مريم في تاريخ الكنيسة والليتورجيا

 

مريم في تاريخ الكنيسة والليتورجيا

 

 

مريم في تاريخ الكنيسة والليتورجيا

 

"فها الأجيالُ تُطوِّبُني" (لو 1/ 48).

 

"تعظـِّمُ نفسي الرَّبَّ" نشيدٌ أطلقته مريمُ في بيتِ نسيبتها أليصابات وبِه أظهرَتِ اتّصالها المُباشرَ باللهِ وبابنِهِ الوحيدِ المولودِ منها بالجسدِ وِلادةً إلهيَّة. "فها منذ الآن تُطوِّبُني جميعُ الأجيال، لأنَّ القديرَ صنعَ بي عظائم" (لو 1/ 48-49). فالرباطُ وثيقٌ بين مريم وابنِها يسوع الذي صنع بها عظائم، إذ تجسَّدَ منها وهو الإله السّرمديّ. صار طفلا ً من طينةِ بني البشرِ بفضلها.

 

منذ بدء الكنيسة، ظهرتْ هرطقاتٌ كثيرةٌ حاولتْ أن تُنكِرَ أنَّ الله اتّخذ لهُ جسدًا بشريًّا، أو أن تجعلَ يوحنّا المعمدان أفضَلَ من يسوع. أليسَ يوحنّا مَن عمَّدَ يسوع؟ وبالتالي يُعتبَرُ لدى البعضِ أرفعَ من يسوع ليستطيعَ أن يمنحَهُ العماد. كما أنكرت غيرُها أنَّ يسوعَ هو ابنُ اللهِ ولهُ طبيعةٌ إلهيَّةٌ كاملة، بل صارَ ابنًا للهِ يومَ اعتماده على يدِ يوحنّا في الأردنّ.

 

قادَت هذه الهرطقاتُ آباءَ الكنيسة منذُ انطلاقتِها إلى إظهارِ دورِ مريمَ البارِز في عمليَّة تجسُّدِ الابن، فارتبطتْ مريمُ بابنها الإلهيِّ بطريقةٍ لا انفصالَ فيها. وصارَ الكلامُ يتناولُ مريمَ بقدرِ ما هي مُرتبطةٌ بإلهها وابنِها يسوع المسيح.

 

حاوَلَ آباءُ الكنيسة والقدِّيسون اللاهوتيُّون أن يُبرهِنوا عن ألوهيَّةِ يسوع البشريّ، بما في الكتابِ المقدَّسِ من شواهد، عائدينَ دومًا إلى بتوليَّةِ مريم وأمومتها العجائبيَّة. فظهرت مريمُ أمَّ المسيح انطلاقـًا من البشارة والحبل به بصورةٍ عجائبيَّة. فهي التي منحتِ ابنَ اللهِ الأزليَّ جسدها ليتجسَّدَ فيها ويَظهَرَ إنسانًا كاملاً من طينةِ بني البشر. إضافةً إلى ولادتِه الإلهيَّة التي تسبقُ الزمن، هناكَ ولادةٌ بشريَّة تمَّتْ في الزمن بواسطةِ مريمَ العذراء.

 

فمريمُ هي أمُّ اللهِ حقـًّا، الأقنومِ الثاني من الأقانيم الإلهيَّة الثلاثة. أضحتْ أمًّا له بواسطةِ حلولِ الروحِ القدُس فيها، وبدون أن تفقدَ عُذريَّتها، بل بحلولهِ في حشاها حافظَ على بكارتها وعلى بتوليَّتها مُصانة ً من كلِّ فساد أو ضرر.

 

وبسبب هذا الدورِ البارِزِ الذي لم ينلْهُ مَخلوقٌ على وجه الأرض، جعلها اللهُ معصومة ً من الخطيئةِ الأصليَّةِ فحُبِلَ بها في حشا أمِّها بلا دنسِ الخطيئة، وكانت "ممتلئةً نعمةً" وبريئةً من كُلِّ عيب وخطيئة. فأعلنت طوباويّة وهي التي نالتِ الطوبى من أليصابات عندما قالتْ لها: "طوبى لكِ، يا مَن آمنت بأنَّ ما جاءَها من عند الربِّ سيتمّ" (لو 1/ 45). كما نالتِ الطوبى من إحدى السيِّدات: "طوبى للبطنِ الذي حملكَ وللثديين اللذين أرضعاك" (لو 11/ 27)، فأجابها الربُّ: "بل طوبى للذين يسمعون كلمة الله ويعملون بها" (لو 11/ 28). ومريمُ هي أوَّلُ مَن سمعَ كلمَة اللهِ وعمِلَ بها فنالتْ طوبى جديدة من فم ِ ابنِها الوحيد. فإنْ قيل عن إنسانٍ إنَّهُ قدِّيس لأنّه سمعَ كلمة اللهِ وبلغ درجة القداسةِ بتتميمه مشيئةِ الله، فمريمُ هي فائقةُ القداسة لأنّها عاشت حياتها بحضورٍ دائم ٍ للربّ.

 

وبما أنّها أمُّ الله وهي من طينةِ البشر، أضحتْ أمَّ البشرِ أجمعين، شفيعة ً دائمة لدى ابنها الوحيد يسوع. وفي وجودها الدائم ِ بجوارِ وحيدِها لاسيَّما وقت آلامهِ الخلاصيَّة، صارت مُشارِكةً لهُ في الفداء، وتُكمِّلُ في جسدِها ما نقُصَ من آلام ِ المسيح. ولهذا الامتيازِ الخاصِّ منعَ اللهُ عن جسدِها أن ينالَهُ الفسادُ بعد رُقادِها، فنقلها اللهُ إليهِ بالنفسِ والجسَدِ إلى السّماء، لتُجعلَ سلطانة السّماء والأرض.

 

فمريمُ رافقتْ مسيرةَ حياةِ ابنِها منذُ ولادتِهِ منها في الجسد إلى مَوتِهِ على الصَّليب، فكانتْ واقفةً عند صليب يسوع (يو 19/ 25)، وقفة المؤمن والمُشارِكِ في الآلام الخلاصيّة. ففي بدءِ رسالتِهِ وانطلاقتِها كانتْ حاضِرةً وهي التي دفعته لاجتراح ِ الآيةِ الأولى في عرسِ قانا الجليل مُحوِّلاً الماءَ خمرًا، إلى أن يتمَّ تحويلُ الخمرِ دمًا مُخلـِّصًا.

 

وبعدَ صعودِ الربِّ إلى السّماء، ظلّتْ مريمُ حاضرةً في حياةِ الكنيسةِ منذُ انطلاقتِها يومَ حلولِ الرّوح القدس إلى حينِ انتقالِها إلى السَّماء. وإن كان هذا الحُضورُ خفيًّا، لكنّهُ بدا فعَّالاً إذ يتمحورُ حولَ الصّلاةِ والتأمُل بعظائِم ِ الله (أع 1/ 14).

 

 "مريم العذراء في الأناجيل"

الخوري أنطوان الدويهيّ

 

 

المركز الدائم للتنشئة المسيحية macro-max rebound mazar
CMS x