مريم في كتابات مار أفرام

 

مريم في كتابات مار أفرام

                                                                                                        

 

 

 

مريم في كتابات مار أفرام

 

 

 

وُلد مار أفرام في نصيبين سنة 303 وتوفيّ في الرّها سنة 373. كتب باللّغة السُّريانيّة شعرًا ونثرًا، وهو أكبر الآباء السُّريان بدون منازع. يُعرف بكنّارة الرّوح القدس وملفان البيعة الجامعة. لم تعرف الكنيسة شاعرًا غنّى مريم العذراء كما غنّاها هو "قبل مجمع أفسس". وبما أنّ كنيستنا السُّريانيّة المارونيّة، مثل كلّ الكنائس السُّريانيّة، تعتبر مار أفرام "معلّمًا ومفسّرًا"، لا بل "معلّمها"، وهو يوحّد بين كلّ هذه الكنائس السُّريانيّة، فإنّنا سنتوقّف طويلا ً على تعليم مار أفرام حول مريم العذراء.

 

إنّنا لا نجد كتابًا خاصًّا بالعذراء مريم ألّفه مار أفرام وعرض فيه بطريقة مدرسيّة لاهوتيّة أفكاره عن مريم العذراء. كما وإنّ العارفين بمؤلّفات أفرام لم يصنّفوا كتبًا خاصّة عن هذا الموضوع. إنّما صدرت مقالات عديدة بمختلف اللّغات عن مريم العذراء عند مار أفرام أحدثها وأكملها بنظرنا هو ما كتبه الأب أورتيس ده أوربينا: عن هذا الأخير نستمدّ الكثير في مقالتنا هذه.

 

من المعروف أنّ مار أفرام كرّس العديد من أناشيده ومن تفسيره للكتاب المقدّس عن رؤياه اللاهوتيّة للعذراء مريم، وذلك تكملة للرّؤيا اللاهوتيّة عن المسيح، لأنّه كان عليه أن يدافع في أيّام زمانه ضدّ هرطقتين شائعتين في الكنيسة:

- الأولى هي هرطقة مرسيون القائل بأنّ المسيح لم يكن حقيقة بشرًا كسائر النّاس بل "شبّه به" وظهر بمثل إنسان، ولذلك فإنّ مريم لم تكن حقـًّا أمّ المسيح المخلّص الذي ليس له أمّ بالجسد.

- الثانية هي هرطقة أريوس القائل بأنّ المسيح لم يكن ابن الله بالطبيعة بل أصبح ابن الله بالتبنّي، وهو بالفعل مخلوق كسائر المخلوقات وظهر إنسانًا مثل سائر النّاس وتبنّاه الله فيما بعد. ولذلك فالعذراء مريم ليست "أمّ الكلمة الإلهيّة" إنّما أمّ إنسان عظيم...

تجاه هاتين الضلالتين وتجاه تعليم الكنيسة الحقيقيّ الذي حرم مرسيون ثمّ أريوس في مجمع نيقيا سنة 325، علّم مار أفرام بالأناشيد وفسّر الكتاب المقدّس ليبشّر بأنّ المسيح هو إبن الله حقـًّا وهو كلمة الله المتجسّد، وهو الذي خلق السّماء والأرض وقد حلّ في حشى مريم البتول التي أصبحت "أمّ ابنها وأخته وابنته...".

 

إنّ ما كتب أفرام عن العذراء يفوق بكثير ما كتبه سواه من الآباء القدّيسين في مختلف اللّغات وفي شتّى الكنائس شرقًا وغربًا. وأشهر كتاباته التي يعلّم فيها عن العذراء مريم هي:

- تفسير الدياتسرّون وقد وجد أكثر من نصفه بالسريانيّة وموجود بكامله بالأرمنيّة.

- الأناشيد عن ميلاد المسيح (أخصّها: 2، 4، 6، 8، 9، 11، 12).

- أناشيد نصيبين (أخصّها: 4، 27، 35، 37).

- الأناشيد عن البتوليّة (أخصّها: 6، 13، 25، 38).

- الأناشيد عن "الكنيسة" (أخصّها: 35، 37، 46، 49).

- الأناشيد عن الإيمان "تعليم عقائديّ" رفيع (أخصّها: 4، 10، 24، 28، 51، 60، 73، 74).

- أناشيد مختلفة (مثل: عن الفردوس 4؛ عن الخبز الفطير 4، 16؛ عن الصلب 3؛ وعن القيامة 1، 4).

من خلال هذه الأناشيد والتفاسير يتبيّن أنّ أفرام لم يدبّج مؤلّفات لاهوتيّة عقائديّة بالطريقة السكولاستيكيّة المدرسيّة، بل نظـَّم شعرًا أو فسّر كتابًا على طريقة شرح الأسفار المقدّسة، ثمّ درس النصّ والرموز وأعطى الشرح والتفسير بحسب مفهوم الكنيسة العقائديّ وبيّن الرؤيا الشاملة للتدبير الإلهيّ.

 

وإذا شئنا أن نضع عناوين لهذه الرؤيا المريميّة الأفراميّة لقلنا أنّها تقع في ثلاثة أفكار أساسيّة:

1) مريم هي أمّ الربّ

2) مريم هي الدائمة البتوليّة

3) مريم هي حوّاء الجديدة

هناك أفكار متفرّعة كثيرة حول العذراء وامتيازاتها أظهرها أفرام بتحليقه الشعريّ، سنذكر بعضًا منها في كلامنا المفصّل حول هذه الأفكار الأساسيّة.

 

 

1) مريم هي أمّ الربّ

 

- أ - إنّها حقًّا أمّ: كان أفرام يعرف أنّ الرّها - موطن برديصان - لم تكن غريبة عن الأفكار الغنوسيّة القائلة بأنّ المسيح هو "إنسان شبّه به"، وأنّه لم يأت إلى العالم بجسد أرضيّ بل بجسد "سماويّ". وبالتالي فإنّه لم يولد من مريم العذراء - بنظرهم - بل عبر إلى العالم من خلالها دون أن تعطيه شيئًا.

هنا يُجيب أفرام بوضوح وخاصّة في أناشيده عن الإيمان بأنّ يسوع هو بالحقيقة ابن الله وابن مريم وبذلك "أصبح أخًا للنّاس". وفي تفسيره عن الآية الإنجيليّة (لوقا 11/ 27) "طوبى للبطن الذي حملك وللثديين اللذين أرضعاك..." يردّ أفرام على مرسيون ويفصّل كيف أنّ يسوع هو بالواقع أخ لكلّ إنسان، وبذلك تكون مريم قد ولدت بالجسد كما تلد سائر النساء. ويعود أفرام إلى تفسير الكتاب المقدّس بكامله فيجد في المسيح "ابن داود"، ويجد أنّ يوسف ومريم أيضًا كانا من بيت داود (لوقا 2/ 4) "وهو يجلس على عرش داود أبيه" (لوقا 1/ 72) وأنّ يسوع "إبن مريم" هو بها أيضًا إبن داود. وبذلك تكون هي حقًّا أمّه التي أورثته عرش داود أبيه.

 

وإيضاحًا أيضًا لأمومة العذراء الحقّة يقول أفرام: فإنّ الله بحاجة إلى جسم حقيقيّ وإلى بشريّة حقيقيّة ليستطيع أن يفدي الإنسان والبشريّة. وأنّ هذه البشريّة قد اتّخذها من حشى مريم البتول. وهكذا صار عبدًا متّضعًا ليخلّص الإنسان: "إنّ حشى أمّك قد غيّر الأنظمة لأنّ خالق الكلّ دخله غنيًّا وخرج منه فقيرًا، دخله عليًّا وخرج منه وضيعًا...".

وبالتفصيل، يذكر أفرام أنّ العذراء قد حبلت بيسوع في العاشر من نيسان وأنّها ولدته في شهر كانون قبل ثلاثة عشر يومًا من انتصار الشمس (أناشيد الميلاد).

 

وعن أمومة العذراء ليسوع، غنّى أفرام بأناشيد عذبة علاقة الأمّ بالطفل، ووضع أغنيات لذيذة عن مناجاة الأمّ لرضيعها، كيف كانت تناجي الرّضيع النائم في سريره أو على ذراعيها، وكيف كانت تهزّه وهي تغنّي له متمتمة كلمات الأمّ العاقبة بالعبادة: "كيف أغذّيك بالحليب أنت الينبوع، وكيف أطعم من يطعم كلّ البرايا! وكيف أقرب من وجنتيك أنت المتّشح بالجلال” (أناشيد الميلاد 14، 15).

 

وفي كلامه على أقوال يسوع عند الصّليب: "هذه أمّك... وهذا هو ابنك" يتوقّف أفرام على الناحية اللاهوتيّة والنفسيّة بقالبٍ شعريّ رائع: "طوباك أيّتها المرأة لأنّ ربّك وابنك أعطاك لمن صنعه على مثاله. كنت تلاطفين يسوع طفلاً ويسوع لاطف يوحنّا عندما اتّكأ إلى صدره... غذّيتِ يسوع من صدركِ شرابًا مرئيًّا ويسوع غذّى يوحنّا من صدره شرابًا سرّيًّا غير مرئيّ. بدالة كان يسوع ينحني على صدركِ... وبدالّة كان يوحنّا ينحني على صدره... لقد تركك وما يتركك، لأنّه عاد برسوله وجاء يقيم معك... وكنتِ الأمّ ترى يسوع في تلميذه، والتلميذ كرّم باحترام ومحبّة الهيكل الذي سكنتَ فيه...".

 

- ب- مريم هي أمّ الله: توفيّ أفرام قبل مجمع أفسس بنحو نصف قرن، ولم تكن بعد العبارة "أمّ الله" قد سارت سيرها في الكنيسة، ولذلك لم ترد كما هي على لسان أفرام. لكنّ تعاليم أفرام عن مريم العذراء أمّ الله هي واضحة وفي مواضيع كثيرة من مؤلّفاته هي جازمة في الموضوع.

ففي تفسيره للدياتسرّون يؤكّد أفرام أنّ الكلمة الذي تجسّد هو ذاته الذي كان في حضن الآب وصار ابن البتول: "إنّ إليصابات إبنة هارون ولدت صوت البريّة، بينما ابنة الملك داود ولدت حكمة الملك السماويّ، وإنّ زوجة الكاهن قد ولدت ملاك الربّ، بينما إبنة داود قد ولدت الله إله الأرض الجبّار".

وفي أناشيد الميلاد يتوقّف أفرام طويلاً على أمومة العذراء للكلمة الإلهيّة: "وكانت مريم تحمل الولد الصّامت الذي فيه تختفي كلّ الألسنة". "كان العليّ وكان يرتوي من حليب مريم، بينما الخلائق كلّها ترتوي من ينابيعه الغنيّة".

وفي بعض هذه الأناشيد الميلاديّة، وخاصّة الثامن والتاسع، عبارات تقرب من تسمية "والدة الله" دون اللفظة ذاتها، وفيها يقول: "أيّ أمّ تستطيع أن تغنّي ابنها كما غنّت مريم؟ من هي التي تجسر أن تسمّي ابنها ابن الخالق، وابن الجابل، ومن هي التي دعت ابنها ابن العليّ... أيّ أمّ تستطيع أن تقول لابنها كما في الصّلاة "أنت رجاء أمّك مثل الله".

بالخلاصة، يمكننا القول إنّ أفرام كان يؤمن بدون أدنى شكّ أنّ ابن مريم هو الربّ نفسه بكلّ ما في هذه الكلمة من ألوهيّة! هو العليّ، هو الخالق، هو ابن الله. وهذه العقيدة استمدّها أفرام من الكتاب المقدّس ومن تفسيره الصّحيح للكتاب. وقد علّم هذه العقيدة في الإطار الأنطاكيّ السريانيّ قبل المجمع الأفسسيّ وخارجًا عن المدرسة الأنطاكيّة المعروفة التي سيطر عليها فيما بعد تيودوروس وتيودوريطس...

 

 

2) مريم هي الدائمة البتوليّة

 

إنّ المؤلّفين الأنطاكيّين والسّريان أبرزوا هذا الإمتياز عن مريم منذ الكتابات الأولى؛ هكذا كتب إغناطيوس وعلّمت أناشيد سليمان في بدء القرن الثاني.

لكنّ أفرام غنّى هذه البتوليّة في الحبل وفي الولادة ومن بعد الولادة. أمّا البتوليّة في الحبل بيسوع فإنّ أفرام شرح ما ورد في الإنجيل بأنّ الذي هو منها، هو من الرّوح القدس. نصوص كثيرة في هذا الموضوع: "لقد حملت بدون رجل، كما في البدء اتّخذت حوّاء من آدم بدون زرع". وإنّ يسوع حلّ في حشى مريم من بعد سلام الملاك إليها وإبلاغها الرّسالة السّماويّة، ولذلك يقول أفرام وكثير من الآباء السريان من بعده "إنّ الموت قد دخل من أذن حوّاء وكذلك الحياة دخلت من أذن مريم".

وفي شاعريّة أفرام وروحانيّته يتكلّم على المسيح "يخرج أربع مرّات": من حضن الآب، من حضن مريم، من الأردنّ، ومن مثوى الأموات. وكلّ خروج هو ولادة، وكلّ ولادة حياة جديدة: "إنّ حشى الأمّ والجحيم (مثوى الأموات) يبشّران بقيامتك، فالحشى حملك وهو مغلق، والجحيم حملك وهو مغلق".

أمّا البتوليّة في ولادة المسيح فقد ذكرها أفرام في شرح الدياتسرّون وفي أناشيد الميلاد. ومن قوله: "وقد كانت في بتوليّتها عندما ولدتك بقداسة أيّها القدّوس".

وفي كلامه على ولادة يسوع يكتب مار افرام عن ولادة مقدّسة، طاهرة، عجيبة كما كان الحبل بيسوع، رغم أنّه في بعض النصوص يتكلّم على الآلام والأوجاع التي رافقت الولادة دون أن يذكر مطلقًا أنّ مريم فقدت البتوليّة في ولادة يسوع.

وفي الكلام على بتوليّة مريم من بعد ولادة يسوع يقول مار افرام في شرحه للدياتسرّون "يدّعي البعض أنّ مريم أصبحت إمرأة يوسف من بعد ولادة المخلّص. كيف يكون هذا بأنّ التي أصبحت مسكن الرّوح - أي مسكن الله - هي التي ظلّلتها قوّة العليّ الإلهيّة يمكن أن تصبح زوجة رجل مائت فتلد بالأوجاع والآلام بحسب اللعنة الأولى؟ فكما أنّها حبلت بالطهارة، هكذا أيضًا استمرّت بالطهارة. وكما أنّ آية أجاجين الماء في قانا لم تجدّد، كذلك العذراء التي حبلت وولدت عمّانوئيل، لن تحبل مطلقًا فيما بعد".

وعندما يدّعي "هؤلاء" بأنّ يسوع كان له إخوة يلاحظ مار افرام في شرحه للدياتسرّون "لأنّ البعض قد دعوا أخوة الربّ، يظنّون أنّهم أبناء مريم. إنّ مريم وضعت إبنها البكر وبتوليّتها بقيت سالمة، ولو كان ليسوع إخوة لما كان ربّنا أعطى أمّه ليوحنّا! لأنّه هو الذي قال: "أكرم أباك وأمّك، فكيف كان يفصل بين الأمّ وأبنائها بإعطائه إيّاها إلى يوحنّا؟".

لا حاجة إلى التذكير بأنّ مار افرام قد علّم ضدّ الأريوسيّة التي انتشرت في أيّامه وحرمتها الكنيسة في بدء أيّامه أيضًا. لذلك فقد شدّد على ألوهيّة  المسيح وبالتالي على قداسة الحبل والولادة. وليس فقط في أبيات شعريّة مبهمة بل في تفاسير واضحة للإنجيل على ضوء تعاليم الكتاب المقدّس بأكمله وتطبيقًا لرموز الأنبياء.

 

 

3) مريم، حوّاء الجديدة

 

- أ - مريم وحوّاء. من الرّموز المريميّة التي استرعت انتباه مار افرام وتكلّم عليها بالتفصيل وجه مريم "حوّاء الجديدة". كان التشبيه موجودًا قبل مار افرام وقد استخدمه يوستينوس في منتصف القرن الثاني وإيريناوس في أواخر القرن الثاني. إنّما نجد عند أفرام نصوصًا متعدّدة وتفاسير متكاملة لهذا التّشبيه بين آدم والمسيح وحوّاء ومريم.

 

إنّ وجه مريم حوّاء الجديدة يضعها في قلب التّدبير الإلهيّ. منذ البدء وضع الله خطـّة لخلاص الإنسان، ومنذ أن خلق آدم خطّـَّط لخلاصه وكانت مريم بالنسبة إلى المسيح مثلما كانت حوّاء بالنسبة إلى آدم: "فكما في البدء ولدت حوّاء من آدم بدون دنس، هكذا مريم خطـِّيبة يوسف. حوّاء ولدت قاتلاً، ومريم ولدت المُحيي، حوّاء ولدت من أهرق دم أخيه، وهذه ولدت من أهرق دمه في سبيل إخوته. حوّاء ولدت من كان يخاف ويهرب من لعنة الأرض، وهذه ولدت من حمل اللّعنة وسمّرها بصليبه".

 

وفي العديد من الأناشيد يقابل مار افرام بين مريم المُباركة وحوّاء "الملعونة": "مباركة أنت بين النساء، هذا ما قالته إليصابات، وهذا ما يعني أنّ الأمّ الأولى كانت ملعونة".

وعندما تناجي مريم طفلها في أناشيد الميلاد تقول: "سأدخل إلى فردوسه، فردوس الحياة، وحيث سقطت حوّاء سأمجّده أنا".

وعندما نزل يسوع إلى الجحيم فرحت حوّاء، لأنّ ابن ابنتها نزل كدواء للحياة ليقيم أمّ أمّها! "إنّ الابن المُبارك سحق رأس الحيّة التي أغوت حوّاء". "إنّ حوّاء في الفردوس لبست أوراق الخجل. بينما أمّك لبست وشاح المجد الذي يكفي الجميع". وفي أناشيده عن الكنيسة يعلّم مار افرام كيف أنّ مريم هي التي أعطت الحياة التي فقدها العالم بحوّاء.

 

"إنّه لواضح بأنّ مريم هي أرض الشّمس، أي هي الأرض التي سطعت منها الشّمس، التي أنارت العالم وسكّانه، هذا العالم الذي أظلم بسبب حوّاء، سبب كلّ الشّرور. حوّاء ومريم تُشبهان وجهًا فيه عينان: الواحدة عمياء مظلمة، والثانية مضاءة ومنيرة كلّ شيء. أنظر إلى العالم لقد وضع فيه عينان. حوّاء العين المظلمة، عن اليسار، ومريم العين المضاءة، عين اليمين، وبسبب العين المظلمة أصبح العالم كلّه مظلمًا، واتّخذ البشر أنصابًا بدل الله، ودعوا الكذب حقيقة. ولمّا استنار العالم، بواسطة العين والنور السماويّ السّاكن فيها، وجد العالم من جديد الوحدة ووجد "أنّ ما كان قد عرفوه لم يكن إلاّ فقدان الحياة".

 

وفي مقابلته بين كلام الحيّة لحوّاء في الفردوس وكلام الملاك لمريم في البشارة، يهزأ أفرام بخفّة حوّاء، كيف أنّه صدّقت الحيّة بدون تردّد ولا تنبّه، بينما مريم بكلّ حكمة أخذت تطرح الأسئلة على الملاك: "فلنتأمّل بإعجاب مريم التي تسأل رئيس الملائكة بدون خوف. حوّاء لم ترد أن تسأل الحيّة الخسيسة، بينما الفتاة وقفت أمام جبرائيل وسألته لأنّها لم تكن بعد قد عرفته". مريم طلبت استيضاحًا لهذه الحقيقة، بينما حوّاء قبلت كلّ حماقات الكذّاب. "إنّ الأمّ غير الحكيمة هي سبب مغامراتنا كلّها، وإنّ الأخت الحكيمة هي كنز كلّ أفراحنا".

 

وفي "الموعظة عن ربّنا"، يصف مار افرام موقف حوّاء وموقف مريم من  الحياة ومن الموت عند دخول يسوع إلى مثوى الأموات: "جاءت حوّاء أمّ الأحياء... حوّاء التي كانت أمّ كلّ حيّ أصبحت مصدر موت لكلّ حيّ. وانتصبت مريم، الفرع الجديد لحوّاء، الحياة القديمة، فحلّ فيها الحياة الجديدة، حتّى إنّ الموت لمّا مرّ آتيًا بحيلة حسب عادته بين الثمار المائتة، هنا برزت الحياة التي انتصبت وابتلعت الموت".

 

كلّ هذه النصوص تثبت دور مريم في الخلاص. إنّها كانت مرتبطة شديد الإرتباط بالمسيح، كما كانت حوّاء مرتبطة بآدم. ولا يمكننا مطلقًا أن ننظر إلى العذراء نظرتنا إلى قدّيسة كسائر القدّيسين في الكنيسة، بل هي نبتة مباركة أعطت الحياة بدل النبتة الملعونة التي أعطت الموت.

إنّ هذه المقابلة القديمة بين حوّاء ومريم اتّخذت بعدًا جديدًا عند أفرام وأغدق عليها ألوانـًا زاهية مشرقة. إنّ هذه الأفكار اللاهوتيّة العميقة عن مريم لها صدى واسع في علاقة مريم بالكنيسة، وبالتالي بالإفخارستيّا خبز الحياة. وإنّ هذه التشابيه الجميلة عن العين المضيئة والعين المظلمة تعود إلى قلب الإنجيل الذي يجعل من حوّاء صورة الإنسان الخاطئ البعيد عن الله وعن مريم صورة تلميذة المسيح المطيعة التي تصبح شاهدة للإيمان.

 

 

- ب - مريم الطاهرة. وحده مار افرام بين الآباء الأقدمين وفي كلّ التقاليد الشرقيّة والغربيّة - على ما نعلم - تحدّث بوضوح تامّ عن طهارة العذراء مريم الكاملة بامتياز خاصّ من الله، وإنّ هذه الطهارة بنظره مرتبطة بأمومتها للكلمة الإلهيّة المتجسّد، وبدورها في الإنتصار على الخطيئة.

وقد وضّح تعليم مار افرام هذا خاصّة في أناشيد نصيبين، ففي النشيد 27 تخاطب كنيسة الرّها الربّ يسوع بدالّة وتقول: "إن كنت أنا بشعة فلا تطلقني. أجبني أنا البشعة وعلّم هكذا أنّ الرّجل يحبّ زوجته (ولو كانت بشعة). أنت وحدك وأمّك بين الكلّ وفي كلّ شيء جميلان، لأنّه لا خطأ فيك يا ربّ ولا دنس في أمّك".

فكرة مار افرام هي: جماعة كنيسة الرّها فيها بشاعة إنّما فيها أولاد فيهم بهاء، وأنّ أمر يسوع وأمّه غير سائر البشر في الطهر والنقاوة، وكأنّه يقول: كلّ الناس فيهم "بشاعة" الخطيئة إلاّ يسوع وأمّه "لا بشاعة فيهما".

هل يعني ذلك أنّ مار افرام كان يعني الخطيئة الأصليّة أيضًا وأنّ العذراء، مريم "حُبل بها بلا دنس" كما أعلن ذلك البابا بيوس التاسع سنة 1854؟

لا يجب أن نلقي على القديم الأضواء الجديدة في الكنيسة. لكنّنا نستخلص من هذه العبارة التي وردت أيضًا في رسالة بيوس التاسع عن الحبل بلا دنس بأنّ مار افرام كان ينظر إلى العذراء بأنّها لم تقع تحت أيّة ظلمة أو خطيئة، من دون أن يدخل في التفاصيل. ولكنّ التشابيه التي يعطيها دائمًا عن مريم "حوّاء الجديدة..." وعن دورها في مسيرة الخلاص قد يثبت لنا أنّ مار افرام عصم مريم من كلّ وصمة. مع العلم أنّ الكنيسة لم تحدّد معاني "الخطيئة الأصليّة" إلاّ تدريجيًّا.

وهذا لا يعني بنظر مار افرام أنّ العذراء مريم هي كالمسيح طاهرة بالطبيعة، بل هي طاهرة بنعمة من الرّوح الذي قدّسها. وعندما يتكلّم على تقديسها يجعل تقديسها هذا بنعمة ابنها يسوع وقد تتلمذت له "وتعمّدت" وقبلت الإفخارستيّا. وقد يكون العماد بنظر مار افرام، أعطي لها لتصبح "ابنة الله" لا لمحو الخطيئة الأصليّة التي لم تكن العقيدة المسيحيّة واضحة بشأنها في تلك الأيّام.

 

 

الخلاصة

 

لقد كان لمريم حصّة كبيرة في أناشيد مار افرام وتفاسيره للكتاب المقدّس، ولم تكن أفكاره مجرّد شطحات شعريّة حلوة بل تأمّلات لاهوتيّة عميقة تدفعها محبّة صافية ليسوع وأمّه. إمتيازات عديدة وهبها إيّاها الله، أخصّها أمومتها الإلهيّة وبتوليّتها الدائمة ودورها الكبير في التدبير الخلاصيّ، وبالتالي طهارتها وقداستها ومقامها قرب يسوع.

ولا بدّ لنا في الختام من التوضيح أيضًا بأنّ أفرام لم يتكلّم على موت العذراء ولا على انتقالها بالنفس والجسد إلى السّماء. وبهذا كان مار افرام يعتقد كسائر الآباء القدّيسين في أيّامه بأنّ النفوس الموجودة في الفردوس هي "راقدة على رجاء القيامة".

بحقّ وحقيقة أعطى مار افرام الأفكار اللاهوتيّة الأساسيّة عن مريم ولم تبقَ هذه الأفكار ملكًا له، بل دخلت أناشيده وتعاليمه في الليتورجيّا السّريانيّة المارونيّة، وكلّ هذه الأفكار ظاهرة، في صلواتنا وأناشيدنا الحاليّة.

 

 

"مريم العذراء في الكنيسة المارونيّة"

                                                                  المطران بطرس الجميّل