مريم معلّمة الإيمان وطريقة الحياة

 

 
 
 

 

مريم معلّمة الإيمان وطريقة الحياة

 

قال أحدهم مخاطبًا المسيح: "يا يسوع، كلِّمْني عن أُمِّك. فإنّي عندما أتأمَّل فيها، أشعر وكأنيّ عاجز عن التفكير. في صغري، كنتُ وأمّي نصلّي المسبحة، وكانت تلك الصَّلاة تغمرني بالسّكينة والسَّلام حتّى الإكتفاء. اليوم، صرنا نفكّر. نسينا الصَّلاة. فكان أن هَجَرَنا السَّلام والفرح والإكتفاء. وكأنّي بأمّك قد هجرتنا أيضًا. أكثر من ذلك، صرنا نستحيي بها. وإذا تكلَّم أحد عنها، أو تحمَّس لها، نَعَتْناه بالتهوُّس أو المبالغة أو الميوعة... أرجوك، يسوع، كلِّمْني عن أمّك. قل لي إن هي لنا أُمّ كما كانت لك، إن هي إلى جانبنا كما كانت إلى جانبك...".

 

أجابه يسوع قائلاً:

 

الإيمان

 

المشكلة أنّكم صرتم ذوي ثقافة ودهاء أكثر من اللاّزم. صرتم أبناء الفلسفة، أكثر منكم أبناء مريم. لا ريب أنّه من المستَحسَن والمُستَحَبّ أن تُعمِلوا العقل والتفكير في البحوث العلميّة. ولكن ما ليس مستَحسَنًا ولا مُستَحَبًّا هو أن تدّعوا إدراك الأسرار الإلهيّة بقوى العقل وحده. مرّت الأجيال وأنتم ما زلتم تَخفُقون بين العقل والإيمان.

 

مستوى الإيمان إلهيّ. مستوى العقل بشريّ. الإيمان يكشف لكم عن أسرار السّماء. العقل عن أسرار الأرض... الإيمان يجعلكم في حضرتي. العقل في حضرة الأشياء... لو كان في وسع العقل أن يَنفُذ بكم إلى السّماء، كيف من لم يُؤْتَ من العقل إلاّ القليل، كان يسعه أن يبلغ إليّ؟... أُمّي نفسها، تلك المرأة العاديّة، هل كانت بلغت إليّ، وهي لم تكن تعرف إن كانت الأرض مدوّرة أو مسطّحة؟

 

هو الإيمان كان يساعد أُمّي، ويساندها، ويجعلها تقول "نعم" حتّى في عدم الفهم وفي المشقّات. لهذا السبب تشعرون وكأنّها هجرتكم، وكأنّها غريبة عنكم. إنّكم ترفضون الإيمان، وتحاولون تَقْييمَ علاقتكم بالله على ضوء العقل الشحيح، فتفشلون بطبيعة الحال.

 

أُمّي كانت مؤمنة عرفت كيف توفِّق بين المنظور واللاّمنظور، بين ما يمكن فهمه وما يجب الإيمان به... يكفي القول إنّها آمنت بقيامتي، لمّا كنتُ، في حضنها، جثّةً هامدة، مساءً الجمعة العظيمة. إيمانها هذا لم يكن نتيجةَ تحليلٍ عقليّ... فهي، إذًا، تعلّمكم الإيمان، وتُرشِدكم إليه، في أيّامٍ يحاول المضلـِّلون أن يُفسِدوا إيمانكم، ويُرشِدوكم إلى الضلال.

 

 

طريقة الحياة

 

وهي تعلّمكم أمرًا آخر، هو طريقة الحياة... لقد جعلتم من الإنجيل، من رسالة الخلاص، فكرةً. فبالأفكار تتغذّون، ولها تهتمُّون، وبها تملأون فراغ أيّامكم. تجهلون أنّي لم آتِ لأحمل إليكم فكرة، بل حياة، والحياة بالذات. فأيّ نسبة ممكنة بينكم وبين أُمّي تلك التي، من حيث الأفكار، كانت فقيرة، وفقيرة جدًّا؟ أُمّي كانت تحيا. أنا كنت حياتها. والحياة ليست حصيلة تفكير ولا كلام. الحياة ثمرة محبّة وكفاح وانفتاح.

 

من ينضمّ إلى حلقاتكم أو نقاشاتكم، ماذا يسمع؟ كلامًا بكلامٍ بكلام. فأين لكم أن تفهموا أُمّي، هي التي لم تكن تتكلَّم؟ الفرق بين الحياة والكلام كالفرق بين الوجود والعدم، بين من يحبّ ومن يتكلَّم عن الحبّ، بين من يصلّي ومن يحاضر في الصَّلاة، بين من يأكل الخبز ومن يناقش حول الخبز. إنّكم تتحدّثون، ولا تأكلون. تناقشون، ولا تصلّون. تتكلّمون عن الحبّ، ولا تحبّون...

 

تصرُّف أُمّي كان يعكس تصرُّفكم. كانت تصلّي، تحبّ، تلزم السّكوت. وهكذا كانت الحياة الإلهيّة تنمو فيها وتزدهر. أُمّي لم تكن تتكلَّم عنّي، كانت تتأمّل فيّ. لم تكن تدرس اللاّهوت، كانت تنصِت إلى تنفُّسي في اللّيل... أنتم؟ تتكلّمون عنّي وتتكلّمون، لكنّكم تجهلونني. تُكِبّون على الكتب الساعاتِ الطوال، لكنّكم لا تشعرون بأيّة رغبة في أن تكونوا معي، بعض الوقت، في سكينة الكنائس...

 

لو كنتم تبحثون حقًّا عن الحياة الإلهيّة القائمة على حضوري فيكم، لكُنتم تلتقون وأُمّي هي التي لم تصنع سوى أنّها حملت الحياة الإلهيّة لكي تنقلها إلى العالم... أنا كنت سماءَها وأليفَتها وتأمُّلها ووحيَها ونشاطها، وكنت أكفيها. وكانت السّعادة تجد الطريق إلى قلبها، على الرّغم من المشقّات التي تحمّلتها من جرّاء أُمومتها الإلهيّة (كارلو كريتّو).

 

 

هذا ما قاله المسيح لذلك السّائل المتشوّق إلى معرفة مريم العذراء. فكشف له عن سرّ سعادتها، مبيّنًا دور الإيمان والبساطة والبراءة والحياة بالمسيح في تكوين تلك السّعادة... عسانا نتسلَّح بإيمان العذراء هذا في وجه الإلحاد، ببساطتها في وجه التفلسف، ببراءتها في وجه الإنفلات الجنسيّ، بتواضعها في وجه الكبرياء، بروحها الخدوم في وجه الأنانيّة، بتجرّدها في وجه الطّمع والتعدّي، بوادعتها في وجه العنف والإنتقام، بشهادتها للمسيح وكنيسته في وجه شهود يهوه وجميع الهراطقة الذين ينسلخون عن الكنيسة، جسدِ المسيح السرّيّ، فينسلخون عن المسيح وعن العذراء أُمّه وأمّ الكنيسة (ومن ينسلخ عن أُمّه، متنكّرًا لها ومتهجّمًا عليها، ألا يكون ابنًا عقوقًا؟)... وعسانا نتسلّح بحياتها الرّوحيّة في وجه الرّوح المادّيّة، فنبلغ بذلك شيئًا من سعادتها.

 

 

جميل نعمةالله السقلاوي

مرسل لعازريّ

 

 

macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية