مريم، الوجه المتألّق بالحُبِّ السماويّ

 

 

مريم، الوجه المتألّق بالحُبِّ السماويّ

 

 

مريم، حوّاء الجديدة

وفي ملء الزّمن أرسل الله ملاك قدرته، جبرائيل، إلى الناصرة، إلى تلك الفتاة المنسيّة في عالم البطش والتسلّط، في عالم العقم وأوراق الأشجار الزاهية، وكأنَّ الله خلق الأشجار لتكون عقيمة بلا ثمر! هل صفاتها صفات الأشجار أم صفات النباتات والأزهار التي تذبل وتُطرح في التنور! أليست الأشجار هي البشر المدعوّون عبر ثمارهم إلى أن يثبتوا إلى الأبد؟ فما يمتّع النظر ولا يعطي حياة يذبل بسرعة ويُلقى في النار، في التنّور ليحترق، ولا يبقى! إنّها أعشاب الحقل التي يعبر فوقها الإنسان في طريقه إلى الملكوت، ينفض عنه غبار انتمائه النباتيّ ويسير عبر انتمائه الغرائِزيّ، كالشجرة التي ليس فيها سوى الورق، ليصل إلى انتمائه الإنسانيّ الذي يعطي ثمارًا تبقى إلى الأبد. أليس هذا ما كان ينشده يسوع!

 

لم تكن مريم لا من فئة النباتات ولا من فئة الأشجار المورقة، بل شجرة لا تعرف العقم، لأنّها "ممتلئة نعمة"، ممتلئة بالله معطي الحياة! لأنَّ الربَّ معها! في ظاهر عقمها البشريّ، إذ بقيت عذراء، كان خصبها منقطع النظير، حين صارت أمّ الله! هي لم تكن من سلالة آدم وحوّاء الخاطئين، بل من يد الله خرجت لتكون حسنة جدًّا ببهائها وحفاظها على هذا البهاء بأمانة مطلقة! حوّاء القديمة كانت قد فقدت روعة خلق الله لها حين سلّمت نفسها لانتمائها النباتيّ حيثُ أُخِذَتْ بطعم شجرة معرفة الخير والشرّ عبر الخيال المخادع حين رأتها طيّبة للأكل، ولانتمائها الغرائزيّ حيثُ أُخِذَتْ بشهوتها للنظر، وانتهت بأن أخضعت البعد الإنسانيّ، عبر الخيال الكاذب، لهذين البعدين حين باتت "منية للعقل"، وأهملت شجرة الحياة، لكي لا يكون لها منها حياة روحيَّة متدفِّقة من حبِّ الله كما كان حال مريم!.

 

تدخّل الله مباشرةً في خلق مريم كما فعل بالنسبة إلى حوّاء الأولى، وقد أخذها من آدم الجديد، المسيح الإله الذي بات معها يسوع الإنسان. خلقها من كلمته، لتعطيه جسدًا، أي الطبيعة البشريّة، ليستقبل هذا الجسد لاهوته في عالم الخليقة! وامتازت مريم بالطاعة والأمانة والطواعيّة لكلمة الله ومشيئته. ميّزها الله في الخليقة لأنّه أراد أن يعرض عليها مشاركته في أهمِّ مشروع بتاريخ البشريّة: أن تكون أمّ ابنه الوحيد والحبيب!.

 

 

مريم أمّ الله!

لمّا أرسلَ اللهُ الملاكَ جبرائيل إلى مريم، لم تكن مريم مستسلمة من دون تمييز! بل اضطربت لسلام الملاك الغريب وسألته: ما عسى أن يكون هذا السّلام!!! فشرح لها بأنّها ستلد ابنًا وتسمِّيه يسوع! فارتبكت لأنّها كانت قد قرّرت مع يوسف خطيبها أن ينذرا بتوليّتهما لله مع كونهما تحت سقف واحد! فهي لا تنوي القيام بعلاقة مع رجل: "كيف يكون هذا وأنا لا أعرف رجلاً!" قالت مريم للملاك بدهشة! ألا يعرف الله هذا الأمر!!! شرح لها الملاك بأنّها سوف لن تعرف رجلاً، وقرارها هي ويوسف يحترمه الله ويأخذ به. ولكن هنالك ما لا يدركه البشر سيحصل. فالمولود منها هو ابن الله، والرّوح القدس يحلّ عليها. وبتدبير إلهيّ خاص يتمّ هذا! هل تقبل مريم بتدبير الله لتصبح عذريّتها خصبة خصوبة مغايرة لما يدركه البشر؟ أم تخاف من المشروع وتراعي ماذا يمكن أن يقول يوسف! وماذا يقول الناس! هل تقبل بأن تبقى أسيرة التقاليد والنظرة البشريّة والاجتماعيّة لتأسرَ نفسها فيها وتغضَّ النظر عن مشروع الله الذي يمكن أن يسبّب لها مشاكل لا ترى كيف تخرج منها بمنطقها البشري! والكثير من الغَوص في تساؤلات مشروعة بمفهوم البشر الحذقين!

 

أمَّا مريم فكانت قد تحرّرت من كلِّ القيود التي تغطّي وجه الله وتخفت صوته! لقد اجتاحها حبّ محرّر يكسر كلّ القيود، وقد حرّرها من ذاتها ومن الشريعة ومن المجتمع ومن كلِّ التقاليد لتبقى هويّتها كلمة الله، وحبّه اللاموصوف! إنَّ ثقتها بالله لا تعرف حدًّا ولا تساؤلاً أو تردّدًا! لمّا أخبرها الملاك بفحوى الرسالة التي أرسله الله لأجلها، تبنّتها بحريَّة لا تعرف الحدّ، وطرحت عنها كلَّ الاحتمالات الأخرى، وهتفت في وجه نفسها ومخاوفها ويوسف والمجتمع والتقاليد والمنطق وكلّ شيء وقالت: "ها أنا أمَة الربّ! فليكن لي  بحسب قولك!" وغمرها الرّوح القدس بحبٍّ إلهيّ يفوق الإدراك والوصف! وبلحظة أبديَّة أصبحت مريم أمّ الله! من يستطيع أن يكون بهذه القوّة التي تفوق مفهوم الإنسان إلّا من اجتاحه الله بكلِّ كيانه وحرّره! هل تردّدت مريم؟

 

 

مريم الإنسانة المتألّقة في حبِّ الله

مريم عاشقة الله! أوَّل ما بادرها الملاك جبرائيل من قبل الله، بادرها بسلام اختصر كلّ مشروع الله! اختصر كلَّ شيء: "السلامُ عليكِ يا ممتلئة نعمة، الربُّ معكِ!" النعمة ("خاريس" باليونانيّة)، تعني الفرح والسلام، تعني أن يعطي ذاته. فالممتلئة نعمة هي الممتلئة بالله الذي أعطاها ذاته وطابقت إرادتها مع مشيئته، فسكنتها مشيئته وبات هو الحيّ فيها! مريم "ممتلئة نعمة!" وحده الله الحيّ فيها. "الربّ معك"، يقول لها الملاك! هنالك حبّ سماويّ عاصف في مريم بمبادرة الله الذي هو معها. إنّه معها لأنّها فتحت كلّ أبوابها الداخليَّة أمامه! هي ممتلئة نعمة، لأنَّ لا شيء فيها سوى الله! تمنيّات الله فيها هي شغفها وشوقها، وتحقيق إرادته هو ما تبحث عنه في كلِّ ما تحياه!

 

إنّها ممتلئة نعمة! لا شيء فيها إلّا حبّ الله الذي يتدفّق عليها من الداخل ومن الخارج. لقد اجتاحها حبّ الله بصورة لا يمكن تصوّرها! إنّها تحت نظر الله المباشر، ونظرها متّجه بصورة مستديمة ومطلقة صوب الله! إنّه شغلها الشاغل! وهمّها الدّائم أن تكون له وتبقى معه ليملأ وحده حياتها. مريم هي الإنسان المستدير صوب السماء بصورة مطلقة. فهي لا تريد أن تأكلَ إلّا من شجرة الحياة! لا همَّ لها ولا شغل يشغلها سوى العمل بمشيئته! إنّها تحبّه! لقد خطفها من ذاتها وباتت بكلّيتها له وهو حبّها الذي لا يمكن لشيء أن يشغلها عنه! لقد تألّق بهاء الله فيها! فتألّقت بهيّة في حبِّها له وفي اتّحادها به! إنّه معها وهي تحيا فيه وحده! بات الله في أحشائِها تسعة أشهر!!! هل للإنسان دور في حبّها لله؟ أيستطيع من يحبّ الله أن ينسى الإنسان؟ أيمكن أن نحبَّ الله ولا نحبَّ الإنسان؟ ما كان اختبار مريم؟

 

 

مريم أمّ الله المتألقة في حبِّ الإنسان

ما إن عرفت أنّها أمّ الله، وأنَّ أليصابات العاقر حامل حتى هرعت إلى خدمتها حاملة لها الرُّوح القدس! لا تعرف مريم عيش الخيال، بل هي متجذّرة في الحقيقة والحياة! إنَّ محبَّة الله بالنسبة إليها حياة تعيشها في واقع حياتها العمليّ. هي تعشق الله في كلِّ ما تحياه! حملت بيسوع ابن الله، فلا تستطيع إلّا أن تحمله إلى العالم! إليصابات بحاجة لخدمة! فقامت وجدّت مسرعة إلى عين كارم لتخدم نسيبتها الطاعنة في السنّ في حملها! ما إن وصلت إليها ووقع سلامها عليها حتى حلَّ الرُّوح القدس على المرأة العاقر وارتكض الجنين في أحشائها من البهجة والفرح! التقى يسوع ويوحنّا وكلّ منهما في بطن أمّه! مريم تعيش فرحة الحياة مع الله! وراحت المرأتان تسبِّحان الله وتمجِّدانه معًا! بات الله موضوع حديثهما! كشف الله للمرأة الطاعنة بالسنّ سرّ مريم وسرّ أمومتها لله: "من أين لي هذا أن تأتي إليَّ أمُّ ربِّي!" وعاشت المرأتان في القداسة والفرح وغمرة الحبّ الإلهيّ ونِعَم السماء!

 

وعلى أقدام الصّليب كانت مريم في أحرج الأوقات من أمومتها ليسوع! ابنها وابن الله، على صليب العار! يحتضر تحت نظرها! هي تقدّمه للآب! ومع يسوع بالذات، تقدّمه للبشر بشخص التلميذ الحبيب! فيسوع عن الصليب ينظّم كلّ شيء! هو يعرف أن لا شيء يمشي ويستمرّ من دون تنظيم! لذا قال لمريم: "هذا ابنك!" ومن خلال هذا التلميذ الحبيب بات كلّ البشر مشروع أن يكونوا "التلميذ الحبيب" ليسوع وأولاد مريم! وقال يسوع لهذا التلميذ: "هذه أمّك!" وباتت مريم أمّ البشريّة قاطبة!

 

لقد جسّدت مريم حبّها لله في محبّتها لكلِّ البشر! لأنّها تحبّهم تُقدِّمُ لهم يسوع، وتأتي بهم إلى يسوع الفادي والمخلّص. هي تعيش ما قاله يوحنّا في رسالته الأولى: "من يحبُّ الله فليُحبّ أخاه أيضًا!" (1يو 4/ 21). هذا ما تعيشه مريم بين يديّ يسوع وهو على الصليب. والتلميذ الحبيب قد أخذها إلى بيته! أليس هذا التلميذ الحبيب الذي لا اسم له في إنجيل يوحنّا هو كلّ إنسان تتلمذ ليسوع على يد مريم! أليس كلّ واحد منّا مدعوّ إلى أن يكون هذا التلميذ الأمين والغيور على خلاص أخواته وإخوته كلّ البشر بأن يشهد بينهم عن حبّه ليسوع! هذا الحبّ الذي دفعه، بالتأمّل والصلاة والمناجاة والغيرة على خلاص العالم به، لأن يصبح شبيهًا بيسوع وشاهدًا له!

 

ما أروعكِ يا مريم ملكة السماوات والأرض، أوّل تلميذة في مدرسة يسوع! ولكن هل نتركها التلميذة الوحيدة ليسوع أم ننضمّ إليها!!! هيّا نأخذ بيدها طيلة هذا الشهر المكرّس لها لننمو في حبِّ الله ومحبّة إخوتنا كلّ البشر شهودًا لحبّ الله الهادف إلى خلاص العالم قاطبة!

 

 

خلاصة

مريم هي الوجه البشريّ النّموذجيّ الذي خلق الله بموجبه الإنسان الأول على صورته كمثاله! إنّها بكمال صفاتها الوجه الوحيد الذي من خلاله ندرك كيف خلق الله الإنسان الأوّل في البرارة والقداسة على صورته كمثاله ليكون نموذج الإنسان الموصوم بالنقاء والسّلام وصفاء الحبّ وتألّقه، أي يحيا القداسة بمجرّد انتمائه إلى الله، ومع يسوع، بعماده وعيشه حقيقة هذا العماد! إنّها صورة الإنسان المستدير صوب السّماء ومن خلال حبّه الفائق لله يستدير صوب الإنسان ليحبّه من خلال حبّ الله له! هي أمّ الله وأمّ البشر، تقدّم الله لنا وتقودنا إلى الله! إرادتها صورة لمشيئة الله بصفاء علاقتها بباريها وبالبشريّة والخليقة! حين يقول لنا يسوع: "كونوا أنتم كاملين كما أنّ أباكم السّماويّ كامل!" (متى 5/ 48). هذه الصّورة هي تلك التي عليها خلق الله الإنسان الأوّل، والتي نراها في مريم الممتلئة نعمة!

 

لنتأمّل يسوع الإنسان لكي نفهم من هي مريم! هي أعطت يسوع جسدًا من جسدها الذي خلقها الله في نقائه المُطلق، هي الممتلئة النعمة، وأخذ منها الطبيعة البشريّة التي اجتمعت في شخصه مع الطبيعة الإلهيّة، وبهذا الشخص الفريد في تاريخنا أنجز خلاصنا. فيسوع الإنسان هو دائمًا ابن مريم! فشخصه المكوَّن من الطبيعتين هو إله وإنسان إلى الأبد! فمريم هي مصدر الطبيعة البشريّة فيه إلى الأبد! لذا لا يمكن فصل مريم عن يسوع الإنسان ولا يسوع  عن مريم! إنّه لسرٌّ عظيم!

 

طوبى لنا إن كنّا أبناء أوفياء لله على شبه مريم أمّنا! هل نعمل على أن نكون مطواعين بين يديّ الله كما كانت مريم؟ هل نتشبّه بها بحبّها لله ومحبّتها للبشر؟

 

لنعمل على أن نكون مثل يسوع تفتخر بنا مريم أمام الله وأمام البشر، ومطواعين لمشيئة الله كما كانت أمّنا! أيّ فخر لنا أن تكون مريم أمّنا!.

 

المطران الياس سليمان

 

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية