مريم العذراء والافخارستيا

 

 

مريم العذراء والافخارستيا

 

مريم العذراء والافخارستيا

 

في القرن الرابع المسيحيّ، ساعة تكلّم أفرام عن مريم العذراء، ما جاراه أحد من آباء الكنيسة في الشرق وفي الغرب. والقول المأثور عنه: من القبر تصرخ عظامي: مريم هي والدة الإله. ويكفي أن نقرأ أناشيد الميلاد لكي نرى مكانة العذراء في لاهوت أفرام السريانيّ. نساء عديدات صوّرن هذه الأمّ التي تفوّقت عليهنّ. وهي كانت قرب يسوع تحمله في حضنها، تغذّيه من ثدييها.

 تناغيه وتنشد له، فأصبحت في نظر هذا المتعبّد لها كنّارة، وهو لقب أعطي لأفرام: إفتح فمي، إملأ فمي أنغامًا. هذا ما قالت لابنها. وماذا يا ترى تعطينا في كلامنا عن الإفخارستيّا؟ لولا الجسم الذي أخذه ابن الله من مريم، لما كان لنا جسدٌ نأكله ودم نشربه فيكون لنا زادًا في طريق الحياة.

نقطة الانطلاق في كلامنا، تجسّد الابن وأمومة مريم. ثمّ نعود إلى الصور الكتابيّة، قبل أن نتعرّف إلى مريم في قلب الكنيسة.

 

 -  مريم أمّ الابن المتجسّد

ماذا يقول أفرام عن مريم في علاقتها بابنها. نبدأ فنورد بعض النصوص من الإنجيل الرباعيّ، التي تشير إلى مريم. ثمّ نقرأ من أناشيد الميلاد. وفي النهاية، نرى التقارب بين مريم والإفخارستيّا.

 
أ- في شرح الإنجيل
قرأ أفرام السريانيّ خبر بشارة مريم (لو 1: 26-38)، فتحدّث عن حشاها الذي قدّسه الله ليكون معطفًا له. فقال في الدياتسّارون (1: 25).


إذا كان الآب سلّم إلى الابن الدينونة الآتية، فواضح أنّه أتمَّ به أيضًا خلق البشر وإقامتهم من جديد. كان الجمرة التي أحرقت الشوك والعوسج (تك 3: 18). سكن في الحشا وطهّره. قدّس موضع آلام الولادة واللعنات (تك 3: 26). فالنار التي رآها موسى أوقدت العلّيقة (خر 3: 2-3). والعلّيقة المتّقدة أذابت الشحم. والعلّيقة المتّقدة التي لم تحترق، كانت صورة عن الذهب المصفّى، بتلك النار الحيّة التي ظهرت في نهاية الزمن (غل 4: 4) فسقت حشا مريم وارتدته مثل نار العلّيقة.

 
وما كان نسل مريم، مع أنّ الأناشيد العديدة تجعلها ابنة داود؟ هي كذلك حين خطبت ليوسف فأخذت اسمه، شأنها شأن كلّ امرأة في الشرق. ولكنّ أفرام يفتح طريقًا أخرى: هي بنت لاوي. إذًا من عائلة كهنوتيّة، بحيث يلتقي في يسوع الكهنوت بأمّه، والملك بأبيه.

 
إنّ كلمات الملاك “إليصابات نسبيتك” تقدّم لنا مريم على أنّها من بيت لاوي. ولكن جُعلت النبوءة بالنسبة إلى الزواج. فيوسف الذي خطب مريم كان من نسل داود… إذا كان الكتاب لا يقول شيئًا عن نسب مريم، فلأنّ حساباته تشير إلى أنساب الرّجال. فلو اعتاد الكتاب أن يذكر نسب الأمّهات، لكان من الطبيعيّ أن يورد نسب مريم. فالكلمات “إليصابات نسيبتك” تقدّم مريم على أنّها من بيت لاوي (1: 25).


وقابل أفرام بين أليصابات ومن ولدت، ومريم ومن ولدت (1: 31).  

وضعت إليصابات العجوز آخر الأنبياء، ومريم الصبيّة ربَّ الملائكة وضعت ابنة هارون “صوتًا في البرّيّة” (متى 3: 3) وابنةُ الملك داود، كلمة الملك السماويّ. زوجةُ الكاهن وصفت “ملاك وجه الله” (إش 63: 9) وابنة الملك داود، الإله القدير، في الأرض. العاقر ولدت من يغفر الخطايا، والعذراء ذاك الذي يرفعها (يو 1: 29، 36). وضعت إليصابات ذاك الذي يصالح البشر في التوبة، ومريم ذاك الذي يطهّر الأرض من نجاستها. البكرُ أشعلت سراجًا في بيت يعقوب أبيها، وهذا السّراج هو يوحنّا (يو 5: 35). والصغرى أشعلت شمس البرّ (ملا 3: 20) من أجل جميع الأمم.

 
والكلام عن حبل مريم يردّ على ضلالين اثنين. الأوّل وثنيّ ولا يزال حاضرًا في أيّامنا، لكي ينفي صفة الوحي عن الكلام الإنجيليّ. والثاني يرتبط بالعالم اليهوديّ الذي عبَّر نفسه في التلمود حين اعتبر مريم زانية، وقد حبلت مع جنديّ رومانيّ. فإن كانت مريم حبلى، فبفعل الرّوح القدس وها هو الردّ على الضلالة الأولى:

 

وميلاد يسوع كان هكذا: حين خُطبت مريم على يوسف كانت حبلى (1: 18). ما قال الإنجيل هذا وكأنّه أمر عاديّ. تخيّل الوثنيّون في أساطيرهم أنّ آلهتهم خضعوا للشّهوات المعيبة ولإيلاد بنين ليسوا بحسب الطبيعة. وأنت إذ تسمع عن حبل مريم، لا تتخيّل خبرًا مشابهًا. لهذا قال الإنجيليّ: حُبلى بعمل الرّوح القدس. ما وُلد يسوع في اتّحاد بشريّ. فبالحبل المقدّس به فُتحت الطريق أمام العفّة لكي تسكن في كلّ جسد أن تكون (مريم) خُطبت وامتلكت اسم رجل (يوسف)، وذلك بعد أن حبلت، كلُّ هذا حصل باسم أمّه. فابن داود، تسجّل مع الملوك.

 

وتجاه الضلالة اليهوديّة، قال أفرام في المقطع نفسه (دياتسّارون، 2: 1).

أو أنّ ذلك (الحبل) حصل بسبب عقليّة البشر الفاسدين، الذين اتّهموا مريم بالزنى وافتروا عليها. لهذا سُلِّمت إلى شخص كيوسف: رآها حبلى فاحتفظ بتلك التي تستعدّ للولادة. ما طردها من بيته، بل أقام معها وقاسمها ثقل الافتراءات. ثمّ شهد من أجلها على عيون الجميع: من وُلد منها ليس ثمرة الزنى، بل حُبل به بقوّة الرّوح القدس.

وقدّم أفرام مقابلة بين ولادة أولى ارتبطت بآدم وحوّاء، في قراءة حرفيّة، وبين ولادة يسوع من مريم العذراء. فقال في الكتاب عينه (1: 2):

  في الواقع، ولدت مريم ولدًا بدون مشاركة الرجل. في البدء. وُلدت حوّاء من آدم من دون لقاء بشريّ. هكذا بالنسبة إلى يوسف ومريم العذراء خطّيبته. ولدت حوّاء القاتل قايين، ومريمُ المحيي. تلك ولدت من يسفك دم أخيه (تك 4: 1-16)، وهذه من يسفك إخوتُه دمه. رأت حوّاء من يرتعد ويهرب بسبب لعنة الأرض (تك 4: 10-14). ومريم ذاك الذي أخذ اللعنة وسمّرها على الصليب.

 

ب- في أناشيد الميلاد

  نكتفي بهذا القدر من الشرح الإنجيليّ وفيه عمق التفسير وقوّة الدفاع وحبّ الذين تحدّثوا عن ولادة الإله قبل تحديد العقيدة في مجمع أفسس، سنة 431. أمّا في أناشيد الميلاد، فالعاطفة تلعب دورها، كما الأمّ مع ابنها، الذي هو إله وإنسان معًا. في ذلك الوقت، تغرق مريم في سرّ لا يوصف، فلا يستطيع اللسان البشريّ أن يتحدّث عنه. قالت لابنها في النشيد السادس عشر:

 

كيف أدعوك يا غريبًا من صار منّا؟
أأدعوك أبًا؟ أأدعوك أخًا؟
أأدعوك عريسًا؟ أأدعوك سيّدًا؟
يا من ولد أمَّه ولادة أخرى من جوف الماء
 فأنا أخت من بيت داود أبينا معًا،
وأمّ أنا أيضًا لأنّي حبلت بك.
أنا عروس لأنّك القدّوس
أمة الدم والماء وابنة
لأنّك اشتريتني وعمّدتني.

يا ابن العليّ الذي أتى وحلّ فيّ فصرت أمَّه،
وكما ولدتُه ولادة أخرى،
ولدني هو أيضًا ولادة ثانية
لباسَ أمّه، جسدَها لبس، فلبست مجده.

 

ونورد هنا النشيد الخامس من أناشيد الميلاد، حين تتأمّل مريم الطفل الذي في حضنها، بين يديها. هو الطفل وهو الكبير الأيّام. هو المحدود ويرى كلّ شيء. هو محتاج إلى طعام ويعطي البشر الطعام.

 
 بأصوات شجيّة اضطرمت مريم وناغته،
من وهب المقفرة الخالية
أن تحبل بواحد عظيم وتلده
صغيرٌ هو وكبير: كلّه بقربي وكلّه لدى الكلّ
 في يوم دخل جبرائيل إليّ أنا المسكينة،
صنعني في الحال حرَّة وأمة
فأنا أمة لك، أيّها الإله،
وأمّ لك أيضًا، أيّها الإنسان، يا ربّي وابني.
 أمتلئ دهشة أمام طفل ملقى أمامي وشيخ،
كلّه إلى السماء ارتفعت عيناه
لثغة فمه لا تهدأ
فيخيَّل إليّ أنّه في هدأته يكلّم الله

من رأى طفلاً ينظر كلّه في كلّ مكان
مرآه يشبه ذاك الذي يدبّر
البرايا كلّها في العلى والعمق
مرآه يشبه ذاك الآمر الذي يأمر الجميع.
 كيف أفتح لك، أيّها الينبوع، ينبوع الحليب،
وكيف أعطيك القوت أيضًا
يا من يقيت الجميع من مائدته
كيف أقترب من قمطك يا من معطفه الضياء.

 

ويتوسّع النشيد الرابع ويطول، فيقدّم نقائض سبق ووردت بالنسبة إلى يسوع: ذاك الصامت يضمّ كلّ الألسنة. ذاك الذي في حضن أمّه، يضمّ الخليقة كلّها في حضنه. كان صغيرًا في حشا أمّه وكبيرًا حين يدبّر الكون:

  

حملته مريم طفلاً صامتًا
ساعة اختفت فيه الألسن كلّها

حمله يوسف فاختفى فيه
كيانٌ قديم وأقدم من الجميع

هو طفلٌ ملقى على الأرض واختفى فيه
كنز الحكمة التي تكفي الجميع.

ارتمى يرضع حليب مريم
والبرايا كلّها ترضع خيراته.

 من كان يرضع من حليب أمّه،
أرضع المسكونة من حياته.

من حلّ في حضن أمّه،
حلّت البرايا كلّها في حضنه.

 من صمت طفلاً كان يأمر
الخليقة كلّها بكلّ أوامره.

 كلّه في الأعماق وفي العلاء كلّه
كلّه قرب الجميع وقرب كلّ واحد منّا.

ساعة صُوِّر جسده في حشا مريم،
ركّبت قدرتُه الأعضاء لكلّ إنسان.

 في الحشا صوِّر حبلُ الابن
وهو في الحشا يصوّر جميع الأطفال

 ساعة حلَّ كلّه في الحشا،
صنعت إرادتُه الخفيّة المسكونة كلّها.

 

 -   الصور الكتابيّة

 ما استطاع أفرام أن يتحدّث عن مريم، والدة الإله، ويفيها حقّها، بلغته وشعره فلجأ إلى الكتاب المقدّس، يأخذ منه صورًا يطبّقها على المباركة بين النساء. قابل أفرام مريم مع حوّاء أوّلاً، ثمّ قارنها بنساء العهد القديم سارة إلى رفقة وليئة وراحيل وزلفة وبلهة، وما نسيَ حنّة أمّ صموئيل وإليصابات والدة يوحنّا المعمدان.

تمنّت سارة، زوجة إبراهيم، ونذرت. وإذ رأت إسحق الآتي، رأت في ابنها هذا، ذاك الذي يرمز إليه (الميلاد 13: 3)

منذ الصبا، إسحقُ الجيل تطلّع إلى رمزك،
بك ناغته سارة حين رأت
أسرارَك تحلّ، في طفولته.
فيا ابن نذوري، فيك اختفى سيّد النذور.

 

 نساء عديدات طلبن أولادًا، توسّلن، بكين، نذرن، عرفن العذاب الطويل، فقالت راحيل مثلاً ليعقوب: أعطني ولدًا وإلاّ أموت. كأنّها تقول: أقتل نفسي. أمّا مريم البتول فما طلبت، ومع ذلك أعطيت ابنًا لا كالأبناء. وإليصابات رأت العار يحيط بها. اعتزلت قبل الحبل وبعد الحبل. وكم فرحت حين التقت البتول التي تباركت بثمرة بطنها، فنادتها: أمّ ربّي. هنا نقرأ النشيد الثامن:

 

 ناغت سارة إسحق عبدًا
يحمل صورة الملك ربّه،
على كتفيه علامة الخشبة (الصليب)
ورمز المسامير على يديه سلاسل وعذاب.
 صرخت راحيل في زوجها فقالت: هب لي البنين
طوباها مريم. فمع أنّها ما سألت
حللتَ في حشاها حلولاً مقدّسًا
يا موهبة ألقت بنفسها على من أخذها.

 بدموع المرارة سألت حنّة ولدًا،
وسارة ورفقة، بالنذور والتضرّعات،
وإليصابات صلّت أيضًا
بعد العذاب الطويل كان لهنّ العزاء

طوباها مريم! لا نذرت ولا صلّت
ومع ذلك حبلت وهي بتول وولدت
من هو ربّ أبناء مثيلاتها
الذين كانوا أنقياء أبرارًا وكانوا ملوكًا وأحبارًا.

 من التي تناغي في حضنها، مثل مريم؟
من التي تتجاسر وتدعو ابنَها
ابن صانع الكون وباريه
ومن التي منذ الأزل دعت ابن العليّ ابنها.


وما خاف أفرام أن يقارن مريم مع نساء خاطفات. في أيّ حال، جعلهنّ القدّيس متّى في إنجيله: تامار، كنّة يهوذا اتّهمت بالزنى فبرّرها يهوذا. ومريم أيضًا اتّهمت. وإذ كانت بتشابع الخاطئة استطاعت أن تنال من داود أن يجعل ابنها سليمان ملكًا، فمريم نالت الوعد من الملاك. نقرأ النشيد 15:

كما الكنّارة إلى سيّدها، فمي ينظر إليك
شأ فيتحرّك لسان أمّك.
بك تعلّمت حبلاً جديدًا
وبك يتعقّم فمي ولادة جديدة، ولادة تسبيح جديد. 

الصعوبات لا تصعب عليك، بل تسهل:
بلا زواج حملك الحشا
والبطن ولدَك من دون زرع،
والفم يسهل عليه أن يُثمر تسبيحك العظيم ويُكثر. 

مقهورة أنا، مظلومة أنا، وأنا صافية
امتلأت أذناي هزءًا وعارًا.
ما أحتمل قليل عليّ
لأنّ تعزية واحدة منك تطرد كلّ المعوقات. 

ما احتقرتني يا ابني، فوجهي جليّ،
وما قهرتني حين حبلت وولدت
ديّان الحقّ يعلن براءتي
إذا كان يهوذا أعلن براءة تامار، فكم أنت تعلن براءتي. 

رتّل لك المزامير أبوك داود قبل أن تأتي:
سيقرَّب لك ذهب سبأ
رتّل لك المزمور وهو عريان (2 صم 6: 20)
فتجمَّع فعلاً قدامك المرّ والذهب.

 

 بالإضافة إلى النساء في العهد القديم، نتوقّف فقط عند صورة ترد في التوراة: المسكن أو خيمة الحضور. هنا نتذكّر لفظ “شكينة” العبريّ. كلّ هذا صورة عن مريم التي أقام فيها عمانوئيل. في هذا المجال، كتب أفرام في أناشيد البتوليّة (25: 1)

يوسف ويوحنّا وقَّرا
حشا أمّك كما في السرّ
سرّ المسكن (الخيمة) خيمة الوعد
التي فيها أقام عمانوئيل
الاثنان يبكّتاننا فلا نتواقح
ونصغّر الله في معابده
الدراسة مخيفة، وهذا الرفيع الذي لا يقاس
نقيسه ونتعقّبه.


ونقرأ في المسكن في النشيد 48: 4-6 من الأناشيد الأرمنيّة:

 في البرّيّة نصب موسى
المسكن من أجل اللاهوت.
هو ما أقام في قلوبهم،
فجعل مقاسه في قدس الأقداس.

شُيِّدت الكنيسةُ للشعوب
لتكون جماعة صلاة،
وفي نفوسنا، تعليم القدرة
التي تقود مركبة الكون.

بمعموديّة الروح القدس،
لنا حصّة في التكفير عن الخطايا،
والقدرة المقيمة في الخبز،
تأتي وترتاح فينا.

  

وهكذا يتوازى مفهومان: صورة المسكن والخيمة الذي يقيم فيه عمّانوئيل وهكذا تصبح مريم موضعًا تُقام فيه شعائر العبادة. غير أنّ الخيمة والمسكن صورة الكنيسة حيث يقيم المسيح. وهكذا يكون للمسيح ثلاثة “مساكن”: الخيمة، الكنيسة، مريم.

 

 -  مريم في قلب الكنيسة

في كلّ هذا، اكتشفنا أمومة مريميّة بالنسبة إلى الإفخارستيّا. نتذكّره فنكتشف الغنى في لاهوت مريم في علاقته بسرّ الأسرار. مريم تعطينا الإفخارستيّا، تجاه الخبز الذي أعطتنا حوّاء. ومريم مسكن الله يتواصل في سكنى الكلمة في الكنيسة. ومريم التي هي النموذج الأولى للبتول المسيحيّة، يقيم فيها المسيح في علاقة العروس بعروسه والأمّ بولدها. وأخيرًا الجسد الواحد الذي وُلد من مريم، وُلد أيضًا لكي يكون إفخارستيّا. لهذا كان التماهي التامّ بين الجسد التاريخيّ الذي أخذ من مريم وجسد المسيح الأسراريّ.

 

هنا نكتشف العلاقة بين الإفخارستيّا وعيد الميلاد. هذا ما نقرأ في النشيد الرابع من أناشيد الميلاد:

من حضن البتول (مريم) كما من الغمر،
نبت زرع. منه كانت الغلاّت.

أهراءً لا عدَّ لها ملأ يوسف
فكفّت في سنوات الجوع ووفّت. 

سنبلة واحدة من سنابل الحقّ وهبت الخبز،
خبزًا لا يُحدّ من السماء. 

في البرّيّة كسر البكر خبزًا،
فانيًا عابرًا كان مع أنّه كثير جدًّا.

  

فعاد أيضًا وكسر خبزًا جديدًا
لا تفنيه الأجيال العشائر.

الخبزات السبع التي كسر في البرّيّة نفدت،
وفنيت الخبزات الخمس التي أكثر. 

خبزة واحدة كسر، فنقّت الخليقة،
وحين تنقسم تكثر إكثارًا.

 وسبق أفرام وقال في النشيد عينه:

هو (يسوع) عنقود مبكر في هذا اليوم،
تختفي فيه كأس الخلاص.
 في الشتاء تفرغ الأغصان من الثمار،
ولنا ظهر ثمر من كرمة عاقر

 في كانون يختفي الزرعُ في الأرض،
ومن الحشا نبتت سنبلة الحياة. 

في نيسان ينبت الزرعُ في الهواء،
وفي الأرض زرعت الحزمة نفسها.

  

وفي أناشيد الميلاد (24: 17) نفهم أنّ الطفل يسوع سيكون الخبز والخمر في الإفخارستيّا، في إطار آلامه. طفلاً، هرب إلى مصر، وفي ساعته حُصد وعصر:


في بيت لحم صعد الجلاّدون
الزهرات الطريّة
التي كادت تهلك الزرع الطريّ
الذي اختفى فيه الخبز الحيّ.
سنبلة الحياة هربت وأمّنت
إلى يد الحاصد في وقت الحصاد.
والعنقود الذي هرب، طفلاً،
سلّم ذاته لكي يُعصَر،
فيعطي بخمره الحياة للنفوس.
المجد لك يا كنز الحياة.

 

 يتجسّد يسوع فيدخل إلى عالمنا. كما يصير عصير كأسنا وقمحنا يُزرَع لأجلنا. هذا ما يقول الثالث من أناشيد الميلاد:

 مبارك الراعي! صار حمل غفران لنا
مبارك الغصن! صار لنا كأس خلاص.
ومبارك العنقود أيضًا، معين دواء الحياة
ومبارك الفلاّح،
صار حنطة زُرعت وحزمة حُصدت
(ومبارك) المهندس، الذي صار حصنًا وملجأ.

 

 ويقابل أفرام بين مريم والكنيسة في ارتباطهما بالإفخارستيّا، فيتطلّع إلى “الطريق الكاملة التي فتحها المسيح للكنيسة منذ البداية، منذ الحبل به حتّى تمام القيامة” (دياتسّارون 4: 14). ويواصل أفرام كلامه في 4: 15:

 

فإذا كانت الكنيسة جسده، كما قال بولس الرسول شاهده، آمن أنّ الكنيسة مرّت في كلّ هذا (من الطفولة إلى القيامة) بدون فساد. وكما أنّه بالحكم على آدم وحده ماتت جميع الأجساد وتموت أيضًا، هكذا بغلبة جسد المسيح الواحد، عاشت الكنيسة وتعيش أيضًا. وكما خطئت الأجساد وماتت، ولعنت أمُّها الأرض، فبسبب هذا الجسد الذي هو الكنيسة التي لا تفسد، تباركت أرضه منذ البداية. فالأرض هي جسد مريم، هذا الهيكل الذي وُضع فيه الزرع.

  

وفي نشيد اللؤلؤة والإيمان 8: 4، شبّه أفرام الكنيسة ومريم بلؤلؤتين جميلتين وصافيتين:

  صارت مريم التي رأيتُ هناك،
حبلاً نقيًّا. صارت الكنيسة
والابن في داخلها شبهُ غمام
حملَتْه، ورمز سماء
أشرق منها ضياء جميلاً


وما أعطتنا الكنيسة من طعام، أعطتنا مريم في بيت لحم، بيت الخبز. فقال النشيد السادس من أناشيد الفطير: 

وهبت لنا الكنيسة الخبز الحيّ،
بدل الفطير الذي وهبته مصر. 

ووهبت لنا مريم الخبز القويّ
بدل خبز التعب الذي وهبته مصر.

 

 

الخاتمة

  كلامًا واسعًا أردناه عن مريم، في فكر أفرام بشكل عامّ، وفي علاقتها بالإفخارستيّا. إذا كان الجسد الذي حملته مريم في حشاها، وربّته طفلاً ورافقته فتى وشابًّا، هو الذي يقترب منه المؤمنون في الإفخارستيّا، فلماذا نعجب من المقابلة بين مريم والإفخارستيّا. جسد الابن، في فلسطين، كان لبضع سنوات. أمّا الإفخارستيّا فهي غذاء الكنيسة إلى أن يجيء المسيح. وهكذا كانت الكنيسة التي توزّع هذا السرّ القربانيّ وسائر الأسرار، الرابط بين مريم والإفخارستيّا. وحين نعرف أنّ مريم تلخّص سرّ الكنيسة في الحبل والولادة حتّى الانتقال إلى السماء. نكتفي ما يمكن أن يُقال في إطار الاحتفال بالميلاد عن جسد الربّ، فرح القمح السماويّ، وعن دمّ الربّ، ذاك العنقود الذي تغني خمره إلى نهاية العالم.

 

 الخوري بولس الفغالي

 

macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية