مريم العذراء في عرس قانا الجليل

 

مريم العذراء في عرس قانا الجليل

 

كتَبَ يوحنا الإنجيلي مشهد ”عرس   قانا الجليل“ (1: 2-11)  مع نيّة   لاهوتيّة واضحة، حيث يُبرز دور مريم العذراء بصورة مميّزة.

 

سنتوقّف على شرح بعض التعابير في النصّ، ونستخلص من خلاله   العناصر الأساسيّة  التي توضّح دور مريم الفعّال في تاريخ الخلاص.

 

يطرح النصّ بعض التساؤلات:

 

- لماذا تبتدئ الرواية بـ: ”في اليوم الثالث“؟  

 

- هل من مفهوم مُعَيَّن لكلمة ”عرس“   في العهد القديم؟

 

- لا يذكر أبدًا يوحنا اسم ”مريم“   في إنجيله: لماذا؟

 

    - لماذا التشديد على ”نفاد الخمر“؟

 

- ماذا تعني العبارة ”ما لي وما لك“؟

 

- لماذا ينادي يسوع أمّه ”أيتّها المرأة“؟

 

- لماذا تبتدئ الرواية بـ : ”في اليوم الثالث“؟

إنّ العبارة ”في اليوم الثالث“ إشارة زمنيّة  مميّزة في العهد القديم تدلّ على حدث   تاريخيّ مهمّ، لا بل مصيريّ لشعب إسرائيل،   على وشك أن يتحقّق. على سبيل المثال: تجّلت "حقيقة يوسف" أمام إخوته في بلاط   فرعون "في اليوم الثالث" (تكوين 44: 22). و"في اليوم الثالث"، "تجلّى الله لموسى" على الجبل، وأعطاه الوصايا العشر (خروج 11: 19؛ 18: 42)،... إنّ معجزة قانا الجليل تبتدئ ”في اليوم الثالث“: وهذا يعني، بالتالي، أنّ حدث مهمّ جدًا على وشك أن يحصل، يتجاوز قصّة عائليّة   وأزمة محليّة، ويخصّ خلاص الشعب كلّه: ألا وهو افتتاح ملكوت الله بمجيء المسيح، ”الكلمة الذي صار بشرًا“! ومريم، بوجودها المسبق في العرس - ”وكانت أمّ يسوع هناك“ (2: 2) - تساهم بطريقة فعّالة في تدشين هذا الملكوت.  

 

 

  - هل من مفهوم مُعَيَّن لكلمة ”عرس“ في العهد القديم؟

من المُلفت أنّ كلمة ”عرس“ لا ترد في الكتاب المقدّس إلا بمعنى رمزيّ، وهي ترمز عند الأنبياء إلى ”الزفاف السماويّ“: أي اقتران الله بشعبه، وحيث الله هو العريس، والشعب هو العروس (أشعيا 54 و61؛ إرميا 2؛ حزقيال 16؛...). يُعلن يوحنا في بداية إنجيله عن تدشين عهد جديد، ويضعه في إطار وليمة عرس يفتتحها المسيح بتجسّده : فلا يكتمل فرح هذه الوليمة إلا بحضور أمّه وسهرها الأمين. 

 

- لا يذكر أبدًا يوحنا اسم ”مريم“ في إنجيله : لماذا؟

لا يذكر الإنجيليّ الرابع اسمه في الإنجيل (يوحنا): بل يُشير إلى ذاته دائمًا بـ”التلميذ الحبيب“. وراء هذه التسمية نيّة واضحة: وهي أنّ كلّ شخص يتبع المسيح ويحبّه كما أحبّه يوحنا يصبح تلميذًا للمسيح ورسولًا له. في هذا الإطار، لا يذكر يوحنا البتّة اسم ”مريم“ في إنجيله، بل يُشير إليها دائمًا باللقب التالي ”أمّ يسوع“. إنّ ذكر ”أم يسوع“ يرد في مشهدَين بإنجيل يوحنا: في قانا الجليل (بداية حياة يسوع العلنيّة)، وعند أقدام الصليب (ختام  حياة يسوع العلنيّة). ويدلّ استعمال هذا اللقب - تسع مرّات في المشهدَين – على أهميّة عنصر ”الأمومة“ التي تميّز العذراء. فلا يتأمّل يوحنا بشخص مريم بمعزل عن ابنها الذي ولدته...   ولا سبب لوجودها ومعنى لحياتها إلا من خلال تلك الأمومة التي تربطها بابنها، والتي ستربطها يومًا على الصليب بالبشريّة جمعاء. من الملفت – في هذا الإطار – أنّ الإنجيليّ يطلق على مريم لقب ”الأم“ - بصيغة المطلق - عندما يُعلنها يسوع، وهو على الصليب، أمًّا للتلميذ الحبيب: ومن خلال شموليّة هذا اللقب يكرّسها ”أمًّا لجميع المؤمنين“ (26: 19).

 

 

- لماذا التشديد على ”نفاد الخمر“؟

مريم هي التي لاحظت "نفاد الخمر" والتي نبّهت يسوع عنه. كما نراها تتصرّف بحريّة وتخاطب الخدم... إنّها تمثّل الشفيعة المثاليّة التي تنتبه إلى الأزمة أو النقص الذي يعاني منه الشعب، فتتوسّل إلى ابنها ليتدخّل. إنّ التشديد على "نفاد الخمر" - مرّتين في الآية ذاتها - أمرٌ مُلفت ويعبّر عن حالة واضحة: نحن على عتبة تدشين عهد جديد بالمسيح: ”الخمر“ – في مفهوم الكتاب المقدّس – يرمز دائمًا إلى الفرح والصداقة مع الله. نفد الفرح والحبّ من قلب الشعب، فهو بحاجة إلى تجدّد وتوبة. وأصبح قلبه مثل الأجران الفارغة: من حجر“، وبحاجة إلى ”تطهير“. فمن هي الأكثر إدراكًا لِحاجة الشعب سوى مريم العذراء ”الأمّ“، التي تنبّه المسيح عن الأزمة الحاصِلة وتضع ثقتها الكاملة به ليعالجها.

 

 

- ماذا تعني العبارة ”ما لي وما لك“؟

قد نتفاجأ من ردّ فعل المسيح على طلب العذراء...: هل ردّ فعله يدلّ على ”اختلاف في الآراء“ ؟ أو على ”مسافة“ يريد المسيح أن يحافظ عليها تجاه أمّه ؟ أو على حرصه في ”تمييز الأدوار“ ؟... من المهمّ أن نفهم معنى هذه العبارة، على ضوء العهد القديم، لنستوضح المنطق الذي يتكلّم به المسيح. إنّ العبارة ”ما لي وما لَكَ؟“ هي عبارة ”بيبليّة“ يوجهها النبي إلى الملك في حال طلبَ منه أن يتوسّل إلى الله لينقذ الشعب من الخطر. فيحذّره النبي من عدم التدخّل - ليس عليه أن يتصرّف (ما لي) ولا على الملك (ما لكَ) – لكنّه يدعوه إلى أن يضع ثقته التامة بالله الذي يدبّر الأمور بحكمة، والقادر وحده أن ينقذ الشعب من الأزمة (1ملوك 18: 17؛ هوشع 8: 14؛...). باستخدامه هذه العبارة، يدعو المسيح أمّه إلى الاطمئنان: فالأمر بيد الآب الذي يدبّر كلّ شيء، فلا داعي للقلق. علينا أن نفهم هذه العبارة إذًا كالتالي: ”المسألة ليست مرتبطة بي، ولا بكِ...: ”ألله يدبّر كلّ شيء !“. نلاحظ في هذا السياق تضامن مريم الكلّي مع جواب يسوع إذ نراها تخاطب الخدم بثقة تامة قائلة لهم: ”مهما قال لكم فافعلوه“.

 

 

لماذا ينادي يسوع أمّه ”أيّتها المرأة“ ؟

يتفاجأ البعض من هذه التسمية وكأنها تدلّ على نوع من ”عدم التقدير“، أو من ”تهميش“ لطلب العذراء، أو ”عدم الاعتبار“، إلخ... في الواقع، هذا المنادى، في إنجيل يوحنا، هو لقب ”احترام“، يريد المسيح من خلاله أن يعيد للمرأة كرامتها التي فقدتها بسبب المرأة الأولى – حوّاء - التي تمرّدت على مشيئة الله وجلبت العار عليها وعلى جميع النساء . ينبغي، في هذا الإطار، أن نرى أين يرد هذا المنادى في إنجيل يوحنا وماذا يحمل من معاني. يتكرّر هذا المنادى ثلاث مرّات – إذا استثنينا المرّتَين اللتَين تشيران إلى مريم العذراء (قانا الجليل وعند أقدام الصليب).

 

وهي ثلاثة مشاهد تخصّ ثلاث نساء : المرأة السامريّة (21: 4)، والمرأة الزانية (10: 8)، ومريم المجدليّة (15: 20).

يلي دائمًا هذا المنادى، في المشاهد الثلاثة، إعلان مسيحانيّ هام، حيث يكشف فيه يسوع للـ ”مرأة“ عن هويّته ورسالته.

 

-  مع المرأة السامريّة، يؤدّي لها الاحترام ويكشف عن سرّ ألوهيّته: ”أيتّها المرأة، أنا هو (المسيح) الذي يكلّمّك“ (26/4).

 

- مع المرأة الزانيّة يعبّر لها عن الرحمة الإلهيّة ويكشف عن سرّ الفداء: ”أيتّها المرأة، أنا أيضًا لا أحكم عليك“ (11/8).

 

- مع مريم المجدليّة يقدّم لها التعزية الفائقة ويكشف عن سرّ القيامة: ”أيّتها المرأة،... إنّي صاعد إلى أبي...“ (16/20).

 

نرى – بحسب هذه المراجع الثلاثة – أنّ المنادى ”أيّتها المرأة“ يرافقه دائمًا احترام ورحمة وتعزية للـ ”مرأة“. فلا يمكننا أن نرى فيه تعبيرًا غير لائقًا موجّهًا إلى مريم، بل لقبًا مميّزًا يمهّد دائمًا للإعلان عن حدث مهمّ: هنا، في عرس قانا الجليل، إعلان مجد يسوع أمام تلاميذه؛ مجد ساهمت مريم أمّ يسوع في الكشف عنه.

يا سبب سرورنا... تضرّعي لأجلنا !

 

 

 الأب سمير بشارة اليسوعيّ.

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية