مريم عروس الرّوح

مريم عروس الرّوح

 

 

                                                              

مريم عروس الرّوح

مريم العروس في سرّ المسيح والرّوح

يعلن إيمان الكنيسة أنّ مريم هي العذراء والأُمّ، الخليقة التي فيها اتّحد الله بالإنسان، في عهد يجمع الله والبشر، الأرض والسّماء. يبدو هذا الأمر جليًّا في شهادة العهد الجديد، وفي تفكير الإيمان، اللّذين يظهران تحقيق العهد الموعود به والمنتظر في مريم. لهذا يسمّي تقليد الكنيسة مريم "عروس الرّوح"، وهو لقب يعبِّر عن غنى سرّ الإختيار والنّعمة المحقِّق فيها. فالعذراء هي بامتياز العروس المحبوبة من العريس، وما تمّ فيها يحقّق ما اعترف به إيمان إسرائيل في صورة العهد الزواجي (مثلاً في أش 62/ 4؛ هو 2/ 20 - 22).

يضع لقب "عروس الرّوح" مريم في صلب سرّ العهد، مظهرًا فيها عمل الرّوح الذي هو رباط الحبّ بين الآب والإبن. في صورة العروس هذه، تتركّز العطيّة التي قبلتها العذراء وحقّقتها الأُمّ. فالسَّماء تنزل على الأرض، وتضع فيها جذورها، فيما تتذوَّق الأرض حاضر الله، المعطى لها.

 

الصّورة التي تظهر في السرّ الزواجيّ، الذي تكون مريم مكانه والشّاهدة عليه، هي صورة إله العهد. فهذا الإله ليس إلهًا غريبًا ومتعاليًا على التاريخ، بل هو الله الذي صار قريبًا، في قلب الحياة البشريّة، ليقدِّم لها الخلاص في حبِّه الخلاّق والمفتدي. إنّه "الله معنا" (متّى 1/ 23) بالمعنى القويّ للكلمة. حبّ الله الآب هذا هو مصدر كلّ شيء، وبداية العهد الجذريّة، وينبوع الحياة والكيان الصّافي. أمام هذا الحبّ، وضعت العذراء نفسها في موقف قبول جذريّ. فإله البداية هو أيضًا الإله الذي بتجسُّده مكَّن البشر من قبول عطيّة حبّه، التي حجبتها الخطيئة عنهم.

علاقة الحبّ هذه هي الرّوح القدس. في الرّوح، يتحقّق فعلاً سرّ العهد كلقاء وعطاء متبادل. إنّه هو من يظلِّل مريم (لو 1/ 35)، ويجمعها بالآب والإبن في عطيّة الحبّ. في الرّوح القدس، يخرج الله من ذاته، ويعطي ذاته. الرّوح هو الذي، في التجسُّد والعنصرة، يجعل الإبن حاضرًا في التاريخ البشريّ، ويجمعه مع الآب في حوار حبّ لا متناهي، مشركًا البشر فيه.

 

إذًا يرى تقليد الكنيسة في الرّوح القدس سرًّا زواجيًّا. فيعترف به رباط حبّ أزليّ بين الآب والإبن، رباطـًا يجمع الآب والإبن المتجسِّد بالبشريّة من خلال مريم. هناك علاقة خاصّة بين مريم، العروس في العرس المسيحانيّ بين الله وشعبه، والرّوح القدس، المفاض عليها كما على شعب الله الجديد (لو 1/ 35؛ أع 2/ 1 - 4) ليحقّق العهد الجديد والأبديّ، المتمّم بدم المسيح (متّى 26/ 28؛ مر 14/ 24؛ لو 22/ 20؛ 1 قور 11/ 25).

حضور الرّوح هذا في مريم، يتمّ بحريّة وحبّ، باختيار ودعوة واستجابة. فالرّوح يجعل منها العروس الفضلى (نش 4/ مثلاً). في الرّوح، تتّحد مريم مع الآب والإبن، وتصبح تابوت العهد الذي يوحِّد السَّماء بالأرض.

 

عروس في الرّوح، تبرز العذراء عمل هذا الأقنوم الإلهيّ كخاتم محبّة إلهيّة، وكإعطاء لله لذاته للبشر، ليقيم معهم عهد الخلاص الأبديّ. في الرّوح، تضحّي البتول المكان المتواضع للقاء الله بالبشر، ومسكن عهده المقدَّس، والدة الإبن وابنة الآب المحبوبة. فهي، كما يقول المجمع الفاتيكاني الثاني، "هيكل الرّوح القدس" (دستور عقائديّ "في الكنيسة"، عدد 53). لقد أصبحت العذراء مسكنًا دائمًا لروح الله، منه ينبع ملء النّعمة، وغزارة العطايا الإلهيّة.

لقد عاشت مريم هذه العلاقة المميَّزة مع الرّوح في مسيرتها الإيمانيّة خلال حياتها الأرضيّة، وفيها تجلّى عمل الرّوح في قداستها الشخصيّة، وفي مجدها في السّماء، علامة مسبقة للمجد الموعود به للبشر المخلّصين.

 

قداسة مريم ثمرة الرّوح القدس

قداسة مريم هي التبادل الصّافي المتحقِّق فيها بين العطيّة والقبول، وبين النّعمة والإيمان، وبين الإلهيّ والبشريّ. يسمِّي التقليد الكنسيّ مريم "الكليّة القداسة"، لأنّها الخليقة الخالية من كلّ شائبة للخطيئة، وذلك بعمل الرّوح القدس، الذي جعل منها خليقة جديدة (دستور عقائديّ "في الكنيسة"، عدد 56). في مريم، عمل روح القداسة بطريقة مميَّزة ومثاليّة منذ إختيارها في البشارة، وفي كامل حياتها الأرضيّة، حتّى كمالها في السَّماء. عن عمل الرّوح القدس المميَّز هذا في مريم يقول التعليم المسيحيّ للكنيسة الكاثوليكيّة: "إنّ الرّوح القدس عجنها وكوّنها خليقة جديدة".

 

على هذه القداسة المقبولة كعطيّة من الرّوح، أجابت مريم في قداسة شخصيّة. هذا ما يعلّمنا إيّاه الكتاب المقدّس، الذي يرى في مريم صورة التلميذ المثال، والمؤمن الواثق بالله، والمستسلم له. مريم هي "الممتلئة نعمة" (لو 1/ 28)، تلك التي قبلت عطيّة وشرفًا عظيمين. لكنّ العذراء عاشت هذه العطيّة في حياتها الأرضيّة. فقداسة العروس هي اللّقاء بين "نعم" الله و"نعمها" الحرّة، والمتواضعة، والمؤمنة، والمترجيّة، والمحبّة، لقاء يتمّ في الرّوح القدس، ويظهر التوافق بين عمل الله الخالق وجواب الخليقة. في هذا المعنى، يقول يوحنّا بولس الثاني في رسالته العامّة "أُمّ الفادي" بمناسبة السّنة المريميّة (1986): "لقد سبق الرّوح القدس وحلّ فيها، فأضحت عروسته الأمينة، يوم البشارة، وقد إقتبلت كلمة الله الحقّ، وقدّمت لله الذي أوحى، عقلها وإرادتها في رضوخ حرّ لهذا الوحي، بل استسلمت لله بكيانها كلّه في طاعة الإيمان".

 

لقد أضحت مريم الأيقونة الصّافية لذلك القدّوس والمقدّس، وذلك في استسلامها لحبّ الله، وطاعتها العميقة، وسماعها المتأمّل، وإيمانها الثابت حتّى الصّليب.

إلى ذلك، يظهر إنتقال مريم بالنّفس والجسد إلى السَّماء كثمرة هذه القداسة المتحقّقة، أي كثمرة عمل الرّوح القدس، الذي قبلته بمطواعيّة الحبّ. إنّه بالرّوح القدس إنتقلت العذراء إلى السَّماء، علامة مسبقة لاكتمال العهد النهائيّ للمختارين.

في عمل الرّوح، تكتمل حياة أُمّ الله. فالتي حُبل بها بلا دنس بواسطة النّعمة، بالنّظر إلى إستحقاقات المسيح، هي أيضًا المنتقلة إلى السّماء، بعمل الرّوح عينه. في مصير العذراء الشخصيّ، يتحقّق ما وعد به الله في عهده المقدّس.

 

مريم مثال الكنيسة العروس

في دستوره حول "اللّيتورجيا المقدّسة"، يقول المجمع الفاتيكاني الثاني: "(في مريم) ترى الكنيسة بإعجاب وإعظام ثمرة الفداء السّامية، وتتأمّل بغبطة، كما في صورة نقيّة جدًّا، ما تشتهي وتأمل أن تحقّقه في كامل ذاتها"؛ ويضيف في دستور "نور الأُمم": "غير أنّ أُمّ يسوع، كما أنّها الآن في السّماء، حيث هي ممجّدة جسدًا وروحًا تمثّل وتبدأ الكنيسة في اكتمالها في الدّهر الآتي، كذلك هي على الأرض، إلى أن يأتي يوم الربّ تشعّ الآن آية ليقين الرّجاء والتعزية أمام شعب الله في سفره".

 

مريم هي إذًا صورة الكنيسة العروس ومثالها. فمثلما أنّ العذراء هي تابوت العهد المحقّق بالرّوح، كذلك الكنيسة هي "عروس الحمل" (رؤ 2/ 9) بالرّوح عينه: "يقول الرّوح والعروس تعال" (رؤ 22/ 17). يقول البابا لاون الكبير: "من الرّوح عينه الذي منه يولد المسيح في أحشاء الأُمّ النقيّة، يولد أيضًا المسيحيّ في حشى الكنيسة المقدّسة" (العظة 29: 1). على مثال مريم، تلد الكنيسة وهي عذراء جُعلت حاملاً ليس من إنسان، بل من الرّوح القدس، وهي أيضًا هيكل الرّوح القدّوس، الذي "يسجد له ويمجَّد مع الآب والإبن" (قانون إيمان نيقية).

 

قبول العذراء التامّ لعمل الرّوح، الذي به أصبحت والدة الإله، يجعل منها نموذجًا لما هي مدعوّة أن تكونه: تابوت عهد، وعروسًا جميلة، "لا دنس فيها ولا تغضنّ" (أف 5/ 27)، "شعب مجتمع في وحدة الآب والإبن والرّوح القدس" (القدّيس قبريانوس). صورة الكنيسة وباكورتها، مريم هي أيضًا "علامة الرّجاء والتعزية": فيها تمّ مسبقًا ما لا يزال موضوع إيمان وانتظار ورجاء عند شعب الله. في العذراء القائمة مع المسيح، تحقّق الكنيسة، السَّائرة نحو المجيء، كمال سرّها. في هذا العنصر الأوّل، الذي لا ينفكّ يستبقها، تبلغ الكنيسة غايتها وراحتها وكمالها، وهي تعلم جيّدًا أنّه بقبولها الرّوح المعطى بغزارة من المسيح القائم من الموت، هي تنحو نحو كمال ما لا يزال في داخلها بداية، وما تتأمّل به متحقّقًا في مريم، صورة وهيكل الرّوح القدس.

 

من مريم تتعلّم الكنيسة أيضًا أن تنحو نحو القداسة. فلقداسة الكنيسة الميزات عينها التي لقداسة البتول: عطيّة والتزام، دعوة فعّالة وحياة في الأمانة. يقول المجمع: "والكنيسة إذ تختلي بتقوى في التأمّل في مريم، على ضوء الكلمة الذي صار إنسانًا، تلج باحترام وإمعان في أغوار سرّ التجسُّد العظيم، وتتمثَّل أكثر فأكثر بعريسها" (دستور "في الكنيسة" عدد 65). مريم هي مدرسة قداسة للكنيسة لأنّها، في شهادتها للرّوح الذي ملأها، تقودها إلى المسيح، الوسيط الوحيد والكامل بين الله والإنسان. قداسة الكنيسة هي عطيّة الرّوح القدس والمقدَّس وعمله، نعمة آتية من العلاء. على قداسة الكنيسة هذه، تجاوب مسيرة القداسة في الكنيسة. في مدرسة العذراء، تتعلَّم الكنيسة جذريّة القبول والموافقة الصافيّين، المجّانيّة والمحبّة المشعّة والخدمة السخيّة، الرّجاء المستبق للخيور الأبديّة، وأخيرًا السّير بثبات في طريق القداسة.

 

في نظرها إلى مريم الرّجاء المتحقّق، تريد الكنيسة أن تتجذّر مثلها في الرّجاء بالخيور المستقبلة، وتحثّ ذاتها على السّهر في انتظار العريس، وتنمو في الرّغبة بالملكوت الآتي، وتتذوَّق مسبقًا العطيّة الممنوحة. تعيش الكنيسة كلّ هذا في الرّوح القدس. لذلك تبدو الكنيسة شعب الرّجاء بين الشعوب، الشّاهد على الوعد الذي ينتقد قصر النظر في كلّ ما هو دون الله.

في مريم عروس الرّوح، تتحقّق الخليقة بطريقة مثاليّة، بحسب رغبة الله الخالق وتصميمه: إنّها الخليقة المنفتحة والمحاورة، الخليقة التي تترك الرّوح يقودها كليًّا، ويسكنها. في العذراء، تبرز دعوة كلّ إنسان في عيش القداسة الجذريّة، التي تقوم على مبادلة المسيح حبّه بالحبّ المعاش في الحياة اليوميّة في الوحدة والسَّلام. فالقدّيس هو من يحقّق ذاته بطريقة تظهر مجد الله. هذه هي الحياة في الرّوح في كلّ ثمارها (غل 5/ 22). تعلّم مريم كلّ واحد منّا أن يترك ذاته يمتلئ من روح الله، القادر وحده أن يقود الإنسان ليبني مستقبلاً أفضل يقوم على عيش كامل للحاضر في انفتاح دائم على مستقبل الله.

 

نختم بدعوة القدّيس يوحنّا بولس الثاني إلى المؤمنين "ليرفعوا أعينهم بإيمان إلى العذراء العروس والأُمّ، عبر مسيرتهم على الأرض، ويصوّبوا جهدهم للنموّ في القداسة. لأنّ مريم إبنة صهيون المثلى، تساعد أبناءها جميعًا، حيثما كانوا، وأيًّا كانت طريقة عيشهم، على أن يجدوا في المسيح الطريق التي تقود إلى بيت الآب ("أُمّ الفادي"، عدد 47).

 

                                                                      الخورأسقف أنطوان مخائيل                   

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية