مريم المرأة في دعوتها

 

 

 

مريم المرأة في دعوتها

 

يسوع المسيح هو "الإنسان" المثاليّ، كما أراد الخالق أن يكون الإنسان... ومريم هي "المرأة" المثاليّة، كما أراد الخالق أن تكون المرأة... "هوذا الرّجل"، قال بيلاطس مشيرًا إلى المسيح. "أيّتها المرأة"، قال المسيح مشيرًا إلى أُمّه العذراء... فالعذراء مريم هي "المرأة"، كما أنّ المسيح هو "الإنسان".

 

تَعوّد الرّجل، عبرَ التاريخ، أن يُقْصي المرأة عن المواجهة، أن لا يرضى لها إلاّ بدور ثانويّ ومكانة ثانويّة. وهذا أمر غير طبيعيّ ومخالف للكتاب المقدّس وللتقليد المسيحيّ... فالكتاب المقدّس يشهد لمكانة المرأة كما ظهرت في حوّاء وأستير ويهوديت وديبوره ورفقا ومريم وغيرهنّ... والتقليد المسيحيّ يشهد أيضًا لتلك المكانة عندما يكرّم العذراء بلقب "السيّدة"، وعندما يكرّم أمثال بلانش أُمّ القدّيس لويس التاسع، وجانّ درك، ولويز دي مريّاك، وبرناديت سُوبيروس، وتيريز دافيلا، ومارينا بنت القلمون، ورفقا بنت حملايا، وغيرهنّ...

 

الإنسان ليس الرّجل فقط، ولا المرأة فقط. الإنسان، كما خلقه الله، رجل وامرأة، ذكر وأنثى، متجانسان ومتكاملان، بحيث لا غنى للواحد عن الآخر. فكما أنّه من المهمّ أن نعرف دور الرّجل من خلال المسيح، من المهمّ أيضًا أن نعرف دور المرأة من خلال العذراء مريم... فكيف تبدو مريم بالنسبة إلى دعوة المرأة؟

 

مريم هي البريئة من الخطيئة الأصليّة

 ما الخطيئة الأصليّة؟ إنّها الحرمان من النّعمة، والذي به يُحبَل بنا. هذا الحرمان يجعلنا ننكمش على ذواتنا، وننغلق على الله وإرادته. لسان حال الموسوم بالخطيئة الأصليّة: "مشيئتي أنا يا ربّ، لا مشيئتك أنت!" أو: "هذه مشيئتي يا ربّ. صادقٌ عليها!" مريم، منذ اللّحظة الأولى التي حُبل بها، كانت في حال النّعمة. فكانت منفتحة كلّيًّا على الله ومشيئته. وظلّت هكذا طوال حياتها، ولسان حالها: "مشيئتك يا ربّ، لا مشيئتي!".

تقدّمت يومًا فتاة من الكاهن وقالت: "أبتِ، أُريد أن أدخل الرّهبنة". قال "تريدين؟ ولكن، هل الله يريد؟ فانتبهي! إذهبي واسجدي للقربان وقولي: "يا ربّ، أنا تحت تصرّفك ورهن مشيئتك".

في الغد استلمت الفتاة رسالة من أحد الشبّان يقول فيها: "لن أمنعك من دخول الرّهبنة، لكنّي أُحب أن تعرفي أنّي كنت دائمًا أفكّر بك لبناء عائلة مسيحيّة..." فكانت الرّسالة إشارة من الله. قاومت الفتاة وعاندت مدّة ثلاثة أشهر... وفي النتيجة تزوّجت، وكانت عائلتها مثاليّة.

شابٌّ آخر كان يريد أن يصير كاهنًا. مانع أبوه ممانعة كلّيّة. تزوّج. وبعد أن أنجب أربعة أولاد، ثلاثة صبيان وبنت، مات... من الصبيان الثلاثة اثنان دخلا سلك الكهنوت، والبنت ترهّبت. كان الله يعرف ماذا يريد...

لا، ليس المهمّ أن يصنع المرء مشيئته الشخصيّة حتّى ولو باعتناق الحياة الرّهبانيّة أو الكهنوتيّة - هذا أنانيّة - المهمّ أن يضع مشيئة الله، حتّى لو كانت مؤلمة، فإنّها مشيئة أبٍ محبّ، وليس إلاّ المحبّ من يتقبَّل مشيئةً مؤلمة.

العذراء مريم التي حُبل بها بلا دنس، أي بدون طيّة (طعجة) الخطيئة الأصليّة، كانت مُحبّة إلى أقصى الحدود. لم تعرف يومًا ما هي الأنانيّة، أو الإنكماش على الذات، أو الفتور، بل العطاء، عطاءُ الذات باستمرار. لا، ولم تعرف يومًا الخطيئة، لا العرضيّة ولا المميتة، ولا محبّة الذات بأيّ شكلٍ من الأشكال. إنّها بريئة، بريئة، بريئة...

العذراء تقبّلت الرّوح القدس كلّيًّا منذ الحبل بها في أحشاء أُمّها... ونحن أيضًا نتقبّله في المعموديّة، ولكن في نفوس طَوَتْها (طَعَجَتْها) الخطيئة الأصليّة، وهذه "الطَعجة" تُقاوِم دائمًا فينا عمل الرّوح القدس. أمّا العذراء فلا "طَعْجة" في نفسها، ولا مُقاومة للرّوح القدس، بل تأهُّب مستمرّ للعمل بمشيئة الربّ ولو قاسية ومؤلمة: "أنا أَمَة الربّ، فلْيكن لي حسب قولك". هذا الشعار عملتْ به كلَّ أيّام حياتها، وفي أحلك السَّاعات، ساعةِ صَلبِ ابنها على الجلجلة.

"ما لها بالفضل؟".

متى كان الفضل مقياسُه شدّةُ المقاومة؟... نمتنع مثلاً عن شهوةٍ ما، على الرّغم من شدّة الرّغبة فيها. هل الفضل في مقاومة الرّغبة، أم في الدّافع إلى الإمتناع؟ أن نمتنع خوفًا من عقاب أو مرض أو فضيحة، شيء... وأن نمتنع محبّةً بالله، أو أمانةً لزوج أو زوجة أو إلتزام، شيء آخر... الفضل، كلّ الفضل، في المحبّة والأمانة.

هذا هو فضل العذراء. تقبّلتْ دائمًا مشيئة الآب - ولَكَم كانت مؤلمة أحيانًا - لأنّها كانت مُحبّة لله، وله أمينة، إلى أقصى الحدود.

فيا بريئة من الخطيئة الأصليّة، أيّتها المنفتحة كلّيًّا على الله، أيّتها الأمَة العاملة أبدًا بمشيئة الآب، صلّي لأجلنا، ولأجل جميع نساء العالم وفتياته، فيكنَّ على الأرض ظِلَّ العذراء مريم في النّقاء، والبراءة، والأمانة، والإنفتاح على الله.

 

مريم هي الكلّيّة الطهارة

لا نقول فيها إنّها طاهرة، أو كثيرة الطهارة، بل كلُّها طُهْرٌ، كلّيّة الطهارة.

ما هي الطهارة؟ نجد في القواميس العربيّة المعاني التالية: عكس النجاسة، التنزّه عن الأدناس، النّقاء... وفي القواميس الفرنسيّة العربيّة: الشيء الطاهر هو الخالص، الصّافي، الصِرف، البَحْث، القُحّ، النقي، الغير الممزوج، العريق، السّليم، البريء، النّاصع، البعيد عن الشُبُهات، العفيف، المنزَّه عن الشوائب، الغير الملوَّث.

الطهارة كلّ ذلك معًا... فالطاهر هو مَن هو، دون زيادة ولا نقصان: الخمرة الممزوجة ماءً هي خمرة غير صافية، غير نقيّة، غير طاهرة... إنسانٌ ابنٌ لله وابنٌ للشيطان هو إنسان مزيج، فهو غير طاهر... لهذا السّبب نستطيع القول إنّ الصّدق والأصالة والطهارة أسماء ثلاثة لمُسمَّى واحد... إن كنتُ غير صادق مع نفسي فأنا غير أصيل. وإن كنتُ غير أصيل فأنا غير طاهر. أنا مزوَّر ومزيَّف. والبضاعة المزيّفة أو الملوّثة غير مقبولة من أحد... فالإنسان الطاهر هو الذي يستولي عليه الرّوح القدس، فيتصرَّف كابنٍ لله...

هذا وإنَّ الذهب يصبح خالصًا، نقيًّا، طاهرًا، بعد امتحانه بالنّار... هكذا الإنسان: يصبح طاهرًا إذا امتُحِن بالنار، نارِ الحبّ التي تحرق الشوائب، كما تحرق النار خَبَثَ المعادن. وعندما نقول "حبّ"، لا نعني الشّهوة التي تأخذ وتلتهم، بل المحبّة التي تعطي وتحترم...

إذًا، كُنْ من أنت، بلا انتقاص ولا تزييف ولا تصنّع ولا تعقيد، تَكُنْ صافيًا وطاهرًا: أب؟ كن أبًا بكلّ معنى الكلمة... أمّ؟ أمّ... كاهن؟ كاهن... راهب؟ راهب... راهبة؟ راهبة... مسؤول؟ مسؤول، إلخ... هكذا كانت مريم دائمًا مَن هي: العذراء أُمّ المخلّص وأمَة الرّب، بلا انتقاص ولا تعقيد، بل بكلّ صدق وإخلاص وأصالة، فكانت كلّيّة النّقاء والصّفاء...

في أحد الأديرة راهبة معقّدة ومنكمشة على الذات. إسمها "نقيّة" (كْلير بالفرنسيّة). أخبرتِ الرّئيسةُ بأمرها المرشد الآتي لإلقاء محاضرة. وإذا بالمُحاضر يقول في سياق الكلام: "إن كان بينكنَّ مَن تُدعى "نقيّة" ولا تكون فعلاً نقيّة، أي صافية، شفّافة، منفتحة، صريحة وصادقة، فالأفضل أن تغيّر اسمها، أو تغيّر تصرّفها..." كانت النتيجة أنْ غيّرت تصرّفها...

وكان في الدّير طالبة، عمرها 22 سنة، تعتقد أنّ الكمال الرّهباني في أن تتمثّل بالرّاهبة العجوز أكبر الرّاهبات سنًّا... وإذا بها تُكرِه نفسها، تتصنّع، تتكلّف تصرُّف العجائز... فقال لها المرشد: "تصوَّري! أنتِ بنت العشرين تتصرّفين كما لو أنّك بنت ثمانين! هذا غير طبيعي. هذا إرهاق مُضْنٍ لا معنى له. أُنظري كيف صرتِ معقّدة، ملبّكة، متوتّرة، لا تضحكين للرغيف السّاخن... كوني إذن من أنتِ. كوني بنت عشرين، منفتحة، منشرحة، ضحوكًا... كوني صادقة مع نفسك. كوني نقيّة، صافية، طاهرة. وإلاّ أتاكِ يومٌ تتركين فيه الرّهبنة...".

عَمِلَتْ بنصيحته، فعادت الأمور إلى مجراها الطبيعيّ...

هذه هي أبعاد الطهارة: ليس فقط الإمتناع عن الدّنس، بل والتحلّي بالصّدق، والأصالة، والطَبَعيّة، والبساطة، والصّفاء، والبراءة، وسلامة الطويّة... ولَكَم هو في حاجة إلى هذه القيم عالم الرّجال، عالم الجهاد والكفاح والخشونة!...

المرأة النقيّة تُنقّي الجوّ كلّه حولها، وتَنهض به إلى العلاء. المرأة الفاسدة تُفسِد الجوّ كلّه حولها، وتشدّ به إلى أسفل، إلى السّفالة... لمّا، قديمًا، كانت المرأة "سيّدة" (سِتّ) بكلّ معنى الكلمة، كانت الأرض تُنبِت الكاتدرائيّات واللّوحات البديعة والسمفونيّات الرائعة. لمّا، قديمًا، لم يكن الشاعر يرى من حبيبته إلاّ الكاحل، كانت قريحته تنظّم فيها أجمل القصائد وأروعها... أين نحن اليوم من تلك الرّوائع الفنيّة والموسيقيّة والأدبيّة؟ فَسُدَتِ الأمور لمّا فقدت المرأة طُهرها، فجعلت من أُنوثتها، لا تكملةً للرّجل وإشراقةَ جمال، بل له مَصْيَدة ونَصْبُ شِراك ("وفهمكم كفاية")...

دور المرأة في المجتمع وتأثيرُها، أُوجِزُهما بالقول إنّ المرأة تُؤَنسِن الإنسان، أي تجعله إنسانًا حقًّا (إلحظوا كيف أنّ حضور فتاة مهذّبة يجبر الشبّان على التهذيب)... المرأة تحتضن الإنسان في أحشائها تسعة أشهر، وهي تحتضنه بحضورها مدى الحياة.

أحد القُسُس البروتستانت اهتدى إلى الكثلكة وصار كاهنًا بعد وفاة زوجته. يصرّح ويقول: "إنْ كان لي دين، إن صرتُ كاهنًا، فالفضل كلُّ الفضل لزوجتي. كنت قِسّيسًا ضعيف الرّوحانيّة. هي زوجتي قد علّمتني الحياة الرّوحيّة. كلّ ما فيّ من قِيَم روحيّة، أنا مَدينٌ به لزوجتي"...

حبّذا لو أنّنا نسمع كلامًا مثل هذا يقول: "إن كان لي دين، إن صرتُ مسيحيًّا ملتزمًا، إن نبذت السُّكر والعربدة والقمار، فالفضل كلّ الفضل للمرأة الفلانيّة، للراهبة الفلانيّة... كنت مسيحيًّا ضعيفًا. فهي تلك المرأة، تلك الرّاهبة، من علّمني الحياة الرّوحيّة..." من لها أُذُنان سامعتان، فلتسمع!

 

يا أُمًّا طاهرة، صلّي لأجلنا!

 

"في خدمة البشارة"

جميل نعمةالله السّقلاويّ

مرسل لعازريّ

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية