شاء أن يُشرِك أُمّه في عمله الخلاصيّ، كما وشاء أن تكون أُمَّنا أيضًا فتمرّ بها نعمة الحياة الرّوحيّة: "يا امرأة، هوذا ابنك. وأنتَ يا يوحنّا هي ذي أُمّك".

أجل، لولا المسيح لما كانت الحياة الرّوحيّة. ولكن لولا مريم لما كان المسيح (تفصيل حادثة البشارة). إذَن...

مثل: جائع... أعطِهِ رغيفًا، ينتعش... مصدر الإنتعاش هو الرّغيف. لكنّ السّبب هو أنت...

مريض... أعطِه دواء، يتحسَّن... مصدر التحسُّن هو الدّواء. لكنّ السّبب هو أنت...

رُبَّ معترض يقول: "أن أُعطي رغيفًا لجائع، أو دواءً لمريض. هذا لا يعني أنّي أصبحت له أبًا أو أُمًّا"... أجل، ولكن إذا احتضنت الجائع، يا صاح، أو المريض أو اليتيم أو المعاق أو المنبوذ وتبنّيته، ألا تصبح له أبًا أو أُمًّا؟ بلى. وأكثر. فإنّ الأُبوّة الصحيحة أو الأُمومة الصّحيحة تتعدَّى الجسد لتطال الرّوح. وإنّ والذين لا يهتمّان إلاّ بحياة أولادهما الجسديّة دون المعنويّة والرّوحيّة، ليس هما بالأبوَين الصّالحين. من له أُذنان سامعتان فلْيسمع!... ونحن لولا مريم لَكُنّا لا نزال جياعًا ومرضى ومعاقين ومنبوذين ميؤسًا منّا، وإلى الهلاك صائرين.

مريم احتضنَتْنا وتبنَّتْنا يومَ البشارة، ووَلَدَتْنا بالآلام يوم الصّليب: "أيّتها المرأة، يا حوّاء الحقيقيّة "أُمَّ الأحياء"، هوذا ابنك تلدينه بالأوجاع!" ومن ذلك الحين، كلّما اعتمد واحد منّا أصبح أخًا للمسيح وابنًا لمريم.

 

 

مريم أُمُّنا لأنّها منحتنا الحياة الرّوحيّة. مريم أُمّنا:

2- لأنّ الأُمّ كلُّها عطف، ومريم ليست إلاّ عطفًا. ها العطف ظهر:

- يوم البشارة إذ حبُّها لنا ولخلاصنا جعلها تقبل بأن تكون أُمّ الفادي...

- يوم الزيارة إذ حملت نعمةَ المسيحِ إلى بيت أليصابات...وقدّمتْ خدماتها بعد مولد يوحنّا... وأَحْيَتِ الأَمل في قلوب الفقراء والمستضعفين، بنشيدها "تعظّم نفسي الربّ"...

- يوم العثور على المسيح في الهيكل بعد اختفائه ثلاثة أيّام، إذ أَظهرت القلق على مصير المخلّص وبالتالي مصير المخلّصين... كما وأَظهرت الإحترام لشخصيّة ابنها ومتطلّبات دعوته...

- يوم عرس قانا الجليل إذ أَظهرت الإهتمام الكلّي بشؤون البشر وشجونهم الزمنيّة الزائلة. وهل من أمرٍ زمنيّ وزائل كأفراح العرس؟...

هذا العطف لا تزال تُبديه نحونا نحن أبناءَها مرضى الرّوح والجسد:

- في جميع ظهوراتها تحثّنا على الصّلاة والتوبة. قالت يومًا للقدّيسة بْريجيت: "أنا للخطأة أُمّ المراحم وباب السّماء. ليس من خاطئ في العالم تُوجـِب له مآثِمُه اللّعنة إلاّ وأَشمُله برحمتي. فما أتعسه، هنا وفي الآخرة، خاطئًا يُهمِل شفاعتي!".

- وهي لا تَبخَل علينا بعجائب الشّفاء، شفاء الجسد أو شفاء الرّوح. ها هي سجلاّت سيّدة لورد وفاطمة وكنيسة الأيقونة لراهبات المحبّة في باريس حافلة بالأدلّة على ذلك، كما وسجلاّت كنيسة أرس رعيّة الخوري القدّيس جان ماري فْينّاي:

تقدّم منه يومًا فَرْمَسونيّ عاسٍ (طالبٍ)، فقال له: "يا صاحبي، أنت في حاجةٍ ماسّة للإعتراف. لكن وضعك النّفسيّ الحاضر يحول دون الغفران. إذهب أمام تمثال العذراء وصلِّ السَّلام عليك يا مريم، طالبًا منها التوبة". فَعَلَ، فتحرّك التمثال، وشعّت الكنيسة بالنّور. تأثّر جدًّا، فاتّضحت له حالُه النّفسيّة التّاعسة. بكى خطاياه. إعترف تائبًا، فتحرّر نفسيًّا وروحيًّا.

هذا العطف، ألم تُظهرْه لنا أثناء الحرب؟ أعتقد أنّ كلّ مَن منّا إلتجأ إليها بإيمان، لديه ذكرى حادثة يخبر عنها...

مريم أُمّنا لأنّها منحتنا الحياة الرّوحيّة، ولأنّ الأُمّ كلُّها عطف، وهي ليست إلاّ عطفًا.

 

 

ومريم أُمُّنا

3- لأنّ الأُمّ كلُّها تضحية، ومريم ليست إلاّ تضحية. كم وكم تحمّلتْ من أجلنا:

- مشقّات الإنتقال إلى بيت لحم وهي في شهرها التّاسع.

- اللّجوء إلى مغارةٍ لميلاد مخلّص العالم، لأنّ الأبواب ظلَّت موصدة في وجهها.

- مشقّات حياة التهجير إلى مصر.

- حياة الفقر في النّاصرة.

- التخلّي عن العيش المشترك مع ابنها لمّا انطلق للتفرّغ لرسالته.

- أخبار مناهضة الفرّيسيّين وتآمرهم على ابنها يسوع.

أصداء آلام ابنها في قلبها وروحها وعاطفتها، لمّا أُلقي عليه القبض بخيانة أحد تلاميذه، وجُرَّ من محكمة إلى محكمة، وأُهين، وجُلِد، وكُلِّلَ بالشّوك، وجُرجـِر على درب الجلجلة، وصُلب في يديه ورجليه، وتَعرَّض للشتائم والسّخرية وهو مصلوب، وأطلق الصَّرخات المؤلمة، واقتسموا ثيابه، ولفظ الرّوح، وطُعِن بالحربة... سيفٌ وانغرز في قلبها كما تنبّأ سمعان الشيخ!

فهمتُ مشاعرَ العذراء، إلى حدٍّ ما، يومَ شاهدتُ أحدَ المسلسلات التلفزيونيّة: أسير في يد اليابانيّين يسرق من دجاجات الضابط ليُطعِم سائر الأسرى. حَكم عليه الضابط بأن تُدَقّ مسامير في يديه على عتبة باب من خشب، ويُجلَد حتّى الموت، أمام أَعيُن رفاقه الأسرى. كان المُخرج يسلّط الكاميرا على وجوه الأسرى، فكنّا نرى عليها تعابيرَ التألّم والتوجّع عند كلّ ضربة مِطرقة أو ضربة مِجلَدة...

 

أجل، مريم العذراء أُمّنا. وحبّها لنا، مِثلَ جمال نفسها، يفوق التصوّر... يقول القدّيس جان ماري فْينّاي: "حبُّ الأُمّهات جميعًا ليس، بالنسبة إلى حبّ مريم، إلاّ قطعةً من جليد". ولقد سمعنا سابقًا القدّيس الفونس دي ليغوري يقول إنّ جميع ما عند البشر والملائكة والقدّيسين من حُبٍّ لا يوازي حُبَّ مريم لنفس واحدة...

هذه الأُمّ تحرّكها رغبة واحدة: أن تجعل المحبّة تجمعنا بابنها يسوع وبها، في هذه الدّنيا وفي الآخرة. هل عندنا شيء من هذه الرّغبة نفسها؟ هل تعبُّدنا للعذراء يجعلنا نقتدي بها؟ هل يطبع فينا صورة أُمّنا، صورةَ المحبّة والتقوى والنّقاء والعطف والتضحية؟

الأخ غبريال مُوسْيه، كان، قبل أن يصير راهبًا ترابّيستيًّا، ضابطـًا في فرقة الخيّالة. وكان دنيويًّا، شهوانيًّا، شَرِهًا، صاحب مشاكل. لكنّ تعبُّدَه للعذراء، تعبُّدًا رقيقًا وعميقًا، أثَّر فيه يومًا بعد يوم وحوّله جذريًّا، حتّى أصبح وكأنّه مُغرَم بمريم.

قليلاً قبل وفاته كان يقول: "العذراء تتحرّق لتراني. أنا متأكّد من ذلك". قال له رئيسه: "تتحرّق لتراك أنت؟ عند علمي، ما كنت دائمًا ملاك!" قال: "أعرف، أعرف. ولكن قل لي، آي أُمْ لا هي أُمّي؟ المقصود هي، لا أنا".

وقبل ذلك كان قد كتب: "ساعة الموت، ستُرينا العذراء مريم، مرّةً أُخرى، ابنَها يسوع. ولكن هذه المرّة وسط أنوار السّماء المُشِعّة، وَلذّات الوطن السماويّ المُسكِرة. أجل ستُرينا ابنها يسوع مرّةً أخرى، ومن بعدها لا نعود نبتعد عنه، بل نحظى بمشاهدته إلى الأبد".

هذا ما سوف يكون مصيرُنا السّعيد، إن نحن عرفنا كيف نتعبَّد لمريم التعبُّد الصّحيح السّليم الذي لا يكتفي بالشكليّات... بل يكون له فينا تأثيرٌ حقيقي على تصرّفنا اليومي، من عيشٍ بروح المحبّة والتضامن والمشاركة والإحترام والتقوى وخوف الله والضمير الحيّ.

 

"مريم من أنتِ؟"

جميل نعمةالله السقلاوي

مرسل لعازري

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية