مريم العذراء في قلب الكنيسة

 

 

مريم العذراء في قلب الكنيسة

 

مريم العذراء في قلب الكنيسة

 

حين نقرأ سفر الرؤيا  يلفت نظرنا ثلاث نساء، وحين نعلم أنَّ المرأة وهي أمٌّ تمثـِّل شعبًا من الشعوب وفئة من الفئات، نستطيع أن نكتشف موقع مريم العذراء، في قلب الكنيسة. الأولى إيزابيل (2/ 20) تمثـِّل الضلال والكذب وشهادة الزور. وهي تعود باسمها إلى امرأة أخاب، ملك السَّامرة، التي رشت الشّهود فسبَّبوا بموت مؤمن هو نابوت اليزرعيليّ. حولها يقف عددٌ من الذين يسمُّون نفوسهم رسلاً وما هم برسل، بل هم الكاذبون وراء التي تزعم أنّها نبيّة وتُعلّم الناس الزنى الذي هو عبادة الأصنام. وامرأة ثانية "تجلس على وحش قُرمزيٍّ مُغطّى بأسماء التجديف" (17/ 3). هي تمثـِّل السلطة الرّومانيّة المضطهـِدة، هي بنت بابل. وما يميّزها أنّها "سكرى من دمّ القدِّيسين ومن دمّ شهداء يسوع" (آية 6). الأولى لا تزال حاضرة وعلى المؤمنين أن يحاربوها بحيث لا يقعون في أشراكها. والثانية سوف تسقط فتصير مسكنًا للشياطين (18/ 2). فيبكيها الذين تعلّقوا بها واغتنوا من كثرة غناها. فطُلب من المؤمنين أن يخرجوا منها لئلا يشاركوا في خطاياها (آية 4). والمرأة الثالثة التي تبرز في ذروة سفر الرؤيا هي تلك "الملتحفة الشمس والقمر تحت قدميها، وعلى رأسها إكليل من اثنيّ عشر كوكبًا" (12/ 1). هي مريم العذراء، أمُّ يسوع المسيح وأمُّ الكنيسة، كما هي الصورة عن عروس الحمل، التي "تزيّنت بأعمال القدِّيسين الصالحة" (19/ 7-8).

 

مجدُ مريم

بدأ الكلام عن مريم التي تمجَّدت بانتصارها النهائيّ، وهكذا جعلها الرائي في النهاية لكي يملأ قلوبنا بالرّجاء والثقة. لا مكان للخوف من أن تُقهر الكنيسة. فالحمل هو فيها وهو من وعدنا أنّنا نغلب وننتصر ونتمجّد.

"امرأة" أنشدها نشيد الأناشيد: مشرقة كالصبح، بهيّة كالشمس، مرهوبة كجيش برايات" (6/ 4). هي جميلة لأنَّ الربَّ جمَّلها. دعاها الملاك الممتلئة نعمة. ومن أين يأتي جمالها والنعمة التي تتزيّن بها؟ من ابنها يسوع. فهي أمُّه، هي أمُّ الله كما هتف لها المؤمنون في مجمع أفسس مُعلنين فرحتهم بوجه الضلال. منها يسوع اتّخذ جسدًا. هو الإنسان الكامل والإله الكامل. فإذا كان يسوع "شمسُ البِرّ" حلَّ في حشاها، فأيُّ جمال يُضاهي بعدُ جمالها. إذا كان ابنها نور العالم، فكم تستضيء به تلك التي حملته في أحشائها، ودلّلته على زندَيْها وأرضعته من ثدييها!

ما تكون تلك التي لباسها الشمس؟ ويتواصل الوصف: "القمر تحت قدميها". صورةٌ جديدةٌ عن العالم المتبدِّل، العائش الخطيئة، والذي يريد أن يحاربَ المؤمنين. انتصرت عليه مريم، داسته بقدمَيْها. في الماضي، غُلِبَتْ امرأة فكانت رمز الهزيمة أمام قوى الشرّ. أمَّا المرأة التي نحتفل بها اليوم فهي المنتصرة "تحت قدمَيها القمر". قال آباءُ الكنيسة: حيث هُزِمت امرأةٌ انتصرت امرأة. وها هي علامةُ انتصارها.

زينة مريم الشمس، وزينتها الكواكب الاثنا عشر. الرسل الذين كانوا حولها يوم العنصرة على ما يروي أعمال الرسل: "كانوا يواظبون كلّهم على الصلاة"، لا الرجال فقط، بل النساء أيضًا، لا الرسل وحدهم، بل إخوة يسوع الذين آمنوا به. كلّهم كانوا حول أمِّ يسوع. الكنيسة هي هنا تزيِّن هامة مريم العذراء، بعد أن زيّنتها هي بفضائلها وقداستها.

 

سرُّ التجسُّد

ويعود بنا سفر الرؤيا إلى سرِّ التجسُّد، الذي يمتدُّ في حياةِ يسوع المسيح. قال إنَّ هذه المرأة "حُبلى". خارجيًّا تشبه كلَّ أمٍّ لأنّها تتألّم "من وجع الولادة". فمذ البداية قيل لحوّاء: "أزيد تعبك حين تحبلين، وبالأوجاع تلدين البنين" (تك 3/ 16). إذا كان الابنُ الإلهيُّ شابهنا في كلِّ شيء ما عدا الخطيئة، أما تشاطر مريم أمُّه كلَّ امرأة آلامَها وأحزانها؟ غير أنَّ هذه الأمّ هي في العمق "مباركةٌ بين النساء". فهي تختلف عن كلِّ امرأة لأنّها أمٌّ وبتول معًا، وهذا ما لم تحصل عليه امرأة ولن تحصل. فالرّوح القدس هو الذي كوَّن الابن في حشاها. والرّوح الذي رفَّ على المياه فأخرجَ الخليقة الأولى (تك 1/ 3)، رفَّ على مريم وظلّلها فتكوَّنت في حشاها الخليقة الثانية التي بكرها يسوع المسيح (كو 1/ 15). وهي مُباركةٌ لأنَّ الثمرة التي في بطنها تحمل كلَّ بركةٍ إلى البشر.

"وبينما هما (يوسف ومريم) في بيت لحم، جاء وقتُها، وقتُ مريم، لتلدَ، فولدتِ ابنها البكر وقمَّطتْه وأضجعته في مذود" (لو 2/ 6-7). ذاك ما قال الإنجيل، كما ذكر الخطر الذي هدَّد الابن منذ ولادته. قيل ليوسف: "قمْ، خذِ الصبيَّ وأمَّه واهرب إلى مصر وأقِمْ فيها... لأنّ هيرودس يبحثُ عن الطفل ليقتله" (متى 2/ 13).

الخطر يهدِّد ابن مريم. فقوى الشرِّ حاضرةٌ في شكل "تنّين" يحاول أن "يبتلعَ طفلها حين تلدُه" (رؤ 12/ 4). غير أنَّ هذا الطفل كبر وصار شابًّا وأسَّس "ملكوت السماء على الأرض". هو ما مات قبل أن تأتي ساعتُه. ولكنَّ مريم أضعف من أن تحمي ابنَها من الخطر، لهذا قيل في آه: "اختُطفَ ولدُها إلى الله وإلى عرشه". هو الكلام عن القيامة والصعود. فمريم رافقتِ ابنَها، لا فقط كالرّسل "منذ عمادِ يوحنّا إلى يوم ارتفاعه" (أع 1/ 22)، بل رافقته منذ الطفولة حتى الصعود، بل لبثت بعد غيابه بالجسد، أكملَ صورة عنه. إذا هو أخذ تقاسيمها فبان كلُّ وجهها في وجهه دون وجهٍ آخر، فهي بعدَ الصعود صارت التلميذة الكاملة بحيث من نظر إليها اكتشف وجهَ ابنِها. فهي ليست فقط الأمَّ البشريَّة التي شابهها ابنُها كلَّ المشابهة لأنَّ لا أبَ بشريًّا له، بل هي تلك التي سمعت كلامَ الله وحفِظتْهُ في قلبِها وعملَتْ به.

 

سرُّ الفِداء

صعدَ الابن إلى السَّماء، ولبثتِ الأمُّ على الأرض هي وأولادُها. فعليها أن تكمِّلَ في جسدها ما ينقصُ من آلام المسيح من أجلِ جسده الذي هو الكنيسة (كو 1/ 24). انتهى جهادُ الابن فانتصر على أعدائه، وآخر عدوٍّ كان الموت. أمّا الأمُّ فبدأ جهادُها مع ابنها. أنهى الإنجيلُ حياة يسوع على الأرض، وسفرُ الأعمال قدَّم حياة الكنيسة التي هي امتدادٌ لحياة يسوع وجهاده. فمنذ البداية، كان الاضطهاد. بطرس ويوحنّا يوضعان في "غرفة انتظار". الرُسلُ في السجن، يعرفون الجلد والتهديد. وتاريخ الكنيسة هو تاريخُ الألم والاضطهاد، من العالم اليهوديِّ إلى العالم الرومانيّ، إلى عالم اليوم حيث المؤمنون ينالون الاضطهاد لأنّهم مؤمنون. فهل تتركُ الأمُّ أبناءها يُقاسون الألم؟ كلّا. بل هي هنا لكي تشجِّعَهم وتتألّمَ معهم، على مِثالِ أمِّ الإخوة السبعة. قالت لأصغر أبنائِها: "لا تخفْ من هذا الملك السَّفاح وكُنْ شجاعًا كإخوتِكَ ورحِّبْ بالموت" (2 مك 7/ 29).

ويروي سفر الرؤيا ما فعلت المرأة. شابهت الشعب العبرانيّ الذي هرب من مصر إلى الصحراء. ترك غنى مصرَ وجعلَ كلَّ ثقته بالرّبّ. وهكذا فعل الربُّ مع المرأة: "هيّأ لها ملجأ يَعولها" (رؤ 12/ 6). فالصراعُ قاسٍ بين الله وقوى الشرّ، بين التنّين برؤوسه السبعة، التي تعرفُ كيف تُدبِّرُ الحرب، وبين ميخائيل الذي يرمزُ إلى حضور الله وعمله. فمعنى اسمه: مَن كالله، مَن مثل الله؟ والجواب يكون: لا أحد. لهذا انهزم "التنّين" وسقط إلى الأرض، فكانت هزيمتُهُ كاملة كالمقاتلِ الذي يصرعُه مَن هو أقوى منه.

 ومَن هو التنّين؟ هو الحيَّةُ القديمة. هكذا يعود بنا سفرُ الرؤيا إلى سفر التكوين. تلك الحيَّة التي أضلّت حوّاء ومعها الجنسَ البشريّ، كما انتصرت فجعلت أبوينا الأوّلين "عريانين" (تك 3/ 7). أمّا الآن فمريم لابسة ٌ الشمس. ونحن المؤمنين الذين اعتمدْنا بالمسيح، لبِسْنا المسيح. وهذه الحيَّةُ مهما فعلت لا تتجاوز "عقب" المرأة. تبقى تحت قدميها. لا تحت قدميّ حوّاء، بل تحت قدميّ مريم.

مّن هو التنّين؟ هو إبليسُ الذي حسد الإنسان فأتاح للموت أن يدخُلَ إلى العالم. إبليس هو من يضعُ "العصيّ في الدواليب" فلا تعود العجلة قادرًا على أن تتحرَّك. ويقابل "الشيطان" اللفظ اليونانيَّ إبليس. فهذا الشيطانُ يجبُ إسكاته (زك 3/ 2)، لأنّه يتَّهمُ المؤمنين دومًا، بل يكونُ مثلَ الأسد متوثـِّبًا لكي يُوقعهم في الخطيئة (1بط 5/ 8).

وهكذا لا يزال المؤمنون يُجاهدون ولن يزالوا حتّى نهايةِ العالم. والمرأةُ حاضرةٌ معهم حتّى الانتصار النهائيّ، فينشد جميعُ المؤمنين: "اليوم تمَّ النصر والعزَّةُ والمُلك لإلهنا والسلطان لمسيحه، لأنَّ الذي يتّهم إخوتنا أُلقي إلى الأرض، الذي يتَّهمهم ليلاً ونهارًا عند ربِّنا وإلهنا، غلبوه بدم ِ الحمل وبشهادتهم..." (رؤ 12/ 10-11).

أجل، سرُّ الفداء يتواصل، والصّليب يُرافق المؤمنين، كما يُرافق أمَّهم في درجةٍ أولى. فهي التي سمعَت سمعان الشيخ يقول لها: "سيفُ الأحزان ينفذُ في قلبك" (2/ 35). لا لأنّها رأت ابنها على الصَّليب فقط، بل لأنّها ترى أبناءها في الجهاد: يسقطون أو يقومون. يتركون الجهادَ أو يجاهدون حتّى الدّم بإزاءِ الخطيئة (عب2/ 1). فالربُّ قال لنا: من أراد أن يتبعني يكفر بنفسه ويحمل صليبَه كلَّ يوم ويتبعني. لا في وقت محدَّد، بل كلَّ يوم. لهذا يقول الرسول: "نحن نُماتُ كلَّ يوم فحسبُنا مثل غنم للذبح" (رو 8/ 36). ولكن تأتي كلمة الرّجاء حالاً: "ولكنّنا في هذه الشدائد ننتصرُ كلَّ الانتصار بالذي أحبّنا" (آية 37).

 

الخاتمة

ها هي مريم العذراء، أمُّ الطفل الإلهيّ. هي التي رافقت ابنها من البداية إلى النهاية، ورافقت ساعته منذ عرسِ قانا الجليل، ولبِثتْ واقفة ً بقربه على الصّليب. هي المجيدة، تحيط بها الشمسُ والكواكب. هي "آية في السماء"، والآيةُ علامةٌ منظورةٌ تدلُّ على ما لا نراه. هي تدلُّ على ابنها الذي قدَّسَ يوحنّا المعمدان وهو بعدُ في حشاها. قبلَ مريم كانت السماءُ مغلقة، كما قال الآباء. مع مريم انفتحتِ السماء (رؤ 11/ 19).

وننهي كلامنا بهذا النشيد الأفراميِّ حول الميلاد (2/ 7):

فرَّحَني أكثر من كلِّ الذين آساهم لأنّي حبلتُ به

عظّمَني أكثر من كلِّ الذين عظّمهم لأنّي ولدتُه

وها أنا أستعدُّ لأدخلَ فردوسه الحيّ،

فأسبِّحه في الموضع الذي فيه أذنبَتْ حوّاء.

ارتضى بي أكثر من جميع النساء اللواتي خلق

ارتضى أن أكون له أمًّا.

وحسُنَ لديه أن يكون لي ابنًا.

 

"مريم العذراء في الأناجيل"

الخوري أنطوان الدويهيّ

macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية