مريم أُمّ الله

 

 

 

مريم أُمّ الله

 

الكنيسة اعترفت لها بهذا اللّقب، وجعلت منه عقيدة من العقائد الإيمانيّة، في مجمع أفسُس، 431.

 

كم هو كبير فرح المرأة عندما تصبح أُمًّا! يا لَفرحِها عندما تسمع المولود منها يناديها: "ماما!" يا لَفرحِها عندما تسمع الناس يقولون: "طالع لأُمّو... طالعة لأُمّها!" يا لفرحِها إذا رأته يصبح شخصًا مهمًّا ومعتبرًا!..

 

فما القول عن فرح مريم بابنها يسوع؟ ما القول عن فرحها عندما كانت تسمعه، هو الإله الذي تجسّد في أحشائها، يناديها قائلاً: "ماما!" ما القول عن فرحها عندما تسمع الناس يقولون: "طالع لأُمّو"، هو الذي لم يتكوّن إلاّ منها، منها وحدها، من لحمها ودمها، فهو لم يكن شبيهًا إلاّ لها؟ ما القول عن فرحها لمّا أصبح ابنها شخصًا مهمًّا، معتبرًا، قديرًا، محسنًا، مصلحًا؟

 

مريم أُمّ الله! هل هذا معقول؟

 

 

حقيقة الأمر

الشبيه يَلِد الشبيه. الحيوان يلد حيوانًا. والإنسان إنسانًا. فكيف الإنسان يلد إلهًا؟ سؤال يُطرَح، وهو في محلِّه. الشبيه يلد الشبيه. فهل العذراء إله لكي تلد إلهًا؟ لا ليست إلهًا، لكنّ الله رفعها إلى المستوى الإلهيّ، لكي تستطيع أن تلد إلهًا. هذا هو معنى كلام الملاك جبرائيل، يوم البشارة: "الرّوح القدس يأتي عليك، وقدرة العليّ تظلّلك. ولهذا السبب فالمولود منك قدّوس وابنَ الله يدعى" (لو 1/ 35)، أي إنّ الرّوح القدس يستولي عليك ويرفعك إلى المستوى الإلهيّ، ولذا فإنّ المولود منك، ابنك، قدّوس هو وابنُ الله، أي إله.

 

هذا ما اعترفت به أليصابات، لمّا أطلّت عليها مريم في عين كارم، فهتفتك "من أين لي أن تأتي إليّ أُمُّ ربّي؟" (لو 1/ 43).

 

مريم أُمّ الله! لماذا لا يكون معقولاً؟ فمريم أُمّ يسوع المولود منها. ويسوع هذا إله. إذن...

 

هل نقول إنّ مريم هي أُمّ الُلوهة؟ كلا. فإنّها لم تلد الأُلوهة بل كائنًا هو إله...

 

هل نقول فيها إنّها أُمَّ الله كما نقول في فلانة إنّها أُمّ الخوري أو أُمّ الملك؟ كلاّ. فالخوري ليس هو خوري في أحشاء أُمّه، ولا الملك ملك في أحشاء أُمّه... أمّا يسوع فإنّه إله منذ لحظة الحبل به بقدرة الرّوح القدس في أحشاء مريم.

 

 

مريم جُعِلَتْ أهلاً لهذا المَقام

مريم جُعِلَتْ أهلاً لهذا المَقام، يومَ البشارة كما قد رأينا، وقبل البشارة... كما أنّ أواني القدّاس، ولا سيّما الكأس والصينيّة والحُقّ، المُعَدَّة لأن تحتوي جسد المسيح ودمه، تًطلى بالذهب وتُكرَّس وتُنظَّف فتصبح أهلاً لذلك، هكذا مريم التي اختيرتْ لتكوِّن من جسمها جسمًا لابن الله. فإنّها قد هُيّئَتْ لهذا الشرف، فكانت له أهلاً...

 

لو قُدِّر لنا أن نختار أُمّهاتِنا، فبأيّة مزايا ومحاسن كنّا نزيّنهنّ؟...

 

المسيح هو الوحيد الذي قُدِّر له أن يختار أُمّه، فزيّنها بجميع ما يستطيع الخالق أن يزيّن به مخلوقـًا، فقال فيها في نشيد الأناشيد: "كلُّك جميلةٌ يا خليلتي ولا عيبَ فيك. هلُّمي معي من لبنان أيّتها العروس... فلقد خَلَبتِ قلبي... مَن هذه المُشرقة كالصّبح، الجميلة كالقمر، المختارة كالشمس؟..." (نش 4/ 7 - 9، 6/ 9).

 

اختارها فزيّنها بسخاءٍ كلّيّ. ماذا أعطاها؟ أسمى ما عنده: الكمال ("كلُّك جميلة ولا عيب فيك"). يقول القدّيس جان ماري فْينّاي: "لو قُدِّر لأحد أن يرى جمال نفس في حال النّعمة لما استطاع أن يتحمّل، بل سقط مائتًا". فما القول عن جمال العذراء؟ ليتنا نستطيع أن نسأل جميع الذين ظهرت لهم!..

 

يُروَى أنّ شابًّا شعرَ برغبة مُلِحّة في أن يرى العذراء. أنبأه صوت داخليّ بأنّه لن يستطيع تحمُّلَ بهاء جمالها من دون أن يَفقِد البصر. فأَظهر استعدادًا لأن يضحّي بإحدى عينيه... ظهرت له العذراء، فغطّى بيده عينه اليُمنى ونظر إليها باليُسرى، ففقدَها. لكنّه أُخِذ بجمالها إلى حدّ أنّه تمنّى لو يراها ثانية حتّى لو فقد عينه اليُمنى. ظهرت له. لكنّ مريم كافأت محبّته وإعجابه بأن رَدَّت البصر إلى عينه اليُسرى... ليتنا نحبّ العذراء فنؤخَذ بها "حتّى العمى" فنَعمى عن كلّ ما لا يليق بجمال الرّوح!..

 

نعم. العذراء كلُّها جمال وكلُّها كمال. إنّها، كما يقول البابا بيوس الثاني عشر، "أجمل من الجمال، وألطف من اللّطف، وأقدس من القداسة".

 

هذا الجمال، هذا اللّطف، هذه القداسة، لقد زُيّنت بها العذراء منذ اللّحظة الأُولى التي حَبَلَتْ بها أُمّها حنّة. إنّها الحبل بلا دنس الخطيئة الأصليّة. كانت مُعَدَّة لأن تكون أُمّ الله، فلم يكن جائزًا ولا لائقـًا أن يتعالى الشيطان ويتشامخ قائلاً لله: "أجل، إنّها لك، ولكن لا تنسَ أنّه في البدء كانت لي!..." لهذا السبب وقاها الله دنسَ الخطيئة الأصليّة منذ اللّحظة الأُولى فحُبل بها بريئة نقيّة طاهرة "لا عيب فيها".

 

ولكن ليس هذا هو السبب الأبعد والسرّ الأعمق للحبل بلا دنس. فالحقيقة هي أنّ الله، عندما يريد أن يَهَب ذاته من خلال شيء أو من خلال أحد، يستولي على الكائن، يحوّله جذريًّا، يُضفي عليه صفة الجدّة المطلقة (مثل تحويل الخبز والخمر في الإفخارستيّا)... فلمّا أراد أن يَهَب ذاته من خلال مريم، استولى عليها وحوّلها وأَضفى عليها صفة الجدّة المطلقة، فكان أن حُبِل بها على غير ما يُحبَل بنا... وحَظِيَتْ بحال النّعمة على غير ما نحظى بها... وعلى غير ما حظي بها يوحنّا المعمدان... إنّها في حال النّعمة منذ اللّحظة الأُولى...

 

الحبل بلا دنس، هذا هو شرف العذراء الأكبر في نظرها، وهي لا تريد لقبًا غيره. هذا ما يتّضح من ظهوراتها للقدّيسة كاترين لابوره راهبة المحبّة، وللقدّيسة برناديت سوبيروس (تفصيل)... فهي لا تُعَرِّف بنفسها بلقب أُمَّ الله، بل بلقب الحبل بلا دنس. لماذا؟ لأنّها لا تريد أن تعتبر نفسها إلاّ الخادمة الوضيعة التي "نالت حُظوةً عند الله" (لو 1/ 30)، ومن سخائه "مُلِئَتْ نعمةً" (لو 1/ 28). يا للتواضع إزاء كبريائنا!.. يا لعرفان الجميل إزاء نكراننا للجميل!..

 

هذا اللّقب، أعلنه بيوس التاسع في (18/ 11/ 1854)، عقيدة إيمانيّة.

 

الحبل بلا دنس هذا هو اسمها، وهكذا تريد أن ندعوها:

الأب سيبستيان فيّار، أباتي أحد أديار الترابّيست، كان قد ألقى محاضرة روحيّة رائعة. تقدّم منه الأخ العامل غبريال مُوسْيه، الضابط القديم في فرقة الخيّالة والمتعبّد الكبير للعذراء مريم، وقال: "محاضرة بليغة، أيّها الأب المحترم، ولكن هناك نقصٌ كبير: لم تأتِ على ذكر العذراء مريم". وعده الأباتي بأن يعوّض في اليوم التالي... وفي الحال ألقى محاضرة مُتقنة في امتيازات العذراء.

 

- كيف شِفْتْ، فْريد غبريال؟

- يعني!..

- كيف يعني؟ ما تكلّمت إلاّ عنها.

- آي، بس ما قلت اسمها.

- ولو، فريد غبريال! كم مرّة لفظت اسم مريم؟

- آي، بس إسم العذراء مريم، إسمها الحقيقي، الإسم يلّي الله عطاها إيّاه منذ الأزل هو الحبل بلا دنس. هالإسم بيقول ما هو جمالها، ما هي رسالتها، من هي وماذا تصنع. هالإسم بْيعني انتصار الله على الشيطان، وبْيعني أُولى ثمار الفداء. البريئة من دنس الخطيئة الأصليّة، كلُّها شفافيّة، وكلُّها نور.

 

 

فكيف لا تخلب منّا القلوب؟

لا أفهم كيف أنّ بعض إخواننا البروتستانت يلوموننا على تقديرنا للعذراء وتعبّدنا لها. يقولون إنّنا نُؤَلِّهها. لا، لا نؤلّهها. فلا إله إلاّ الله... إنّما ينسون أو يتجاهلون أنّها أُمّ الله، وأنّه أشركها في سرّ التجسُّد وسرّ الفداء، وأنّ أليصابات طوّبتها بوحي من الرّوح القدس، وأنّها في قانا الجليل "قدّمت" ساعة الله، وأنّ المسيح أعطانا إيّاها أُمًّا من على الصّليب... نحن "مْشردقين" بالعدرا؟... من لا "يتشردق" بأُمّه؟

 

 

ثلاثون سجينًا إنكليزيًّا، تحت حراسة جنديّ ألماني، يقومون في صيف 1941 بهدم ما تبقّى من البيوت التي نسفتها الغارات الجويّة. غرفة لم يبقَ منها إلاّ حائط واحد. لم يريدوا أن يهبّطوه لأنّ عليه شخص العذراء. هدّدهم الحارس، فلم يتحرّكوا. تَهكَّم الحارس وقال: "تعرفون أنّه منذ ظهور هتلِر، ماتت الديانات. كلُّها خرافات. وحتّى أُبرهن لكم، سوف أُنزِل بيدي هذا الشخص". وضع سلّمًا. صعِد. أخذ الشخص ورماه فتحطَّم، وراح يقهقه ويقول: "شِفتُوا؟ مْبَيَّن ما صار شي!" نزل عن السلّم، وهو يقهقه. وضع رجله على الأرض. كرّ الحيط عليه وقتله... هل مِن داعٍ للتعليق؟

 

الويل لمن يحطُّ من مقامها! لا لأنّ العذراء ستنتقم منه (صلبوا ابنها ولم تنتقم)، بل لأنّه سيَكُرّ عليه حائط القَحْط الرّوحي والجفاف النّفسي. فإنّ ديانةً مسيحيّة بلا مريم مثل ضيعة بلا كنيسة، مثل كنيسة بلا قربان، مثل بيت بلا أُمّ... الويل لمن يتجاهل العذراء، وطوبى لمن بها ينشغف ويهيم، فإنّه سيتعلَّم منها الطهر والنّقاء، الغيرة والعطاء والتفاني حتّى البطولة، كما كان من أمر الأب مكسيميليان  كولبي "مجنون العذراء" الذي قدَّم نفسه للموت عن غيره. ذاق من التعذيب أمرَّه، ومن التحقير أشنعه، وكان يقول: "لا يمكن أن يُصيبُنا مكروه دون علم الله والنقيّة مريم وإذنهما... لنترك أنفسنا مُنقادَةً إلى النقيّة بدقّةٍ متناهية، فتذهب بنا هذه الأُمّ حيث تريد... مع العذراء النقيّة أستطيع كلّ شيء...".

 

هذه هي مريم، وهذا ما قد تصل بالناس إليه...

 

 

اعتراض

"العذراء مريم لا فضل لها، لقد خُلِقَتْ في حال النّعمة والبراءة..."

من حيث اختيارها للأُمومة الإلهيّة، لا فضل لها، إلاّ بإذعانها لإرادة الله...

من حيث الحبل بها بلا دنس، لا فضل لها بتاتًا...

أمّا من حيث الإستمرار في نعمة البراءة فلها الفضل كلّ الفضل...

آدم وحوّاء أيضًا خُلِقا في حال النّعمة، ولكن...

 

الفضل، كلّ الفضل، بالإستمرار في حال النّعمة... بقطع النّظر عن كلّ ما تعرّضت له العذراء من دوافع للخطيئة ولم تخطأ (حالة الفقر، الولادة في مغارة، التهجير، مناهضة الفريسيّين ليسوع، عذابات ابنها وموته على الصّليب كالمجرم)، فإنّ أقربَ خطيئة لها كانت الكبرياء ("ها منذ الآن تطوّبني جميع الأجيال، لأنّ القدير صنع لي العظائم")، ولكنّها لم تتكبَّر ولم تتباهَ ("تعظّم نفسي الربّ، وتبتهج روحي بالله مخلّصي، لأنّه نظر إلى تواضع أمته" - (لو 1/ 47 - 49).

 

نحن أيضًا نتبرَّر في المعموديّة. فهل نستمرّ في حال البرارة؟...

 

فيا مريم البريئة من الخطيئة الأصليّة، صلّي لأجلنا، واجعلينا نستمرّ في حال النّعمة. وإنْ فقدناها، اجعلينا نستعيدها بالندامة وسرّ الإعتراف حيث نغتسل بدم ابنك، ونرسّخها فينا بتناول جسد ابنك يسوع...

 

أنت كلّيّة الكمال والجمال والبهاء. أشركينا في كمالك وجمالك وبهائك الرّوحيّ...

 

أنت كلّيّة العطف والحنان. أشركينا في عطفك وحنانك... أنت كلّيّة الإيمان والرّجاء والمحبّة. أشركينا في إيمانك ورجائك ومحبّتك، لا سيّما في الظروف الصّعبة التي يجتازها لبنان...

 

أنت كلّيّة الصّمود في وجه المحن. أشركي في صمودك المهجَّرين والمنكوبين واليتامى والحزانى والمُعاقين والمؤتَمنين على شؤون الناس...

واجعلي حائط التفرقة الذي يفصل بين اللبنانيّين يكرّ من أساسه.

 

أنتِ الشّفيعُ الأكرمُ عند ابنك يا مريم!

فيا أُمَّ الله يا حنونة، يا كنز الرّحمة والمعونة، أنتِ ملجانا وعليك رجانا. تشفّعي فينا يا عذراء، وتحنّني على موتانا.

 

 

"مريم من أنتِ؟ في خدمة البشارة"

جميل نعمةالله السقلاويّ

مرسل لعازريّ

 

 

macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية