مريم والكاهن

 

 

مريم والكاهن

 

في إرشاده الرّسوليّ "الإكرام المريميّ" (1974)، يقول السّعيد ذكره البابا بولس السادس: "إنَّ مريم، عدا عن كونها مثالاً للكنيسة جمعاء في ممارسة العبادة الإلهيَّة، فهي أيضًا وبكلِّ تأكيد مُعلِّمة الحياة الرّوحيَّة لكلّ مسيحيّ. فمنذ البداية أخذ المؤمنون يتطلّعون إلى مريم ليتشبّهوا بها، ويجعلوا من حياتهم عبادة الله، ومن عبادتهم إلتزام حياة" (العدد 21).

 

سنُحاول في مقالتنا تطبيق هذه الكلمات على حياة الكاهن الشخصيَّة والرّوحيَّة وعلى خدمته الرّعويَّة، فنقدِّم مريم مدرسة روحيَّة لا مثيل لها في عيش الإيمان والتكرّس والصّلاة.

 

 

1- مريم نموذج في الإيمان

الخطّ الرّوحيّ الأوّل الذي تقدّمه مريم للكاهن هو الإيمان. فمن شهادة العهد الجديد بمجملها حول مريم، يبرز بوضوح الموقف الأساسيّ الذي يُميِّز حياة هذه المرأة ودورها: الإيمان. فإذا كان يسوع، الكلمة المتجسِّد، يستقي كلامه وأعماله من عمق علاقة الوحدة الكيانيَّة التي تربطه بأبيه السّماويّ، فمسيرة أُمّه مريم تتميَّز بكونها مسيرة إيمان حيّ. يطيب للوقا الإنجيليّ أن يُقدِّم مريم بصفتها المؤمنة التي تُردِّد كلمات الربّ، وتتأمَّل بها في قلبها (لو 2/ 19 - 51)؛ وسلام أليصابات لها يبرز هذه الصّفة: "طوبى للتي آمنت بأنّه سيتمّ ما قيل لها من قبل الربّ" (لو 1/ 45).

 

في رسالته العامّة "أُمّ الفادي"، يُقيم السّعيد الذكر البابا يوحنّا بولس الثاني مُقارنة بين إيمان مريم وإيمان إبراهيم (عدد 14): مثلما كان إيمان إبراهيم في بداية العهد القديم، كذلك إيمان مريم في بداية العهد الجديد. والإيمان هو، في حالة إبراهيم ومريم، ثقة بالله، وانقياد وطاعة له، واستسلام كامل لمشيئته. في قولها "نعم لله" الذي أراد أن يتجسَّد ابنه منها، بقوَّة الرّوح القدس، قدَّمت مريم جسدها وذاتها مكانًا لحضور الله. هكذا بين "نعم المسيح الأزليَّة" (عب 10/ 5 - 7) و "نعم" مريم التاريخيَّة أصبح التجسُّد حقيقة والخلاص واقعًا. يقول القدّيس أغوسطينوس: "قبلت مريم الكلمة في ذهنها قبل أن تقبلها في حشاها. إنّها مؤمنة بابنها قبل أن تكون أُمّه". لقد عاشت مريم إيمانها وحافظت على "نعمها" حتّى في أحلك السّاعات وأقسى المواقف كوقوفها أمام الصّليب حيث إختبرت العذراء ما يعرف بلغة المتصوّفين "ليل الإيمان"، ليل التجرُّد والإخلاء والوحدة. أمام الصّليب، إتّحدَت مريم بابنها، ومثله طابقت إرادتها مع إرادة الآب، فحقَّقت بذلك نموذج التلميذ الكامل على حسب قول السيِّد: "من أراد أن يتبعني فليزهد بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني" (متّى 16/ 24). الإيمان هو إشتراك في صليب المسيح وموته طريقًا أَوحَد للمشاركة في قيامته ومجده.

 

على مثال مريم، "الكاهن هو أيضًا شخصيَّة إيمانيَّة". إنّها ثابتة في تقليد الكنيسة المقدَّس وفي تعليمها. ترتدي عبارة "الكاهن رجل إيمان" معنيّين رئيسيّين: إنّه يعيش إختبارًا إيمانيًّا شخصيًّا ومميَّزًا، وإنّه يخدم إيمان الجماعة. فالكاهن الذي يعلن الكلمة لا بُدَّ من أن يكون أوَّل من يؤمن بها. فهو لا يستطيع أن يكرز أو أن يُعلِّم بما لا يؤمن به، وإلاّ أصبح مرائيًا؛ وكلمة الكاهن تحدث تأثيرًا مزدوجًا إذا كانت مقرونة بشهادة حياة مؤمنة وملتزمة. في تحريضه للبابا أوجانيوس، يقول القدّيس برنردوس: "دفّق مياهك على السّاحات العامّة فيرتوي منها الإنسان والحيوان، ولكن إشرب أنت مثلهم جميعًا، من الماء المتدفّق من بئرك".

 

في مدرسة مريم الإيمانيَّة، يتعلَّم الكاهن أن يعيش طاعة الإيمان المطلقة والإستسلام الكلّي الواثق لإرادة الربّ في كلّ ما يقوله ويعمله. عليه أن يترك الله يقود خطاه في خدمته الكهنوتيَّة، وأن يُطابق بين إرادته وإرادة الربّ. تُعطي طاعة الإيمان هذه الكاهن قدرة مميَّزة على قراءة علامات حضور الله في حياته، وتساعده على مطابقة حياته وخدمته معها، حتّى عندما تضحي هذه العلامات غامضة أو مؤلمة. في هذه الحالة لا يفقد رجل الإيمان ثقته وإيمانه بإلهه الذي يبقى إله الرّجاء والقيامة.

 

لم يكن إيمان مريم إيمانًا فكريًّا. فما آمنت به مريم عاشته. لقد عبَّرَت مريم عن إيمانها في قبولها بأن تضحي أُمّ الكلمة المتجسِّد، وفي اتّباعها لها حتّى الصّليب. هنا يتحوَّل الإيمان إلتزامًا وخدمة. والكاهن يُجسِّد إيمانه في خدمته الكهنوتيَّة التي تتمحور، بشكل أساسيّ، حول خدمة إيمان الجماعة. إنّه يلتزم بأن يكون مُعلِّمًا في الجماعة يكرز بكلمة الله أساس الإيمان، ويُعلِّم إيمان الكنيسة، ويوزِّع أسرار الإيمان، ويخدم جماعة "أبناء الإيمان العامّ". في هذه الخدمة، يبرز الكاهن كرجل كنيسة بامتياز. فهو لا يقوم بخدمته باسمه الشخصيّ، ولا يُعلِّم أفكاره الخاصَّة وآراءه الذاتيَّة، بل يخدم باسم الكنيسة، ويُعلِّم باسم الكنيسة، ويُدبِّر باسم الكنيسة. ولكي يقوم بذلك عليه أن يقتدي بتواضع مريم التي على الرّغم من أنَّ الربَّ أوكل إليها أعظم دور في تدبيره الخلاصيّ، وأخطره، فهي لم تعتبر ذلك إمتيازًا لها بل قالت بكلّ تواضع وإمّحاء: "ها أنا أمَة الربّ... الذي نظر إلى تواضع أمته" (لو 1/ 38 - 48). نعم، إنَّ خدمة إيمان الكنيسة تتطلَّب من الكاهن أن يواضع فكره وعقله، ويضع طاقاته وإمكانيّاته في خدمة هذا الإيمان، وإلاّ أضحت خدمته خدمة خارجيَّة من دون أي تأثير عليه أو علاقة وتفاعل شخصيّ معها.

 

أخيرًا، نقول مع البابا يوحنّا بولس الثاني: "المطلوب منّا جميعًا هو أن نؤمن بالكهنوت كما نؤمن بالعماد والإفخارستيّا... إنَّ أوَّل أمانة تُطلَب من الكاهن هي أن يستمرّ على الإيمان بسرّه هو، وأن يستمرّ على الإيمان بهذه النّعمة التي نالها" (حديث سنة 1982).

 

 

2- مريم نموذج في تكريس الذّات

الإيمان الذي عاشته مريم من البشارة حتّى الصّليب جعل من حياتها حياة مُكرَّسة لله. فهي بقبولها الحرّ بأن تكون أُمّ الفادي، قد إنصرفت كلّيًّا لهذه الخدمة، مُكرَّسة لها ذاتها، ذهنًا وروحًا وجسدًا. لقد إنفتحت مريم بالكامل على إرادة الربّ، وقبلت بأن تلد الكلمة، فجعلت من الله أساس حياتها الأوحد، ومن مشروعه الخلاصيّ مشروع حياتها الوحيد. هذا ما عبَّر عنه إيمان الكنيسة بتكريمه مريم بصفتها "الدّائمة البتوليَّة". تعني بتوليَّة مريم الدّائمة أنَّ وجودها بالكليَّة لم يرتبط، في أيّ وقت من الأوقات، بنشاط من نوع بشريّ: لقد كانت حياة مريم موضوعة كلّها في خدمة تجسُّد الكلمة. من البديهيّ أنَّ مريم لم تكن لتنذر نفسها لخدمة الربّ لو لم يكن هذا التكرُّس يعكس إختيارًا روحيًّا عميقًا عندها، إختبارًا رضعه تقليد الكنيسة تحت علامة الفقر حين رأى في روحانيَّة مريم تجسيدًا لروحانيَّة "فقراء يهوه" (التي تجلَّت بأبهى معانيها في نشيدها). لم يُشكِّل "فقراء يهوه" جماعة أشخاص مُحدَّدين، بل روحانيَّة خاصَّة تتميَّز بالإنفتاح الكلّي على الله، وانتظار خلاصه في موقف تجرُّد وتخلّ عن كلّ قوّة ورجاء بشريّ، والإستعداد الكليّ وغير المشروط للمشاركة في التّدبير الخلاصيّ. أليس هذا ما عاشته مريم حتّى آخر لحظة من حياتها؟ لقد سلَّمَت البتول أمرها لله وتركته يُقرِّر معنى وجودَها محوِّلاً مشروعها البشريّ (أن تكون زوجة يوسف) إلى مشروع إلهيّ (أن تكون أُمّ ابن الله). طبعًا ما قامت به مريم يُعبِّر عن حبّ حقيقيّ وخالص لله، ما دفعها إلى أن تُعطي ذاتها بلا حدود أو تردُّد أو شروط.

 

"الدّائمة البتوليَّة" هي الصّفة التي ستعرف بها الكنيسة مريم بشكل دائم، في تفكيرها اللاّهوتيّ، وفي صلاتها، وفي روحانيَّتها، كأنّي بها تقول: "من أراد أن يُدرك شيئًا من سرّ مريم، عليه أن ينظر إلى بتوليّتها (مقرونة بأُمومتها الإلهيَّة)؛ وهي تقدّمها، في هذا المعنى، نموذجًا لها وللمؤمنين. لنسمع ما يقوله المجمع الفاتيكاني الثاني في هذا الخصوص: "والكنيسة بتأمُّلها في قداسة العذراء العجيبة، وإقتدائها بمحبَّتها، مُتمِّمة بأمانة مشيئة الآب، تصير هي أيضًا أُمًّا بقبولها بالإيمان كلمة الله: فبالبشارة والمعموديَّة تلد، لحياة خالدة، أولادًا يحبل بهم من الرّوح القدس، ويولدون من الله. وهي أيضًا عذراء إذ قطعت لعريسها عهدًا تحفظه كاملاً غير مشوب بشائبة. واقتداء بأُمّ ربّها، تحفظ بقوَّة الرّوح القدس، في نقاوة عذريَّة، الإيمان كاملاً، والرّجاء راسخًا، والمحبَّة خالصة (دستور عقائدي "في الكنيسة"، عدد 64). يواصل هذا النصّ تقليدًا عريقًا في القدم في الكنيسة يعتبر دفاع الكنيسة الدّائم والثّابت عن إستقامة الإيمان (ORTHODOXIE) واستقامة الممارسة (ORTHOPRAXIE) الطريقة الفضلى التي تعيش من خلالها الكنيسة بتوليّتها. في المقابل، يعتبر تقليد الكنيسة الهرطقة زنى لأنّها تدخل عنصرًا غريبًا وطرفـًا ثالثـًا على العلاقة الحصريَّة الصافية بين الكنيسة وربّها. من هنا تنشد أنشودة مريميَّة من القرن التاسع: "إفرحي أيّتها البتول! لقد غلبت هرطقات العالم كلّها".

 

إذا كانت الدّعوة الموجّهة إلى الكنيسة عامَّة هي أن تفتدي ببتوليَّة أُمّ ربّها، فكم بالأحرى على الكاهن أن يسعى في الإتّجاه عينه. من بتوليَّة مريم الدّائمة، يأخذ خادم الكنيسة الموقف الرّوحيّ الأفضل الذي يحبّ أن يطبع حياته ويميِّز خدمته: الإنفتاح الصّافي على الله، والإنصراف الكلّي للخدمة. لا يمكن للخدمة الكهنوتيَّة أن تكون ثمرة جهد بشريّ، ولا خدمة مؤقّتة أو بدوام جزئي. فالذّات الكهنوتيَّة التي إكتسبها الكاهن يوم رسامته (من خلال علامتي وضع يدي الأسقف والمسح بالميرون المقدّس) هي عطيَّة صافية مجّانيَّة من الله، وهي ذات سيحملها مدى حياته، سمة ستميِّزه أينما ذهب ومهما فعل. الرّسامة تعني أنّ هذا الشخص قد اختاره الرّوح القدس وفرزه أي كرّسه كلّيًّا للخدمة المقدّسة. لا نبالغ إذا قلنا أنّ قبول سرّ الكهنوت (شأنه في ذلك شأن سائر الأسرار) يقتضي موتًا عن "ذات قديمة" وحياة في "ذات جديدة" (هذا ما تعبّر عنه، بشكل رمزيّ رائع، رتبة الرّسامة في الطقس اللاتيني حيث ينطرح المرشَّح كلّيًّا بوجهه على الأرض في موقف تجرُّد وتخلّ كامل). لم يعد الكاهن يملك ذاته، فهو وضعها كلّيًّا في خدمة الكنيسة، وسخَّر لها طاقاته وجهودَه ومقدّراته. لنسمع، مرّة أُخرى، يوحنّا بولس الثاني يقول: "الكاهن الذي قبض عليه المسيح يصبح رجل الغير، معدًّا للملكوت، غير مُنقسم القلب" (خطبة سنة 1980). ما أجمل هذا المعنى للحياة الكهنوتيَّة!

 

يستدعي هذا التفرُّغ موقفًا روحيًّا آخر يجمّل الخدمة الكهنوتيَّة: الفقر. لقد قيل الكثير وكتب الكثير عن فقر الكاهن. نحن لا نقصد الفقر هنا بالمعنى المادّي فقط، بل وبشكل خاصّ الفقر بمعنى التجرُّد والتخلّي عن كلّ إدّعاء وضمانة وقدرة بشريَّة في تتميم العمل الكهنوتيّ، والإتّكال الكلّي على نعمة الله القادرة على أن تجعل هذا العمل عملاً مثمرًا ومقدّسًا. على الكاهن أن يعرف، من جهّة، أن يتخلّى عن كلّ رغبة في الظهور واحتلال المراكز الأولى وإظهار البراعة والقدرة على التأثير على النّاس إلى ما هناك من دواعي إعتداد بشريّ؛ وعليه، من جهّة أُخرى، أن يتعلَّم، من خفاء عذراء النّاصرة، أن يتراجع إلى المركز الثاني ليترك المسيح يحتلّ المركز الأوَّل في حياته وخدمته. ليكن شعار كهنوته المفضَّل قول يوحنّا المعمدان: "لا بُدَّ له من أن يكبر ولا بدَّ لي من أن أصغر" (يو 3/ 30).

 

في رسالته إلى أبنائه الكهنة بمناسبة خميس الأسرار (1998)، يحرِّض البابا يوحنّا بولس الثاني "الكاهن على أن يطابق" "نعمه" مع "نعم" مريم مسلِّمًا القيادة مثلها للرّوح. ولسوف تعضده العذراء في اختياره الفقر الإنجيليّ وتعدّه للإصغاء بتواضع وصدق لإخوته... وتقوده في سبل الطاعة الإنجيليّة كي يسيِّره المعزّي إلى أبعد من مخطّطاته الخاصّة، إلى الإنضمام الكامل إلى أفكار الله. ولسوف يعرف الكاهن، برفقة مريم، أن يُجدِّد كلّ يوم تكريسه إلى أن يلج أوقيانوس نور الثالوث، يقوده الرّوح نفسه، فيما يبتهل إليه بثقة على طريقه البشريَّة والكهنوتيَّة".

 

 

3- مريم نموذج في الصّلاة

لا نعرف الكثير عن مريم المصليَّة إذ إنَّ الكتب المقدّسة لم تشر إلاّ إلمامًا إلى هذه النّاحية من حياتها. فلوقا يكتفي بالإشارة إلى موقف مريم المتأمّلة في قلبها بما يجري معها من أحداث مرتبطة بأُمومتها الخلاصيَّة، ويضع، على لسانها، نشيدًا رائعًا لا تزال الأجيال تردِّدُه تطويبًا وتكريمًا لها، ويقدّمها، أخيرًا، في جماعة التّلاميذ المصليَّة في إنتظار عطيَّة الرّوح. إلى هذه التلميحات، يُمكننا إضافة طلب مريم من يسوع في عرس قانا الجليل "ليس لديهم خمر"، وطلبها من الخدم "إفعلوا ما يأمركم به" (يو 2/ 3 - 5) كعبارات تعكس موقف صلاة طلب وشكر مميّزة.

 

بدوره، صوَّر الفنّ المسيحيّ على مرّ العصور مريم في مشهد البشارة، في موقف صلاة عميقة. كما نظر التقليد المسيحيّ إلى مريم كمثال للحالة الرّوحيَّة التي تحتفل بها الكنيسة في ليتورجيّتها وأسرارها. مريم في نموذج لتلك الحالة الباطنيَّة التي يجب أن تطبع حياة الكنيسة في علاقتها بربّها.

 

في الإرشاد الرّسوليّ "الإكرام المريميّ" المذكور آنفًا، يُقدِّم بولس السادس تأمُّلاً عميقًا حول كيفيَّة التشبُّه بالعذراء المصليَّة، وذلك في نواحٍ ثلاث: مريم هي "العذراء الصاغية" (Virg audiens)، "والعذراء الضارعة" (Virgo orans)، "والعذراء المقدّمة" (Virgo offrens) (الأعداد 17 - 20).

 

مريم هي "العذراء الصاغية"، تلك التي تصغي إلى كلام الله وتتقبَّله بإيمان، وهذا هو موقف الصّلاة الفضلى. في صلاته، يتشبَّه الكاهن بمريم في الإصغاء لكلام الله، وقبوله، وإعلانه، وتوزيعه على المؤمنين، وقراءة أحداث الحياة وتفسيرها على ضوء هذا الكلام.

 

مريم هي أيضًا "العذراء الضارعة"، تلك التي تصلّي. هذه هي الصّورة التي عرفت بها الكنيسة مريم: مريم المصليَّة والمتشفِّعة في الكنيسة، وهي لم تتخلَّ أبدًا عن هذا الدّور. هذا ما يشهد عليه نشوء التقوى المريميَّة باكرًا جدًّا في الكنيسة، وعادة المسيحيّين بالتوجّه عفويًّا نحو والدة الإله طالبين شفاعتها وحمايتها (كما تشهد على ذلك صلاة "في ظلّ حمايتك" العريقة في القدم). في تاريخنا وتقليدنا المارونيّين، وضع أجدادنا وآباؤنا أنفسهم تحت حماية تلك الأُمّ الحنون، وحملوها معهم في حلّهم وترحالهم وهربهم من الإضطهادات، مردّدين ترنيمتها المفضّلة: "وإن كان جسمك بعيدًا منّا...".

 

على مثال مريم المصليَّة، يحمل الكاهن رعيّته والعالم في صلاته. إنّه ينقل، في صلاته وفي قدّاسه اليوميّين، إلى الله الآب في الابن وبقوَّة الرّوح القدس، نوايا وحاجات كلّ أبنائه الرّوحيَّة والحسيَّة، ويتوسَّل لأجل خلاصهم ونيلهم نعم السّماء وعطايا الخلاص. ما أجمل الشعور الذي ينتاب كاهن الرعيَّة عندما يقول له أحد أبناء رعيّته أو أيّ شخص آخر: "صلّيلنا يا بونا". نعم الكاهن تعرفه النّاس بأنّه ذاك الذي يصلّي ويتشفّع من أجلها. علّنا لا نفقد أو نشوّه بتصرّفاتنا هذه الصّورة لدى أبناء رعايانا.

 

أخيرًا مريم هي "العذراء المقدّمة"، التي حملت ابنها لتقدّمه للربّ، تقدمة مقبولة وذبيحة رضى كما يقول القدّيس برنردوس: "قدّمي ابنك أيّتها العذراء القدّيسة، وأظهري للربّ ثمرة أحشائك المباركة. قدّمي الضحيَّة المقدّسة التي ترضي، لأجل مصالحتنا" (عظة في عيد تطهير العذراء). هذه التقدمة بلغت ذروتها على الصّليب حيث إتّحدَت الأُمّ بتقدمة الابن لذاته، وتألّمت معه وقدّمته للآب الأزليّ. مع مريم المقدّمة يتّحد الكاهن كلّ يوم في احتفاله بالإفخارستيّا فصح الربّ، تذكار صليبه وموته وقيامته، ويُقدّم، باسم رعيّته ومعها ولأجلها، ذبيحة الابن بقوَّة الرّوح القدس إلى الآب. كما يجهد الكاهن ليجعل من حياته الكهنوتيَّة بكليّتها تقدمة لله، ممّا يقوده تلقائيًّا إلى الدّخول في منطق الألم والبذل الذي تقتضيه هذه التقدمة. في عيشه الألم الملازم لخدمته الكهنوتيَّة، يشترك الكاهن بآلام المسيح الخلاصيَّة التي تتجدَّد يوميًّا لخلاص الخطأة ولتقديس العالم (وله في خوري آرس خير مثال على ذلك). لكنَّ هذا الألم هو الألم المقبول بثقة والمعاش برجاء، والذي لا بدَّ من أن يقود إلى القيامة. على الكاهن أن يكون، في قلب كنيسته وفي قلب العالم، "ذبيحةً مُعاشة"، "خبزًا مأكولاً" بحسب العبارة الجميلة للطوباوي أنطوان شفرييه.

 

يقول السَّعيد الذكر البابا يوحنّا بولس الثاني: "مَن أكثر مِن مريم يستطيع أن يجعلنا نتذوَّق عظمة السرّ الإفخارستيّ؟ لا أحد يستطيع مثلها أن يُعلِّمنا بأيّ حرارة يجب علينا أن نحتفل بالأسرار المقدّسة، وأن نبقى برفقة ابنها المستتر تحت حجاب الإفخارستيّا. إنّي أتوسَّل إليها، إذًا، من أجلكم جميعًا، وأعهد إليها بكم، ولا سيّما بالأكبر سنًّا والمرضى والذين في أزمة. في فصح السّنة الإفخارستيّة هذا، يسرّني أن أُردِّد لكلّ واحد منكم كلام يسوع العذب والمطمئن "ها هي أُمّك" (يو 19/ 27)... وأنتِ يا مريم، أُمّ المسيح، أنتِ تقبّلتنا عند الصّليب كأبنائك الأخصّاء مع الرّسول يوحنّا، فتابعي سهرك على دعوتنا. إنّا نأتمنك سنوات الخدمة التي ستمنحنا العناية الإلهيَّة أن نحياها بعد. كوني إلى جانبنا كي تقودينا في سبيل العالم، إلى ملاقاة الرّجال والنّساء الذين إفتداهم ابنك بدمه. ساعدينا على أن نتمّ حتّى النهاية إرادة يسوع المولود منك لخلاص البشر".

 

 (رسائل إلى الكهنة بمناسبة خميس الأسرار 1996 و 2005).

 

الخوري أنطوان مخائيل

 

                 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية