مريم هي "الأُمّ"

 

 

 

مريم هي "الأُمّ"

 

وُجِدَتِ المرأة لتكون أُمًّا... لتحتضن الإنسان في أحشائها، ثمّ بعطفها وحنانها، فتجمّل حياته بأناقتها، ورقّتها، وابتسامتها.

 

ووُجِدَتْ لتكون مربّية، أي لتساعد الإنسان في تكوينه ونموّه، جسديًّا وروحيًّا. ومن ثمّ فإنّ أقدس واجباتها أن تخلق جوًّا من الحنان الأُمومي يساعد مَن حولها على قساوة العيش.

 

لتَغِب المرأة عن بيئةٍ ما، تنزلق البيئة إلى القساوة والخشونة... لتَحْضَرِ المرأة، تَشِعّ الأناقة واللياقة والتهذيب والنعومة... أجل، إنّ حضور المرأة يغيّر كلّ شيء. نلحظ ذلك في المدارس المختلطة، حيث الشبّان يُظهرون الكثير من التهذيب واللياقة، ولو دون دروس في التهذيب واللياقة.

 

أثناء الحرب العالميّة الثانية، كان في قاعة أحد المستشفيات أربعون مريضًا. لم يكن الأكل يُشهّي. ذات يوم، ألحّ عليهم الممرّضون بخشونة لكي يتناولوا الطعام، فلم يسمعوا لهم. فاطلّت عليهم راهبة، وراحت تقول لكلّ منهم، وهي تبتسم بكلّ لطف ومحبّة: "يلاّ يا شاطر! وْلَنُّو نصّ الأكلات، حتّى تتقوّى وتصحّ!" النتيجة؟ الأربعون مريضًا أكلوا ما قُدِّم لهم...

 

هذا مثل من ألف عن تأثير المرأة... لدى مرور تلك الرّاهبة وكلامها الحلو، هل أصبح الطعام يشهّي أكثر؟... حضورها النّاعم، لطفها، ابتسامتها، محبّتها، كلّ ذلك أراح أعصاب المرضى وحلّ تعقّدهم، فأكلوا بشهيّة...

 

أخبَرَني أحدُهم كيف أنّه عَدَلَ عن "لعب القمار" بفضل زوجته. كانت هذه غير راضية عنه. لكنّها عرفت يومًا أنّه "متضايق" جدًّا، وهو يكاد "يلعب على المحبس" (خاتم الزواج). فأتت إلى نادي القمار ومدّتْه بالمال... من يومها، رذل هذه العادة المشؤومة.

 

المرأة أُمّ، متزوّجةً كانت أم بتولاً. ودعوتها أن تساعد الإنسان، بروحها الأُموميّة، في تكوين شخصيّته وفي صراعه مع الحياة... يقول نابوليون إنّ "وراء كلّ رجل عظيم امرأة". هكذا، لولا السيّدة دي غوندي، لما كان منصور دي بّول ذلك المصلح والمنقذ العظيم... ألم يقل الربّ: لا يَحسُن أن يكون الإنسان وحده، فأصنع له عونًا بإزائه" (تك 2/ 18)؟

 

ولمّا كانت الأُمّ المثاليّة هي العذراء الأُمّ مريم، أصبح لا بدّ من اللّجوء إليها والتتلمذ لها... هل لحظتم تأثيرها على يسوع في عرس قانا الجليل، وعلى جوّ العرس ككلّ؟ كان فراغ الخمر قد هدّد بشحن الجوّ بالتأفّف والتذمّر والإنتقاد المرّ، وإحراج العروسين أمام المدعوّين. تدخّلت مريم لدى ابنها يسوع. أجابها أنّ ساعته "لم تأتِ بعد". لكنّه عاد فصنع أُولى آياته... كان لمريم من التأثير ما جعلها، على حدّ قول سعيد عقل، "تُخربط ساعة الله!".

 

الأُمّ تحتضن. إحتضنت مريم العرس كلّه، وتبنّت همّ العروسين المُحتمَل وذويهما، وجعلت جوّ الفرح يشعّ حتّى النهاية...

وهكذا إحتضنت الأحد عشر تلميذًا، نهار سبت النّور. جاء في أحد التأمّلات القديمة ما يلي:

"سبت النّور يومُ العذراء مريم. الجثمان الطاهر في القبر. بطرس نكر المسيح. الرّسل في حال تشتُّت وضياع. الكنيسة في انحلال.

قالت مريم ليوحنّا: "إذْهب وأُتِ ببطرس وسائر الرّسل". جمّعتْهم حولها في بيت عنيا.

- مرتا، قدّمي لهم أكل!

- يوحنّا، عينك على بطرس لا تْخلّيه يروح!

- بطرس، قرِّبْ صوبي. حاج بَقى. تذكّر شو قال لك، وكيف صلّى حتّى لا ينقص إيمانك. إيّاك تعمل متل يوضاس، بْتفتَح بقلبو جرح أبديّ!..".

ذلك النهار، الكنيسة كلُّها كانت في حضن مريم. كما وكانت في حضنها صباح العنصرة، إذ كانوا جميعًا "عاكفين معها على الصلاة بنفس واحدة" (أع 1/ 14).

 

ما أسمى دعوتَكِ، أيّتها العذراء مريم، يا شريكةَ المسيح في بناء ملكوت الفداء!

وما أسمى دعوتك، أيّتها المرأة، شريكةَ الرّجل في بناء العالم! فالعالم يكون عالمًا إنسانيًّا أو لا يكون، بقَدْر ما تكونين أو لا تكونين أمينة وفيّة لدعوتك...

فيا أُمًّا طاهرة، يا حوّاء الحقيقيّة، صلّي لأُمّهاتنا، صلّي لراهباتنا ولبنات العالم أجمع! أسبغي عليهنّ النّعمة، يا أُمّ النعمة الإلهيّة! صلّي لأجلنا جميعًا. كوني لنا مثالاً في الطهر والصّفاء والنّقاء. وكوني لنا ملجأً حصينًا وحِضنًا دافئًا.

 

 

" مريم من أنتِ؟ في خدمة البشارة"

جميل نعمةالله السقلاوي

مُرسل لعازريّ

 

macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية