مريم "والدة الله" المتجسِّد

 

 

 

 

مريم "والدة الله" المتجسِّد

 

 

ولا يُمكن الحديث عن مريم إلّا مرتبطة ارتباطـًا وثيقـًا بابنها يسوع المسيح. فيسمِّيها يوحنّا "أمّ يسوع" (2/ 1، 3، 5، 19/ 25، 26)، لا وفقـًا للعادات الشرقيَّة فقط حيثُ تُدعى المرأة "أمُّ فلان" (فسائر الإنجيليِّين يُسمّونها: "مريم")، بل بغية ربطها بابنها. وفي الإيقونوغرافيا المسيحيَّة – ولا سيَّما الشرقيَّة – لا يُصوِّر الفنّانون مريم إلّا مع ابنها يسوع المسيح. ونريد أن نُظهر قطبَين مُتكاملين، أوّلهما تسمية مريم "والدة الإله"، وثانيهما اعتبارها بنت خلاص ابنها.

 

"مريم والدة الله"

إنَّ العلاّمة أوريجانس (180- 254) هو أوّل من سمَّى مريم "والدة الله"، ومن بعده تبنَّت مدرسة الإسكندريَّة هذه التسمية، حتّى إنَّ كيرلّس الإسكندريّ كرَّسها في مجمع أفسس (431). فلمَّا كان نسطوريوس يرجّح تسميتها "والدة المسيح" (Christotokos) بسبب شكّه في ألوهيَّة يسوع، أقرَّ المجمع بأنّها "والدة الله" (Théotokos) و"أمّ النّور الحقيقيّ".

ويقول الكاردينال نيومان (Newman) في شأن هذا الارتباط بين مريم وألوهيَّة المسيح:

"إنّ البلاد والشعوب التي فقدت الإيمان بألوهيّة المسيح هي تلك التي أهملت التقوى نحو والدته".

فهل نعتبر أنَّ مريم قد أعطت يسوع جسده البشريّ، بيد أنَّ الرّوح القدس أعطاه ألوهيّته؟ إنَّ في مثل هذا العرض لسرِّ المسيح ثنائيَّة (Dualisme)، ما بين لاهوته وناسوته، هي وليدة الهرطقة النسطوريَّة. فالرّوح قد اشترك في تجسُّد الله الكلمة في أحشاء مريم العذراء، لذلك ورد في صيغة قانون الإيمان النيقيّ – القسطنطينيّ: "تجسَّد من الرّوح القدس ومن مريم العذراء وصار إنسانًا". ولمّا كان دورهما مختلفين اختلافـًا نوعيًّا، يرجَّح تعريب الصيغة كالآتي:

"تجسَّد بالرّوح القدس من مريم العذراء وصار إنسانًا".

ولقد تعدَّدت أقوال الآباء تعبيرًا عن سرِّ الأمومة الإلهيَّة:

"هي السّماء حاملة اللآهوت" (أفرام السّرياني).

"إنَّ اسم والدة الله وحده يحتوي على كلِّ سرِّ القصد الإلهيّ في العالم". (يوحنّا الدِّمشقيّ).

"إحتفل الملك السّماويّ بعرس ابنه إذ أعطاه الكنيسة شريكة، فكانت أحشاء مريم مضجع عرس هذا العريس الملكيّ" (Henri de Lubac).

وبالمثل إنَّ الأناشيد الليتورجيّة في مجمع الطقوس تنشد بسرِّ مريم هذا، فهي:

"حاملة شمس البِرّ".

"الله نور والنّور أشرق من مريم" (ثيوتوكيات قبطيّة).

وتُعير لها التقوى الشعبيّة صورًا كتابيَّة تعبِّر عن أمومتها الإلهيَّة، فهي "تابوت العهد" و"سلّم يعقوب" و"هيكل سليمان"... حيث يسكن الله في وسط شعبه، إذ أعطته "عمّانوئيل"، أي "الله معنا".

 

مريم بنت خلاص ابنها

وإن كانت مريم "والدة الله" المتجسِّد، فإنّها في الآن ذاته بنت خلاصه، إذ إنّه فداها بتجسُّده وموته وقيامته، وإن كان بصورة مسبقة كما رأينا في عقيدة "الحبل بلا دنس"، وإذ إنّها تجاوبت مع خلاصه هذا. وهذا ما تغنّى به الآباء شرقـًا وغربًا:

"يا ابني الذي أعطى أمَّه ميلادًا ثانيًا من الماء لأنّي أنا أختك من بيت داود أبينا كلّنا، وأنا أمُّكَ أيضًا لأنّي حملتُكَ في أحشائي، وأنا ابنتُكَ من الماء والدّم اللذين بهما قد أشربتني وعمّدتني" (أفرام السُّرياني).

"إنَّكَ، أيُّها السيِّد، مع أمِّكَ وحدكما كلّيا القداسة، لأنّكَ بلا عيب، أيُّها السيِّد، وأمُّكَ لا خطيئة لها" (أفرام السُّرياني).

"بحسب الرّوح، هي مولودة من (ابنها)" (أوغسطينوس).

"صارت مريم مُطوَّبة بسبب تقبُّلها تقبُّلها الإيمان بالمسيح أكثر من تقبُّلها الحَبَل به (...) لو لم تحمل المسيح في قلبها، لكان تقرُّبها إلى المسيح بالجسد كأمّ له بلا ربح" (أوغسطينس).

 

مريم "عروس الرُّوح القدس"

مِمَّا يُلفت النظر أنَّ إنجيل يوحنّا يجمع ما بين الحديث المستفيض عن الرّوح القدس (يو 3، 4، 7، 14 – 16، 19، 20)، وعن مريم العذراء في بداية الإنجيل (يو 2) ونهايته (يو 19). وقد أطلقت التقوى الكاثوليكيَّة، وإلى حدٍّ ما الأورثوذكسيَّة أيضًا، صفات على مريم العذراء هي بالفعل صفات الرّوح القدس. فنريد إذاً توضيح العلاقة بينهما، ولا سيّما العرس والأمومة والقداسة والشفاعة والإرشاد.

 

العرس

لقد أبرز اللاهوت الرّوحيّ الشرقيّ دور مريم كـ"عروس الرّوح القدس"، من منطلق كلام الملاك لمريم:

"إنَّ الرّوح القدس سينزل عليكِ وقدرة العلّي تظلّلك" (لو 1/ 35).

فبقبولها اختيار الله لها، سلّمت شخصها لعمل الرّوح القدس كي تحبل من يسوع الله الكلمة. وإن كانت مريم "عروس لا عريس لها" كما تنشده الليتورجيا البيزنطيَّة، فلأنَّ عريسها ليس من لحم ودمّ بل هو الرّوح القدس نفسه، روح الآب، أبي يسوع المسيح.

 

الأمومة

والجدير بالذكر أنَّ "الرّوح" في اللّغة العبريَّة (Ruah) مؤنّث لا مذكّر، ممَّا يوحي بالأمومة، وقد كان في البدء، قبل خلق العالم:

"روح الله يرفّ على وجه المياه" (تك 1/ 2).

فروح الله مصدر الكائنات والحياة.

"ترسل روحكَ فيُخلقون وتجدِّد وجه الأرض" (مز 104/ 30).

هذا ويصف قانون الإيمان النيقيّ – القسطنطينيّ الرّوح القدس بأنّه "الربّ المُحيي"، فهو يمنح الحياة. فهكذا يشترك الرّوح ومريم في الأمومة، فيمنح الرّوح الحياة للخليقة كلّها عامّة وحياة يسوع المسيح للمؤمنين خاصّة، كما منحت  مريم الحياة ليسوع وكما أنّها "أمُّ الكنيسة" كما سنراه.

 

القداسة

ويصف التقليد الشرقيّ الروح القدس بأنّه "الكلّي القداسة" (Panaghion)، ولذلك فإنّه يقدِّس الكنيسة ولا سيّما مريم:

"إنّ الرّوح القدس ملأ كلَّ موضع منكِ: نفسكِ وجسدكِ، يا والدة الله" (من الليتورجيا القبطيّة).

ويؤكّد التقليد الشرقيّ أنَّ الرّوح قدّس مريم في البشارة وجعلها "كلّية القداسة" (Panaghia)، كما انَّ الرّوح نفسه "كلّي القداسة". ويشرح أحد اللاهوتيِّين الأرثوذكس من القرن الرابع عشر هذه التسمية:

"هي الكمال الكلّيّ لجمال الخليقة لأنّ الرّوح الذي يملأها هو روح الجمال" (Grégoire Palamas).

فليست مريم "كلّيَّة القداسة" بموجب عمل الآب والابن فحسب - "اختارنا (الآب) في (المسيح) قبل إنشاء العالم لنكون في نظره قدِّيسين، بلا عيب في المحبَّة" (1/ 4) – بل بموجب عمل الرّوح القدس أيضًا، عمله منذ حبلت حنّة بها.

ويعترض الأب الرَّاهب متّى المسكين على تسمية مريم "كلّيَّة" القداسة، إذ إنَّ "الكلّيَّة" تخصّ الله وحده. فيفضِّل بالتالي تعريب التعبير كالآتي: "القدّيسة في كلِّ شيء"، مِمَّ يعبِّر عمَّا يستأثر به الله كمصدر لقداسة مريم.

 

الشفاعة

ولقد تحدّث يسوع عن الرُّوح القدس بأنّه Paraklètos، أي المدافع، المحامي، الشفيع، المعزّي (يو 14/ 16، 26، 15/ 26، 16/ 7)، مثل يسوع نفسه (1يو 2/ 1). ويعلن بولس أنَّ الرّوح القدس يشفع (باليونانيّة Entugkano) في المؤمنين (روم 8/ 26، 27) مثلما يشفع يسوع نفسه (روم 8/ 34، عب 7/ 25).

ولقد طبَّقت الكنيسة هذه الصِّفات على مريم، إذ سمَّتها "المحامية" (باللاتينيّة Advocata)، معتمدةً على شفاعتها. وهذا ما جعل الكنيسة الكاثوليكيَّة الغربيَّة في تقواها تهمل بعض الشيء الرّوح القدس لحساب مريم العذراء، مانحة إيَّاها ما يمنحه يوحنّا الإنجيليّ أو بولس الرّسول للرّوح القدس من صفات وأعمال. وفي هذا الصدّد يقول الفيلسوف اللاهوتيّ الفرنسيّ المعاصر Jean Guitton في كتابه عن "مريم العذراء": بين الرّوح والأمّ علاقة".

 

الإرشاد

وإنَّ "الرّوح القدس" يعلّم "الكنيسة ويُرشدها ويُذكِّرها" بكلام يسوع، كما يورده يوحنّا (14 – 16)، كما أنَّ يسوع هو المرشد إلى الينابيع الحيَّة، أي إلى الرّوح القدس (رؤ 7/ 17).

ولقد طبَّقت الكنيسة ذلك أيضًا على مريم العذراء، خاصَّة ً وأنَّ الكلمة الوحيدة التي وجَّهتها إلى البشر هي بمثابة إرشاد لهم:

"مهما قال لكم فافعلوه" (يو 2/ 5).

وكما أنَّ مريم قد سمعت كلام الله وحفظته وعملت به، فهي ترشد المؤمنين في أن يفعلوا مثلها. وبهذا المعنى قال أوريجانس في شرحه لإنجيل يوحنّا:

"لا يستطيع أحد أن يفهم الإنجيل ما لم يمل إلى صدر يسوع أوّلاً ثمَّ يتسلّم مريم لتكون أمًّا له هو أيضًا".

 

"من انتِ أيّتها الكنيسة"

الأب فاضل سيداروس اليسوعيّ

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية