مريم العذراء... إمرأة الإيمان

 

 

 

 

مريم العذراء... إمرأة الإيمان

 

مريم العذراء... إمرأة الإيمان

 

يطرح نصّ بشارة الملاك لمريم العذراء (لوقا 26: 1-38) بعض التساؤلات المهمّة...

١-  لماذا اضطربت مريم اضطرابًا شديدًا أمام تحيّة الملاك؟

٢-  كيف نفسّر جواب مريم للملاك: "أنا لا أعرف رجلًا..."، وهي مخطوبة ليوسف؟

۳-  هل كان باستطاعة مريم أن ترفض مشروع الله لها؟

 

 

١-  لماذا اضطربت مريم اضطرابًا شديدًا أمام تحيّة الملاك؟

يُجيب البعض: كان من الطبيعيّ أن تضطرب مريم وقد ظهر لها ملاكًا... أو أيضًا: لأنّ الملاك بشّرها بأنّها ستحمل وتولد المسيح، فكيف لا تتفاجأ وتضطرب...!

من الواضح أنّ سبب اضطراب مريم ليس لرؤيتها الملاك (لم يُشِر لوقا في الواقع إلى أنّها رأت ملاكًا)، وليس هو الخبر عن ولادة المسيح (لم يُخبِرها عنه بعد(....

 

لنقرأ ما يقوله لوقا: "فاضطربت مريم لهذا الكلام وتساءلت ما معنى هذا السلام". سبب اضطراب مريم يكمن في مضمون التحيّة التي وجَّهها الملاك لمريم، والتي تتضمّن الكلمات الثلاث التالية: "إفرحي - يا ممتلئة نعمة - الرَّبّ معك".

"إفرحي..."

هذه العبارة هي عبارة "بيبليّة"، يعني أنّها تحمل معنى رمزيًّا خاصًّا وفريدًا في العهد القديم، وبشكلٍ خاصّ عند الإنبياء. إنّ المراجع في الكتاب المقدّس التي ترد فيها "إفرحي" موجّهة فقط ودائمًا لـ"أورشليم" - "مدينة السَّلام": ليست هي أورشليم الأرضيّة، لكن أورشليم "السَّماويّة": وتعني أنَّ نهاية الأزمنة، التي تنبّأ بها الأنبياء، اقتربت... وأنّ ملكوت الله على وشك أن يأتي (مراثي4؛ صفنيا3؛ زكريا2؛...).

عندما يُحَيّي الملاك جبرائيل العذراء بهذا اللقب، يجعل منها "مكانًا مقدّسًا" و"مدينةَ سلام"، فيُنبِئها بأنّ نهاية العالم أشرفت، وأنّ حلول هذا السَّلام النُهيَوي مرتبط بها رباطًا حميمًا...!

 

 "يا ممتلئة نعمة"

"ممتلئة نعمة"، أو بالنصّ اليوناني (وهو النصّ الأصلي. "kekaritomene":)

يستخدم لوقا لهذا القول صيغة "الماضي التّام". يدلّ الماضي "التّام" إلى حالة أو حركة كانت منذ البدء وستدوم دائمًا... يعني لوقا إذًا، لهذا اللقب، المفهوم التالي وهو الأصحّ: "ممتلئة نعمة منذ البدء ودائمًا".

تعتمد الكنيسة هذه الآية كمرجع أساسيّ أوّل لعقيدة الحبل بمريم بلا دنس: إنّ الملاك يوضّح لمريم بأنّها ممتلئة نعمة منذ البدء، وهذا يعني "منذ بدء تكوينها"... فهي بالتالي بريئة من الخطيئة الأصليّة، وأهل كلّ التأهيل أن تلبّي الرِّسالة الإلهيّة التي ستوُكل إليها.

 

"الرَّبّ معكِ"

هي عبارة "بيبليّة": لا ترِد إلّا بضع مرّات في العهد القديم وفي إطار خاصٍّ جدًّا.
"الرَّبُّ معكَ" موجّهة فقط ودائمًا إلى النبّي المكلّف برسالة تحرير الشَّعب من ظلم الاحتلال ونير العبوديّة. هو المكلّف إذًا رسميًّا من قبل الله بمهمّة مصيريّة تخصّ خلاص الشّعب كلّه (خروج 3؛ هوشع 2 و3؛ قضاة 6؛ 1صموئيل 10 و17؛...).

عندما يوجّه الملاك هذه التحيّة "الرَّبُّ معكِ" إلى مريم - وهي بنت متواضعة من الناصرة - يرفعها إذًا إلى منزلة "نبيّ"، ويكلّفها بمهمّة مصيريّة، مهمّة تحرير الشعب من ظلم الاحتلال ونير العبوديّة...

 

* نفهم في ضوء مضمون هذه الكلمات الثلاث: "إفرحي، ممتلئة نعمة، الرَّبُّ معكِ" سبب اضطراب مريم الكبير: فهي مدعوّة إلى أن تكون:

-  مدينة السلام الأُخيري.

-  كليّة الطهارة دائمًا وأبدًا.

-  "نَبيّة" بامتياز.

-  حاملة رسالة تحرير وخلاص للشعب كلّه.

 

٢-  كيف نفسّر جواب مريم للملاك: "أنا لا أعرف رجلًا..."، وهي مخطوبة ليوسف؟

يأتي، عامّةً، الجواب التالي: مريم لم تتساكن بعد مع يوسف (فهي فقط مخطوبة له)، لذلك كيف يمكنها إنجاب طفلًا وهي "لا تعرف" رجلًا بعد (راجع المعنى البيبلي للكلمة "عرَفَ امرأة" أي: "أقام علاقة معها"(.

لكنّ هذا الجواب غير كاف أو غير مقنع: لأنّ مريم مدعوّة، في المستقبل القريب، إلى أن تقترن بيوسف، وكأيّ امرأة فاضلة أن تنجب له بنين وبنات... فهل كانت مريم تنوي أن تبقى بتولًا؟ وهل كانت تنوي أن تكرّس عذريّتها لله ضمن حياتها الزوجيّة؟ وكيف كان هكذا خيار ممكنًا عِلمًا أنّ في الديانة اليهوديّة حالة البتوليّة في الزواج غير واردة، والمرأة المتزوّجة التي لا تنجب طفلًا هي عار على المجتمع ولعنة الله تحلّ عليها؟...

يتكلّم المفسّرون عن بدعة "الإسَّانيِّين" التي كانت شهيرة أيَّام المسيح وجدًا شعبيَّة: وهي حركة دينيّة متصوّفة دعت النّاس إلى التوبة وإلى التبتّل في الحياة الزوجيّة، وإلى أعمال الزهد الروحيّ والماديّ: لأنّه، بنظرهم، اقترب ملكوت الله، فلا داعي بعد للإنجاب أو للزواج، بل إلى عيش حياة تقشّف وصوم، عفّة وصلاة، بانتظار مجيء المسيح المخلّص.

هكذا يفسّر الشرّاح اليوم نيّة مريم في اختيارها البتوليّة في الزواج، علمًا أنّه لم يكن من الضروريّ أن تنتمِيَ هي وزوجها إلى حركة الإسَّانيِّين، لتتبنّى هكذا نمَط من الحياة. ندرك هنا كيف توافقت رغبة مريم الداخليّة مع البيئة الرّوحيّة السَّائدة في ذلك الوقت، وتدبير العناية الإلهيّة التي شاءت أن تبقى مريم، عذراء وأمًّا في آن واحد...

 

 

۳- هل كان باستطاعة مريم أن ترفض مشروع الله لها؟

لم تقل مريم "نعم" منذ البداية... لا بل يمكننا القول إنّ الاضطراب والخوف هما علامة رفض أوّلي... لم توافق مريم على مشروع الله لها إلاّ من بعد ما تأمّلت واستوضحت واستوعبت الأمور. فجاء "نَعَمُها" عن صدق ونضوج.

ما الفرق إذًا بين استفهامها من الملاك واستفهام زكريّا المشكّك؟

إنّ الفرق واضح: إذا ارتاب زكريّا، فلأنّ امرأته طاعنة في السنّ وعاقر، ولا مجال لها أن تنجب؛ بينما مريم فَتيَّة وخصبة، مؤهّلة لأن تنجب، وبالتالي فلا مجال لها للشكّ...

إنْ كانت مريم تستوضح عن الأمر، فلأنّها ترى أنّ مشروع الله هذا يتعارض مع نذرها البتوليّة وبقائها عذراء: لذلك تستوضح، في سبيل الفهم... كي تستطيع، بعدها، أن تتمّم رسالتها على أكمل وجه.

مريم هي بالتالي إمرأة الإيمان المسيحيّ بامتياز، و"المعلّمة المسيحيّة الأولى": تعلّمنا كيف نعمّق إيماننا على ضوء كلمة الله والتأمّل بها وفهمِها...

 

يا بــاب السّماء... تَضرّعي لأجلنا !

 

الأب سمير بشارة اليسوعيّ.

 

 

المركز الدائم للتنشئة المسيحية macro-max rebound mazar
CMS x