مريم في أخبار الطفولة

 

مريم في أخبار الطفولة

 

 مريم في أخبار الطفولة

 

أ- أصل هذه الأخبار: جماعة مسيحيّة قديمة

كتب الأب لورنتان في مقاله "مريم" في الموسوعة الكاثوليكيّة: "نشأت هذه الأخبار من الرغبة في الجواب عن الأسئلة التي سألتها الجماعة المسيحيّة عن أصل يسوع، قبل معموديّة يوحنّا". فالجواب هو: يسوع هو إنسان نعرف نسبه، وإن بقيّ سرّ ميلاده خفيًّا. فقد حملته مريم من الروح القدس، وهو المسيح المُنتظَر. يرى كثير من علماء التفسير أنَّ هذه الأخبار يعود أصلها إلى تقليد بعض الحلقات المسيحيّة القديمة، ولكنّها لم تكن جزءًا من التعليم الأوّل الذي كان يلقيه الرسل. فقد بشَّروا قبل كلِّ شيء بموت المسيح وقيامته، ثمّ روى تعليمهم تعليمه وأعماله. فأخبار الطفولة هذه كرَّرت عناصر عُرِضت بالنظر إلى تاريخ الخلاص في العهد القديم. وهي تتحرَّك في جوٍّ كتابيّ، سابق للمسيحيّة. وفقدان لغة مسيحيَّة حقـًّا سيستمرّ حتى القيامة. إنَّ هذه النظرة لا تمسّ بشيء صحّة هذه الأخبار التاريخيّة. فالحدَث نفسه، ميلاد يسوع، يُعرض في إطارَين مختلفين، ووفقـًا لاستعمالات مختلفة للفنون الأدبيّة نفسها.

ما لا شكّ فيه هو أنَّ أخبار الطفولة، لما فيها من صفة متأخّرة (فقد كتب ما ورد منها عند متى ولوقا في ما بين السنة 75و85م)، شهادة تاريخيّة لنا ذات قيمة عظيمة على التفكير المسيحيّ في آخر القرن الميلاديّ الأوّل، فيما يختصّ بعلم اللاهوت الذي يتناول المسيح وقد أحرز تقدُّمًا كبيرًا، وعلى الممارسات العباديّة والطقسيّة (فقد كُتبَت النصوص لتُقرأ في الجماعة، وكُتبت المزامير لتُنشَد)، لا بل على إكرام مريم، ولوقا أوّل شاهد لها" (الأمر الذي جعل قائلا ً يقول بصواب: "لربّما جمع لوقا تقاليد فاهت بها السيّدة مريم العذراء نفسها". علينا ألّا ننسى أنّه قد ورد في الآيات الأولى من إنجيل لوقا: "لمّا أن أخذ كثير من الناس يدوِّنون رواية الأمور التي حدثت عندنا، كما نقلها الذين كانوا منذ البدء شهود عيان للكلمة، ثمّ صاروا عاملين لها، رأيتُ أنا أيضًا، وقد تقصَّيتها جميعًا من أصولها، أن أكتبها لك مرتّبة..." (لو 1/ 1-4). ونحن نعرف أيضًا، من خلال هذه الأخبار، "مختلف أساليب قراءة النصوص الكتابيّة، وإعادة قراءتها، وهي موروثة من اليهوديّة، وهذه الطريقة التي لا مثيل لها للكلام على يسوع وحده من خلال كلمات كتاب قد أصبح مسيحيًّا".

هكذا يمكن إثبات وجود العناصر الأكثر أهميّة المختصَّة بطفولة يسوع في تقليد الجماعة الذي استقى منه متّى ولوقا. ولم تنقل الجماعة الأولى عناصر تُخبر عن ميلاد يسوع وأمّه مريم، بل أساليب القراءة لحدث يسوع بالإنطلاق من الكتاب المقدّس، كانت قد استُعمِلت. فهكذا يسوع هو، في رأي متّى، موسى جديد، وفي رأي لوقا صموئيل الجديد. هذه التلميحات لا يمكن شرحها إلّا في الجماعة القديمة اليهوديّة المسيحيّة، وكانت لا تزال مشبعة بتقاليد المجامع اليهوديّة.

هذه النصوص بالنظر إلى مريم، كلام متّى عليها قليل، في حين أنَّ لوقا سيُتيح لنا الفرصة لأن نتفهَّم، على وجه أعمق، تصوُّر الجماعة الرسوليّة لمريم. غير أنّنا، قبل أن ندرس الخبرين منفصلين، سنستخلص التعليم المشترك بين الإنجيلـَـيْن: حَمَلت مريم يسوع حملا ً بتوليًّا، من الرّوح القدس، وهي أيضًا أمّ المسيح المُنتظَر.

 

ب- الحَمْل البتوليّ في خَبَرَيْ الطفولة

هذا التعليم مشترك بين الخبَرَيْن. شدَّد متّى على دعوة يوسف، ولكن منذ البدء (متى 1/ 18 فما بعده): "أمّا ميلاد يسوع المسيح فهكذا كان: لمّا كانت مريم أمّه مخطوبة ليوسف، وُجِدت قبل أن يتساكنا حاملا ً من الرّوح القدس. وكان يوسف زوجها بارًّا، فلم يُرِد أن يشهر أمرها. فعزم على أن يطلّقها سرًّا". (وخاطبه الملاك في الحلم): "يا يوسف ابن داود، لا تخف أن تأتي بامرأتكَ مريم إلى بيتكَ، فإنّ الذي كُوِّن فيها هو من الرّوح القدس" (الآية 20). ومعناه أنَّ ولد مريم ليس من يوسف، بل من الرّوح القدس. تقبَّله يوسف في بيته (الآية 24) وسوف يرعى هذا الطفل رعاية الأب له.

يُنظر في لوقا إلى دعوة مريم. أجابت مريم الملاك الذي بشّرها بالولادة: "كيف يكون هذا ولا أعرف رجلا ً" (لو 1/ 34) واصَل الملاك كلامه: "إنَّ الرّوح القدس سينزل عليكِ، وقوّة العليّ تُظلّلكِ" (الآية 35). فالبلاغ هو هو: ستحمِل مريم، لا من يوسف، بل من الرّوح القدس. إنَّ الرّوح القدس، سيحقـِّق المستحيل. ستظلِّل قوّةُ العليّ الأمّ كما كان الليل الإلهيّ، في خبر سيناء، يظلّل الخيمة، وهي مكان الحضرة الإلهيّة.

فحَمْل مريم، في كِلا الإنجيليْن، يوصَف بأنّه ليس من رجل، بل من الرّوح القدس. وكذلك يوصَف بأنّه "تكوين جديد".

لا يتكلّم التقليد المسيحيّ القديم على الحَمْل البتوليّ من غير التلميح إلى البنوَّة الإلهيَّة (من الرّوح القدس). فمن هذا الإعلان الإيمانيّ وحده (يسوع ابن الله) يَحظى هذا الحمل معناه، على أنّه تعبير عنه. "فالكلام على هذا الحمْل، بمعزل عن السرّ الذي يغمره، هو تشويهه تمامًا وجعله لونًا من الحمل من غير لقاح: يثور التقليد وقوانين الإيمان على مثل هذا الوصف الذي يحط ّ من شأن سرّ ابن الله فيجعل منه ظاهرة من عالم الحياة فحسب. فالتقليد كلّه يقدِّم للكلمات "ولد من العذراء مريم" بإعلان إيمانيّ "حُبِل من الروح القدس". "إنَّ العنصرين مرتبطان ارتباطـًا لا يقبل الانفصال". وقال بعد ذلك: "أعلنت الكنيسة منذ أقدم الأزمان أنَّ الحمل البتوليّ تعبير عن التجسُّد والعلامة البيِّنة للبنوَّة الإلهيّة". نحن تجاه حقيقة إيمانيَّة، تُدرَك بأعين الإيمان.

لا يُعدُّ الرّوح القدس "العنصر الذكر" الذي يقوم مقام الرجل في هذا الحمل. ليس يسوع إبن الرّوح القدس. ولكن حضور الرّوح القدس يحقـِّق خلقـًا جديدًا، لأنَّ الروح القدس، هو المبدأ الخالق للعالم. وفي سفر أعمال الرّسل (لوقا)، ينزل الرّوح القدس على الرسل ليحقـِّق خلق الشعب الجديد، أي الكنيسة. فالطفل الذي تلده مريم علامة على بدء مطلق، إنّه من الله. ويُمكن فهم الحمل البتوليّ على أنّه عمل افتتاح للملكوت الآتي.

 

البتوليّة والفقر

من الثابت أنَّ حالة البتوليَّة لم تكن شائعة، ولا يُشجَّع عليها في اليهوديَّة. وكانت دعوة المرأة أن تكون زوجة وأمًّا. بيد أنّنا نجد شيعة الأسّينيِّين تيَّارًا يحبِّذ العزوبة والفقر. والأمر هو كذلك عند فيلون. عبَّر هذا التيَّار عن انتظار الأزمنة المشيحيَّة. فهذان المثالان الأعليان أوحيا الفكرة بأنَّ ملكوت المسيح قريب. هذا موقف أخيريّ للزهد في هذا العالم، وهكذا لم تبدُ حالة البتوليَّة، في هذه الحلقات، خالية من المعنى. كانت تعكس الرغبة في التشبُّه "بفقراء الله" هؤلاء الذين تكلّمنا عليهم. فإذا لم تكن البتوليَّة شيئًا في حدِّ ذاتها، فهي علامة للفقر والزهد الذي يدعو إلى ملء الله، وينتظر مجيء الملكوت.

 

إخوة يسوع

يستند الجـِدال إلى ذكر "إخوة يسوع" الذي ورد عدَّة مرَّات في الأناجيل. أكان ليسوع إخوة؟ عند ذاك، لم تبقَ مريم عذراء. فمرقس، على سبيل المثال، يلمِّح إلى إخوة يسوع مرَّتين. ففي مرقس 6/ 3، يذكر أسماءهم: يعقوب ويوسف وسمعان ويهوذا، ويذكر أيضًا "أخوَاته" (مر 3/ 21، و3/ 31-35)، وقد كانوا من التلاميذ المواظبين على الصّلاة قبل العنصرة (رسل 1/ 14). وفي 1قور 9/ 5، كان واحد منهم، يعقوب "أخو الربّ"، أوّل رئيس للجماعة المسيحيّة في مدينة القدس الشريف. وآخر الأمر، ذكر متّى (1/ 25) أنَّ يوسف، بعد الحلم الذي فيه طلب منه الملاك أن يأتي بمريم زوجة له في بيته، أطاع الملاك، "ولكنّه لم يعرفها حتى ولدت ابنًا". ولكن ماذا بعد ذلك؟ فإذا كان ليسوع إخوة وأخوات، فلأنّ مريم رُزقت أولادًا آخرين، فلم تحفظ البتوليّة طوال أيّام حياتها.

ومع ذلك فإنَّ آباء الكنيسة أكّدوا دائمًا بتوليّة مريم الدائمة. هكذا قال أقليمنضس الإسكندريّ وأوريجينيس وأوسابيوس القيصريّ، وهم شهود لتقليد قديم. في رأيهم أنَّ إخوة يسوع أولاد زواج أوّل عقده يوسف: هكذا يفسِّرون هذا التقليد. ولكن بوسعنا، خصوصًا، اتّباع القدّيس هيرونيمس الذي أبرز أنَّ كلمة أخ في العبريّة قد تدلّ، لا على الأخ باللحم والدم فحسب، بل على أحد الأقرباء.

والحقيقة هي أنَّ كلمة أخ قد تدلّ في العبريّة والآراميّة على أخ في اللحم والدم، أو على الأخ لواحد من الوالدَين فحسب، (تك 42/ 15 و43/ 5) أو إبن الأخت أو إبن العمّ أو إبن الخال. فلم يكن في اللغات الساميَّة القديمة كلمة للدلالة على "إبن الخال أو إبن العم أو إبن العمّة أو إبن الخالة. ففي هذه المجتمعات، التي كان جميع أهل الأسرة يعيشون معًا، كان أبناء العمّ والخال والعمّة والخالة، يُعدُّون إخوة. هذا هو أهمّ تفسير، ولكنّه ليس برهانًا قاطعًا.

قيمة هذا التفسير تكمن في أنّه يقيم أساسًا للتقليد المسيحيّ القديم جدًّا، في الشرق كما في الغرب، الذي يكرِّم مريم بأنّها بتول دائمًا أبدًا. فلبتوليَّة مريم مكانها في مجمل السرّ المسيحيّ الحيّ، ولا سيّما تجعل مكانًا لميلاد كلمة الله الزمنيّ، بتمييزه من ميلاده الأزليّ "في حضن الآب"، الأمر الذي يُقيم أساسًا لتمييز طبيعتَيّ يسوع إبن الله الوحيد واتّحادهما. وهذا التفسير امتداد لإعلان المؤمنين: يسوع هو ابن الله الوحيد.

 

"خلاصة اللاهوت المريميّ"

الأب أوغسطين دوبره لادور

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية