مريم العذراء امرأة تنتظر

 

مريم العذراء امرأة تنتظر

الكون كلّه في حال انتظار وترقّب:

الشجر ينتظر الشمس والمطر. الزّهر ينتظر قطرة النّدى. العنكبوت ينتظر حشرةً تعلق بخيوطه. النّسر، فريسته. الصيّاد، طريدَته. الطالب، نتيجة دروسه. المسافر، ساعة الوصول. المزارع، الموسم. المريض، الشّفاء. الموظَّف، آخر الشّهر. الفتاة، فتى الأحلام. الحبيب، طلّة حبيبته. العروسان، ولدَهما الأوّل. طالب الرّهبنة، إبراز النّذور. طالب الكهنوت، السّيامة. المهجَّر، العودة إلى بيته. (لبنان ، ساعة الفرج)... كلٌّ منّا ينتظر شيئًا ما. حتّى الحجر يبدو وكأنّه ينتظر شيئًا ما: أن يوضع في مِدماك، أو يتكسَّر حَصًى...

 

الخليقة كلّها في حال انتظار. إنّها، على حدِّ قول مار بولس، "ترجو وتنتظر أن يتجلّى أبناء الله. إذ هي أيضًا تُعتَق من عبوديّة الفساد، بتحرُّر أبناء الله ومجدِهم. الخليقة كلّها ما زالت إلى اليوم تَئِنُّ بآلام المَخاض" (روم 8/ 19 - 22).

 

البشريّة كلّها، ألم تنتظر مئات الأجيال مجيء المخلِّص؟ وهي، ألا تزال تنتظر مجيئه الثاني؟ الإنسان كائن مجبول جبلاً بالرّغبة والإشتياق. قال المسيح للقدّيسة أنجيل دي فُولِينيو: "يا ابنتي، فيكِ شيءٌ واحد ذو شأن، هو اشتياقك. فلا ولن أحرمك إيّاه، لأنّك إذا نزعتُه منكِ، لن يعود لك من معنى. إنّك تساوين ما يساوي اشتياقُك". إن قيل: "قُلْ لي من تعاشر، أَقُلْ لك من أنت"، يسعنا القول أيضًا: "قُلْ لي ما تشتهي، أَقُلْ لك من أنت"...

 

المسيح نفسه، هل كان ينتظر، يترقَّب، يشتاق، يشتهي؟ نعم. حياتُه كلُّها كانت انتظارًا واشتياقًا: "لي صبغةٌ أصطبغها، وكم أُعاني إلى أن تكون اكتملَتْ!" (لو 12/ 50). "أتيتُ لأُلقي على الأرض نارًا، وكم أودّ أن تكون اضطرمَتْ! (لو 12/ 49). "شهوةً اشتهيتُ أن آكل هذا الفصح معكم قبل آلامي. وإنّي أقول لكم: لا آكُلُه بعد، حتّى يتمّ في ملكوت الله" (لو 22/ 15 - 16). "يا أبتاه، نجّني من هذه الساعة. ولكن لأجل هذا، بلغتُ إلى هذه الساعة" (يو 12/ 27).

 

أجل، الإنتظار، شأنُ الجميع. ومن يعود لا ينتظر شيئًا، فهو غير بعيد عن اليأس وعن تجربة الإنتحار أو، أَقلَّه، السُّكر...

 

والعذراء مريم؟... إنّها انتظار متجسِّد واشتياق متوقِّد:

قبل البشارة، كانت مثل سائر الشّعب تنتظر المخلِّص. ولكن، خلافًا لسائر بنات إسرائيل، لم يكن في حسابها أن تكون هي أُمّ المخلِّص طالما أنّها لا ولن "تعرف رجلاً" (لو 1/ 34). فكان أنّ الله لم يَخْتَرْ أُمًّا لابنه إلاّ تلك التي كانت قد قرّرت أن لا تصير أُمًّا أبدًا... هكذا الأمر دائمًا مع الله: ما أن يُفْرِغ الإنسانُ ذاته من ذاته حتّى يُسارع إلى مَلء الفراغ وإسباغ نعمه الفيّاضة...

 

يوم البشارة تقبّلت العذراء الرّوح القدس كلّه: "الرّوح القدس يأتي عليكِ، وقوّة العليّ تظلّلكِ. لذلك، فالمولود منك يكون قدّوس، وابنَ الله يُدعَى" (لو 1/ 35)... فهل كان ممكنًا أن تتقبّله كلّيًّا لو لم تكن، إزاء الله، انتظارًا كلّيًّا؟ فالإنسان يتقبَّل من الله بمقدار ما ينتظر منه. وبمقدار ما يكون الفراغ يكون الإمتلاء. حتّى الله نفسه لا يستطيع أن يعطي شيئًا مَن لا ينتظر منه شيئًا.

 

قبل البشارة كانت العذراء تنتظر. ساعةَ البشارة تقبّلَتْ زرعًا عجائبيًّا. وإذا بها تعود فتنتظر. ماذا؟ أن يبلغ الزّرع؟ أكيد. ولكن أيضًا أن يتفهّم يوسف خطّيبها تَدَخُّلَ الله في مصيرها... وها هو يوسف يخاف من أن يعقد زواجه من مريم، لئلاّ يكون، بعدَ تَدَخُّلِ الله صاحبِ الحقّ المطلق، كمن يُقْدِم على أمر لا يعنيه. انتظر، وفكِّر بما عساه يفعل لكي يتنحّى دون أن تُمَسّ، في عين الناس، كرامةُ خِطّيبتِه... انتظرت مريم، وانتظر يوسف، إلى أن أتاهما الجواب من السّماء، فعَمِلا بموجبه...

وراحت مريم، في الناصرة، تنتظر ميلادًا تقول عنه الكتب إنّه سيكون في بيت لحم!.. هكذا تنبّأ النبي ميخا: "وأنتِ يا بيتَ لحمُ، أرضَ يهوذا، لستِ الصغيرة في ملوك يهوذا، لأنّه منك يخرج مَلِكٌ يرعى شعبي إسرائيل" (مي 5/ 1). فماذا تصنع؟ لا شيء. بل تنتظر من السّماء إشارة. وإذا بالإشارة تأتي عِبْرَ صدور أمر عن الإمبراطور الرّوماني أغوسطُس قيصر باكتتاب شعوب الإمبراطوريّة كلِّها... فاضطرّها الأمر أن تنزل ويوسف إلى بيت لحم...

 

ثمّ راحت تنتظر ما عساه يكون مستقبل ولدها... كثيرون منّا يعتقدون أنّ كلّ شيء كان واضحًا في عقل العذراء، كما لو أنّها في السّماء تشاهد الله وجهًا لوجه. لا! إنّها على الأرض، وإيمانها - مثل إيماننا - مغلَّف بالغموض والتساؤل، تمامًا كما نحن اليوم إزاء الإفخارستيّا... وأغلبُ الظنّ أنّها كثيرًا ما كانت تتساءل: "إلى أين نحن سائرون؟ لست أدري..." ("لماذا تبحثان عنّي؟ ألا تعلمان أنّه يجب عليّ أن أكون في بيت أبي؟ أمّا هما فلم يفهما الكلمة التي قالها لهما... وكانت أُمّه تحفظ كلّ هذه الكلمات في قلبها" (لو 2/ 49 - 51).

 

وهكذا دواليك... ثلاثين سنة، إنتظار، ترقُّب وتوقُّع شيءٍ هامّ قد يحدث، ولكنّها تجهل ما سوف يكون بالضبط... تنتظر، تترقّب، ولكن دون أن تقلق أو تهلع. كانت تتساءل عن المصير المجهول، ثمّ تقول: "ارتاحي يا بنت!" وكانت ترتاح وتَطمَئِن لأنّها واثقة بابنها يسوع وبأبيه السّماوي... (توكّلنا على الله، فهو ملجانا. توكّلنا على الله، لا نخاف السوء).

 

العذراء، كلّها انتظار. وانتظارها كلّه في جوابها للملاك: "أنا أَمَة الربّ، فلْيكن لي حسب قولك". الأمَة، الصّانعة، تنتظر الأوامر وتعمل بموجبها... ولذا فإنّ الربّ سوف يصنع لمريم "العظائم" (لو 1/ 49).

لمّا بلغ يسوع السِنّ الثلاثين، ترك أُمَّه وراح يعتمد في الأردنّ، وينزوي أربعين يومًا في البريّة. وكانوا يسألونها:

- ويَنو يسوع؟

- ما بَعْرِف.

- شُو رَح يعمل؟

- ما بَعْرِف.

- شو رح تعملي؟

- ناطرة...

وقال لها: "هنا، في الناصرة، مجال العمل الرّسولي ضيّق. تعالي معي نسكن في كفرناحوم". وراحت معه... وكانت تتساءل: "ابني سوف يخلِّص العالم. ولكن كيف؟" - "لا تخافي يا أُمّي! أَمرُ الفداء سائر بخطى ثابتة. لا تخافي!.." كيف لا تخاف وها هم أعداؤه يتكاثرون ويضمرون له الشرّ؟... وكانت تنتظر...

هكذا كانت مريم. هكذا كانت حياتها... إنّها أُمٌّ تنتظر. أُمٌّ كلُّها ثقة بابنها الإلهيّ وبأبيه السَّماوي، ولكنّها لا تزال تتساءل عن مصير ابنها.

ذروة هذا الإنتظار كانت على الجلجلة: ها هو ابنها معلَّق على خشبة العار... واللّعنة ("ملعونٌ كلُّ مَن عُلِّقَ على خشبة" - (تث 21/ 23، غل 3/ 13)... ها هو مخلِّص العالم في حاجة إلى من يخلِّصه!.. كم كان قاسيًا على مسمعها قول الشتّامين: "أحيا آخرين، فلْيُحْي نفسه، إن كان هو المسيح مختارَ الله" (لو 23/ 35) - "يا هادِمَ الهيكل ورافِعَه في ثلاثة أيّام، خلِّص نفسك أنت، وانزل عن الصّليب!" (مر 12/ 29) - "إنْ هو ملك إسرائيل، فلينزل الآن عن الصّليب، فنؤمن به. هو متّكِل على الله، فلْيخلّصه الآن، إن كان راضيًا عنه، لأنّه قال "أنا ابن الله" (متّى 27/ 42 - 43)...

 

وما كان أشدّ غمَّها وهمَّها لمّا سمعته، هو، يقول: "إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟!" (متّى 27/ 46). لا أظنّ أنّ هناك كلامًا بشريًّا في وسعه - أن يعبِّر عن نفسيّة العذراء ساعتئذٍ: ابنُها ابنُ الله (وابنَ الله يُدعَى" - (لو 1/ 35)... ابنُها مَلِك ("ولن يكون لمُلكه انتهاء" - (لو 1/ 33)... ابنُها مخلِّصُ العالم ("لأنّه يخلِّص شعبه من خطاياهم" - (متّى 1/ 21)... أهكذا ينتهي ابنُ الله؟ ملكُ العالم؟ مخلِّصُ البشر؟ هكذا، على خشبة - العار واللّعنة؟؟؟

 

حَزِنَتِ العذراء، لا بل أصبحت عنوان الحزن ("أنا الأُمّ الحزينة، وما مَن يعزّيها"). اغتمَّت. تألّمَت. ذرفت الدّموع مدرارًا. "جاز في نفسها سيف"، على حدِّ تَنَبُّؤ سمعان الشيخ (لو 2/ 35). لكنّها لم - تيأس. لم تفكّر. ظلّت "واقفةً قرب الصَّليب" (يو 19/ 25). واقفة!.. ثقتها بابنها لم تنفقد، ولا سيّما قد سمعته يقول لأحد اللّصّين: "الحقّ أقول لك، اليوم تكون معي في الفردوس" (لو 23/ 43). كما وسمعته يلفظ نَفَسَه الأخير قائلاً في صرخة عظيمة: "أبتاه، بين يديك أستودع روحي!" (لو 23/ 46).

 

حقًّا إنّها لا تفهم. لكن ثقتها بابنها وبأبيه السَّماوي عظيمة... وظلّت تنتظر هكذا في النَّفَق المظلم، إلى أن تراءى لها قائمًا من بين الأموات، محطِّمًا الموت والخطيئة التي سبّبته...

 

وبعدُ، ماذا؟ عادت تنتظر ما عساه يفعل بعد القيامة، إلى أن عاد فجأةً إلى السّماء... وعادت هي تنتظر ("أمّا أنتم فامكثوا في أورشليم إلى أن تلبَسوا القوّة من العلاء" (لو 24/ 49).

 

ما هي هذه القوّة من العلاء؟ هل يرجع إليهم مرّةً ثانية؟ لا تعلم... إنّها مع الرّسل في العلّيّة. الجميع عاكفون على الصَّلاة بانتظار ما قد وعدهم به (أع 1/ 14). نفسيّتُهم جميعًا: الإنتظار في الصَّلاة والأعمال اليوميّة، إلى أن حلّ عليهم الرّوح القدس، فانطلق الرّسل إلى أربعة أقطار المعمورة ينقلون بُشرى الخلاص بيسوع المسيح. وكانت العذراء تترقّب تحقيق ملكوت الله على الأرض... والآن في السَّماء؟ ما زالت تنتظر المجيء الثاني لابنها في انتهاء الدّهر إذ، على حدّ قول مار بولس، "يسلِّم المُلكَ إلى الآب، حين تَبطُل كلُّ رئاسة وكلّ سلطان وكلّ قوّة، لأنّه مزمع أن يَملِك حتّى يَضَعَ جميع أعدائه تحت قدميه. وآخرُ عدوّ يُباد هو الموت... وحين يُخضِع كلَّ شيء للآب، حينئذ يَخضَع هو نفسه لذلك الذي أخضع له كلّ شيء، ليكون الله الكلَّ في الكلّ" (1 قور 15/ 24 - 28).

 

 

نحن والإنتظار

ونحن، ما هي قُدرتنا على الإنتظار؟

مصيبتنا عدم أو ضعف القدرة على الإنتظار... الولد، مثلاً، لا يعرف ما هو الإنتظار. فحالما يشعر برغبةٍ ما، يريد أن تُلَبَّى حالاً. يعطش؟ لازم يشرب حالاً. يجوع؟ لازم ياكل حالاً (مثل دعاية "السيريلاك": ما تكاد أُمّ الطفل تسحب الملعقة من فمه، حتّى تلعب يداه وعيناه طالبةً الملعقة التالية)... إن أنتَ أردتَ توزيع شيءٍ ما على أولاد، عليك أن توقفهم بالصّف، وإلاّ داسوا بعضهم بعضًا وهم يتسابقون... لا، الولد لا يعرف ما هو الإنتظار.

كلُّنا أولاد، في الكثير من المجالات. ومَن لا يصدِّق، فلْيذهب ويراقب الناس في الدّوائر الحكوميّة، أمام الأفران ومحطّات البنزين في الأزمات، على الطرق ساعة يتعرقل السّير.

إنْ تاجرنا، نريد الإغتناء بأسرع ما يمكن. إنْ مَرِضنا، نريد الشّفاء بأسرع ما يمكن. إنْ ذهبنا إلى الكنيسة، نريد أن يقدّس الخوري بأسرع ما يمكن، وأن يمتنع عن الوعظ لئلاّ تطول الحفلة. إنْ طلبنا من الربّ نعمة، نريد أن يستجيب بأسرع ما يمكن. إنْ تأخّر ولدنا في دروسه، نريد أن يعوّض بأسرع ما يمكن، حتّى لو عقّدناه بملاحقتنا. إنْ سَلَكَ ولدنا طريق السّوء، نريد أن يعمل حالاً بنصائحنا، ويمتثل حالاً لتهديداتنا.

 

إنّنا لا نعرف ما الإنتظار، ولا ما قيمته.

 

إذنْ، فلنسأل المزارع. إنّه يزرع وينتظر... ولْنسأل الصيّاد، لا سيّما صيّاد السّمك بالصنّارة... والمعماريّ... والبحّار... والفنّان بالموسيقى أو الرّسم أو النحت... ولْنسأل الطيور، والزهور...

 

ولْنسأل الإنجيل: "إسهروا، لأنّكم لا تعلمون في أيّة ساعة يأتي سيّدكم... كونوا مستعدّين لأنّ ابن الإنسان يأتي في ساعةٍ لا تخالونها" (متّى 24/ 42، 44). "كونوا متشبّهين بأُناس ينتظرون سيّدهم. حتّى إذا جاء وقرع، يفتحون له حالاً" (لو 12/ 36 - 37). "من يصبر إلى المنتهى يَحْيَ" (متّى 10/ 22، 24/ 13). "يُشبه ملكوت السّماوات رجلاً زرع في حقله زرعًا جيّدًا... فجاء عدّوه وزرع بين القمح زؤانًا... فلمّا ظهر الزؤان، دنا عبيد ربّ البيت وقالوا له: أتريد أن نذهب فنجمعه؟ فقال لهم: انتظروا زمنَ الحِصاد، لئلاّ تقتلعوا مع الزؤان القمحَ أيضًا" (متّى 13/ 24 - 30).

 

مصيبة كبيرة أن لا نعرف قيمة الإنتظار... ومصيبة كبرى أن نعود لا ننتظر شيئًا من الله! لأنّ قلب الإنسان واسعٌ وُسعَ المدى وأكثر، فما من شيء يستطيع أن يملأه، إلاّ الله: "يداي صغيرتان يا ربّ، يقول طاغور، يداي صغيرتان، ولكن اسكُبْ. فلسوف تفنى الأجيال، ويظلّ في يديّ فراغ". والقدّيس أغسطينوس: "لقد أوجَدْتنا لك يا ربّ. وإنّ قلبنا سيظلّ حيران إلى أن يستقرّ فيك يا رحمان!" والمسيح: "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكلّ كلمة تخرج من فم الله". هذه الكلمة هي كلمة الحبّ والعطف والحنان. وما أحوج الإنسان إلى هذه الكلمة!.. إسألوا المرأة التي يُغْدِق عليها زوجُها كلُّ ما في وسع امرأةٍ أن تشتهي من مال وجواهر وفساتين...، لكنّه يحرمها كلمةَ الحبّ والعطف والحنان...

 

لا، الدنيا وحدها لا تُشبع. المال وحده لا يُشبع. الجمال، النجاح، الصحّة، اللّذة، الوجاهة، العمر الطويل... كلُّها أمور لا تُشبع شوق الإنسان إلى أكثر ممّا يوفّره كلُّ ذلك. وما الذي يوفّره كلُّ ذلك؟ ما توفّره نُتَفٌ من الفرح لا تتعدّى كونها نُقَط زَيْتٍ تُسكَب من وقت إلى آخر على دواليب مَكَنة لئلاّ تَصدأ فتَئِزّ.

قال أحد الأُباء: "نحن الجائعين إلى أكثر من الخبز، لا نَشبع ولو جلسنا على كلّ ما في الأرض من موائد. نحن العطاشَ إلى أكثر من الماء، لا نرتوي ولو وَرَدْنا كلَّ ما في الأرض من ينابيع". كما ويقول: "لذّةُ الحبّ في الحرمان"، أي في الأمل، في الترقّب، في الإنتظار...

 

فالله، ذلك الحبّ المطلق والأب الرّحوم، يستطيع وحده أن يُشبع قلب الإنسان حتّى في قلب انتظاره، إذا كان انتظارُه رغبةً في المزيد من المحبّة.

 

يقول أديبنا: "الحياة بحرٌ، أمواجُه الأعمار، أمّا شاطئه فقلبُ الله". هذا الشاطئ الإلهيّ، في وسعنا أن نَحطّ عليه منذ الآن، فنشعر بقرب الله "بما يشعر به الولد في حضن أُمّه". ولا عجب، "فكما أنّ شوقنا إلى الخبز يقودنا حتمًا إلى الرّغيف، هكذا هُيامُنا بالله يقودنا حتمًا إلى الله".

 

فهل من المستغرب بعد ذلك أن نسمع ناثر هذا الكلام يعبّر عن انتظاره، في آخر صفحةٍ خطّتْها أنامله، بهذا الكلام في الموت: "قليلاً وأُغادركِ أيّتها الصّحراءُ القاحلة... قليلاً وأُحطّمكِ أيّتها القيود... لقد قضيتُ عمري منتظرًا هذه الساعة، فدَعوني أتمتّعُ بلقائها... طيلةَ إقامتي في هذه الدّيار، لم يكن شوقي للعودة إلى ذاك العالم يفارقني لحظةً واحدة. وها قد حانت ساعةُ الرّجوع... فهاتوا أيديكم وصافحوني مهنّئين...".

"قضيتُ عمري منتظرًا..."

العذراء أيضًا قضت عمرها منتظرةً... ولا تزال.

القدّيسون قضوا عمرهم منتظرين. ومنهم القدّيسة تريزيا الطفل يسوع، تلك المستحبسة في الدّير، والتي قضت عمرها تنتظر وتنتظر. مُجملُ كتاباتها موضوعٌ بصيغة المستقبل...

نعم، حياة الإنسان انتظار مستمرّ...

 

لذّة الحبّ في الحرمان؟ لذّة الإنتظار في أن يكون مُفعَمًا بالرّغبة والمحبّة. "توكّلنا على الله، فهو ملجانا. توكّلنا على الله، لا نخاف السّوء". حتّى لو نال السّوء منّا، لا نخاف، إنْ نحن وَضَعْنا اليد في يد الله، إنْ نحن اتّكلنا عليه، إنْ نحن آمنّا حقًّا بأنّ مشيئته هي الفُضلى. فلْنجرّب!.. شرط أن، عندما نفكّر بالمسيح، لا ننزع عنه الصّليب، ونجعل في يده عصًا سحريّة، لأنّه قيل: "من يبحث عن مسيحٍ بلا صليب، يجد صليبًا بلا مسيح!"...

اتّكلنا كثيرًا على ذواتنا، فكثيرًا ما خابت الآمال، وظللنا حائرين...

اتّكلنا على الأصدقاء والإخوان لحل مشكلة لبنان، فخابت الآمال، وظللنا حائرين...

نتّكل على الوسائل الطبيعيّة لإبعاد مرض، لنسيان خيبة، لسلوان حزن أو أسى، وكثيرًا ما تُخيَّب الآمال، ونظلّ حائرين...

 

الحيرة قتّالة. فلماذا لا نتبنّى قول القدّيس أغسطينوس: "أوجدتنا لك يا ربّ، وإنّ قلبنا سيظلّ حيران إلى أن يستقرّ فيك يا رحمان؟" هكذا فعل إبراهيم ويهوديت وأيّوب ومريم ويوسف، وكلّهم توكّلوا على الربّ وانتظروا منه الفرح، فنَعِموا بالطمأنينة. ألم يقل مار بطرس: "أَلقوا كلَّ اهتمامكم على الله، لأنّه حريص عليكم" (1 بط 5/ 7)؟ والنبي داود: "ألقِ على الربّ همّك وهو يعُولُك ولا يَدَعُ الصدّيق يتزعزع إلى الأبد" (مز 55/ 23)؟ فالربّ، إن هو لا يُزيل أسباب الهمّ، يجعلنا بحضوره وحنانه نشعر بقربه "بما يشعر الولد (المعذّب) في حضن أُمّه". حضن الأُمّ لا يُزيل الوجع. حضن الأُمّ يبلسم ويُطمئِن ويُشبع الأمل. فلْنفعل إذن كما فعل إبراهيم وأيّوب والعذراء ويوسف، وكما فعلت تلك الفتاة الجامعيّة في الجزائر:

رفيقة لها قالت يومًا لأحد الآباء اليسوعيين:

- أبتِ، أَسرِعْ وقُمْ بزيارة إحدى صديقاتنا. إنّها مُشرفة على الموت.

- طالبة مثلك؟

- إنّك لا تعرفها.

- إذنْ استدعي لها خوري رعيّتها.

- لا. لا تريد أن تواجه الكهنة، ولا أن يحدّثوها عن الدين. إنّها تعيش كالوثنيّين، ولكنّها "طيّوبة". تعال، أبتِ!

- كيف أذهب وهي لا تريد أن ترى كاهنًا؟ أُتركوها!.. سوف أُصلّي لأجلها.

- لا، أبتِ. قلنا لها إنّك ستأتي. وهي ترضى بك. تعالَ...

فذهب.

 

أثناء الحديث قالت المسكينة:

- كنتُ كثيرة المواهب. لكنّ الشّلل أقعدني منذ ثلاثة أشهر. حالتي ثقيلة جدًّا، وإنّي سأموت حتمًا بعد يومين... أَتيتُ من الكلّ الأكبر، وسأَنحدر إلى الكلّ الأكبر. ثمّ أَهترئ في الأرض مثل البهائم والشجر وكلّ شيء...

- لو لم أَكن مسيحيًّا، لكنتُ وافقتُ على كلامك هذا اليائس. لكنّي مسيحيّ. وبهذه الصّفة، اسمحي لي بأن أقول لك رأي يسوع المسيح. لمّا نزل إلى بستان الزيتون لكي يتعذّب قال: "أنا الكرمة وأنتم الأغصان، والكرّام أبي. فعندما يرى غصنًا نشيطًا وجميلاً، ينقّيه، لا ليعذّبه بل ليُعطي ثمارًا أكثر وأجمل" (يو 15/ 1 - 2)...

 

هذا الغصن الجميل هو أنتِ يا صغيرتي، والآب ينقّيك لكي تعطي ثمارًا أجمل...

- أين تعلّمتَ ذلك؟

- في الإنجيل حسب يوحنّا، الفصل الخامس عشر. تفضّلي، هذا هو إنجيلي. خُذِيه، واطلبي من صديقتك أن تقرأه عليك... لا أُريد أن أُثقّل عليك أكثر من ذلك. بخاطرك...

في الغد، زار القربان المقدّس وخاطب يسوع قائلاً: "اصطفل! أنت المسؤول الأكبر. عليك تدبّرها مباشرة، منك إليها، طالما أنّها لا تريد مواجهة الكهنة". بعد قليل من التأمّل، شعر بأنّ المسيح يقول له من داخل بيت القربان: "لو أنّك تحملني إليها! إنّها معمَّدة، كما تعلم".

 

وحمل إليها القربانة...

رأته يدخل من الباب فقالت:

- كنت ناطِرْتَك. ولَكَم خِفت من أن لا تجيء... (وبعد أن تفرّست به مليًّا): أبتِ! كيف صار أنّ الآب أحبّني إلى هذا الحدّ؟

- أجهل كيف. الأكيد الأكيد هو أنّه يحبّك حبًّا لا متناهيًا.

- (بعد أن ضمّت يديها): إلهي، أيّها الآب، أشكرك لأنّك أحببتني إلى هذا الحدّ... أبتِ، ماذا يجب أن أفعل؟

- معي أنا، لا شيء. شغلك معه هو. تفضّلي. جـِبْت لك القربانة. هو بالذات آتٍ إليك، خذيه!

- أتريد أن أتناول؟

- نعم. أنتِ معمّدة.

- ولكن، هَيْك؟ دون اعتراف؟

... بعد الإعتراف ومنح الغفران قال لها: "الآن اطمئِنّي، ولا تخافي. ها هوذا. اصْطفلي منك إليه".

 

في اليوم التالي، ماتت... قالت أُمّها للكاهن: "ماتت، ولكن يصعب عليّ أن أبكيها. كانت لا تفتأ تردّد وتقول: إلهي، أيّها الآب، أشكرك لأنّك أحببتني إلى هذا الحدّ... أُمّي، أنا ذاهبة إلى الآب السّماوي..." (عن الأب مُونيه، في كتابه "أيّها الربّ إنّي أبحث عن وجهك"، 157 - 159، سلفاتور 1972).

 

بعد التأمّل بهذه الحادثة، لا يسعني إلاّ أن أستنتج وأقول إنّ الله ينتظرنا أكثر ممّا نحن نتنظره. ولا عجب، فالإنتظار، والترقّب، والشوق، على قدر المحبّة... ألله ينتظرنا في الصلاة، في الإفخارستيّا، في اللّقاءات، في القريب، في الأحداث، على أبواب قلوبنا. "ها أنا، يقول الربّ في سفر الرؤيا، واقفٌ على الباب أقرعه. فإنْ سمع أحدٌ صوتي وفتح الباب، دخلت إليه، فأتعشّى معه وهو معي" (رؤ 3/ 20)... "إنْ سمع أحد صوتي". من يسمع أحسن من الذي يكون منتظرًا الزائر؟... عسانا جميعًا نلبّي انتظار الربّ، فيلبّي انتظارنا... "طوبى، يقول المسيح، لأولئك العبيد الذين يجيء سيّدهم فيجدهم متيقّظين، منتظرين. الحقّ أقول لكم إنّه يشدّ وَسْطه ويُتْكِئُهم، ويقوم على خدمتهم" (لو 12/ 36 - 37).

 

فيا مريم، يا سيّدة الإنتظار، صلّي لأجلنا.

 

جميل نعمةالله السقلاوي

مرسل لعازريّ

 

 

 

macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية