مريم النموذج الحقيقي للحياة البشريّة - الإلهيّة

 

 

 

 

مريم النموذج الحقيقي للحياة البشريّة - الإلهيّة

 

 

مريم النموذج الحقيقي للحياة البشريّة - الإلهيّة

لمعرفة الإنسان من منطلق إلهي، علينا أن نتأمّل في المكانة الأولى دعوته. لأنّ الإنسان خلق كي يقوم بدور هامّ في قصّة الخلاص، وبالحري مريم العذراء التي قبلت أن تشترك في خلاص العالم بطريقة مباشرة بقبولها وقولها نعم للربّ. لذلك نجد العديد والعديد من علماء اللاهوت المريمي يطلقون عليها صفة أمّ الإله، هذه الصفة لم ينعم الله على أحد آخر بحملها سوى مريم العذراء. لأنّ إذا كان الله قد اختار مريم العذراء لتكون أمًّا للمسيح، لأنّها بلا خطيئة، لأنّ الله سبق واختارها لتصبح أمًّا له؟ وكي نتعمّق في سرّ العذراء مريم بطريقة أفضل، علينا أن نتأمّل جيّدًا تجسّد إبن الله الكلمة الأزليّة.

 

إنّ سرّ التجسّد يظهر لنا أعظم عمل إلهي من أجل البشريّة، وفي تاريخ البشريّة، إنّه حدث فريد من نوعه لم يتكرّر ولن يتكرّر. لمّا جاء ملء الزمان، في مركز تاريخ البشريّة، أيّ في أهمّ اللّحظات التاريخيّة التي مرّت بها البشريّة عبر القرون الطويلة التي مرّ بها العالم، نجد عمل الأشخاص الثلاثة الإلهيّة يبدأ بوضوح في وسط البشريّة ومن أجل البشريّة. ففي التأمّلات الرّوحيّة لرياضة القدّيس إغناطيوس دي لويولا، يوجد بها تأمّل يدور محوره على هذا الإختيار الإلهيّ بأن يقبل ويتجسّد في العالم، ومحور هذا التأمّل قائم على التخيّل للحوار والمناقشة الكائنين بين أقانيم الثالوث القدّوس بخصوص هذا الموضوع الهامّ للغاية، والذي غيّر وجه البشريّة والعالم. وبعد حوار طويل يتّفقون معًا وينطقون قائلين: "لنعمل على خلاص الإنسان". الآب الأزلي يلد ابنه وكلمته الأزليّة، ويرسلها للعالم معطيًا إيّاها شكلاً جسديًّا، كي يماثل ويشابه البشر. الإبن يقبل هذا الإختيار وهذه الإرساليّة للعالم بقوّة الرّوح القدس. لقد حبل بيسوع المسيح عن طريق الرّوح القدس، لذلك هو قدّوس الله الكامل والذي بلا عيب ولا دنس، والذي من خلال تجسّده قد تقدّس العالم كلّه. إنّ سرّ التجسّد قد قلب نظام الطبيعة المتعارف عليها، لأنّه بميلاد أيّ إنسان عادي يبدأ بالجسد في المقام الأوّل، ثمّ بعد ذلك مع مرور الوقت تبدأ نشاطات النّفس والرّوح. لكن بتجسّد المسيح الخطوة الأولى والعمل الأوّل كان للرّوح الذي قبل أن يصير إنسانًا، وبهذا يتّضح لنا بموافقة الإبن الحرّة على اختياره في أن يكون إنسانًا.

 

إنّ كلّ ما سبق وذكرته قد أعطي من خلال مريم العذراء، من أجل جميع البشر. وهناك مقطع صلاة في الطقس البيزنطي خاصّ بعيد الميلاد يقول: "ماذا يمكننا أن نقدّم لك أيّها المسيح، لأنّك تولد على أرضنا كإنسان عادي! لأنّ كلاًّ منّا موجود بسبب عملك المحول في حياته. ففي الحقيقة نأتي إليك مع أنشودة الملائكة، التي ملأت السّماء والأرض، والمجوس وتقدماتهم لك، إعجاب الرّعاة، حدث المغارة العظيم، بل حدث الأرض كلّها، الصحراء والجبال. نحن البشر لا نملك شيئًا نقدّمه لك سوى أمّنا مريم العذراء، أمّ البشريّة جمعا".

 

عندما تبدو رغبة الوالدين في أن يكون لهما طفل، يجب على الأم أن تعبّر عن مواقفها بإرادتها الحرّة، لأنّها هي التي تعطيه وجوده. كذلك مريم العذراء أعطت وعبرت عن رغبتها بقبولها في ميلاد المسيح، وبذلك عبرت عن رغبة كلّ البشريّة جمعا، وبهذا اتّحدت الرغبة البشريّة بالرغبة الإلهيّة الأزليّة. لذلك نجد نسطور لم يقبل هذا وقال: "إنّ مريم ليست أمًّا لله، لكنّها فقط أمّ يسوع الإنسان، ولكن الله اتّخذها كهيكل ليسكن فيه فقط". قد أدينت هذه التعاليم التي نادى بها نسطور في مجمع أفسس، وأوضح هذا المجمع أنّ شخص المسيح واحد، الطبيعة الإلهيّة/ البشريّة متّحدتان معًا، كذلك مريم أمّ ليسوع الإلهيّ والبشريّ، المسيح من لدن الآب، ومريم من خلائقه.

 

ففي هذه الحالة نجد الرَّغبة السمائيّة الإلهيّة تأتي عن طريق الله الآب، والرغبة البشريّة الحرّة عن طريق مريم العذراء، وهاتان الرَّغبتان تتّحدان تمامًا في إتمام رغبة واحدة وهي خلاص البشريّة. إذًا مريم اشتركت حقًّا برغبتها هذه في حياة الثالوث القدّوس، لأنّه من خلالها دخل الله الآب إلى العالم عن طريق ابنه الوحيد، والرّوح القدس حلّ عليها، وامتلأت نفسها بالنعمة، بل وجسدها أيضًا، وتحوّل عمل أعضائها الطبيعة إلى عمل مقدّس، وبهذا استطاعت حقًّا أن تكون مشتركة في إنجاب قدّوس الله وابنه الوحيد في صورة جسد بشريّ.

 

نذكر هنا في هذا المجال ما قد ذكره اللاهوتي الرّوسي سيرجي بولجاكوف، الذي يقول: "إنّ ولادة الله الإله/ الإنسان من مريم العذراء طبيعيّ، لكنّنا نراها كمعجزة المعجزات"، وهذا حقًّا وبدون جدال أنّها معجزة المعجزات، لأنّه إذا كانت شخصيّة بشريّة مثل العذراء مريم استطاعت أن تحمل إلى أرضنا الله الأزلي الذي انتظرته البشريّة منذ بدايتها، فبالحقيقة ينطبق على مريم لقب نهر النعمة الإلهيّة المتدفّق علينا وبيننا. ومن ناحية أخرى، احترام الله طبيعتنا البشريّة، وأعطانا القدرة على تأليهها، لأنّه قد اشترك في طبيعتنا ودعانا للإشتراك في طبيعته. فمريم العذراء استطاعت حقًّا أن تصل إلى هذه الدرجة العظمى السّامية، استطاعت أن تكون مشاركة لله في طبيعته، وعمله الإلهي على هذه الأرض. لذلك حاول العديد من اللاهوتيّين أن يطلقوا لقبًا شاملاً يجتمعون فيه صفات مريم العذراء، لكنّهم أعطوها هذه الألقاب المختلفة كلّ منهم حسب وجهة نظره الخاصة، فمثلاً لقِّبَت بـ المحرّرة، الممتلئة نعمة، أمّ الله، كلّيّة القداسة، المشتركة في عمل الثالوث القدّوس من أجل خلاص البشريّة، والعالم.

 

كيف يمكننا أن نحيا سرّ مريم العذراء في الأشخاص الآخرين؟

إنّ كلّ امرأة تلد أبناء على هذه الأرض، مثلما فعل الله الآب في السماء وولد ابنه الوحيد. يتّخذ الأبناء حياتهم من الأمّ من خلال اتّحادهم الداخلي حتى يوم الميلاد، لكن هنا أودّ أن أوضح أنّ اتّحاد الآب بالإبن منذ البداية، وسيظلّ دائمًا دون تغيير ولا انفصال. ففي عالمنا أنّه من الطبيعي جدًّا انفصال الأبناء عن والديهم عندما  يبلغون سنّ الإعتماد على الذات، وينفصلون عنهم وهذا أمر طبيعي. ولكنّ المشكلة تكمن في الألم الذي يصيب السّماء يوضح لنا علاقة الأمومة الحقيقة مع أولادها، وفي هذه المرّة تدخل في علاقة قويّة مع أفراد الثالوث القدّوس. لأنّ العلاقة القائمة بين أم وأولادها، تخدم في طابعها الأوّل كلّ الحياة البشريّة. استطاعت مريم حقًّا إقامة هذه العلاقة واشتركت في الحياة غير الفانية، بل في حياة الثالوث القدّوس، الآب والإبن، والرّوح القدس.

 

                                                          الأب توماس شيبدلك اليسوعي

 

 

macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية