مريم والكنيسة: عرس قانا الجليل

 

  

مريم والكنيسة: عرس قانا الجليل

 

 

مريم والكنيسة: عرس قانا الجليل

 

تظهر مريم، في إنجيل القدّيس يوحنّا ذات البنية اللّاهوتيّة، مرَّتين فقط وفي وقتين أساسيِّين من حياة المسيح: أوَّلًا في عرس قانا الجليل (يو 2/ 1 ـ 12) وثانيًا عند الصّليب (19/ 25 ـ 27). وفي كلتا الرِّوايتين يسمِّي الإنجيليّ مريم "أمّ يسوع" ("أمَّه") (أربع مرَّات في قانا وأربع على الصَّليب)، بينما يناديها يسوع ذاته "يا مرأة". هذا من جهّة ومن جهّة أخرى، يذكر يسوع، في عرس قانا، ساعته التي تدلّ، في مفهوم يوحنّا، إلى وقت انتقال الابن "من هذا العالم إلى الآب، (13/ 1) ووقت تمجيده (12/ 23، 27، 17/ 1)، مُفترضًا ارتفاعه على الصّليب. وبعد كلام المصلوب إلى مريم ويوحنّا، في حين أنّ كلّ شيء قد تمّ، ذكرت السّاعة أيضًا (19/ 27). ومن الثابت أنَّ هاتين الرِّوايتين مرتبطتان الواحدة بالأخرى ارتباطـًا أدبيًا ولاهوتيًا وثيقًا، وسنرى أنّ هذين الحدثين، في مراحل مختلفة، يجعلان مريم تُدرك رسالتها الجديدة بالنسبة لدعوتها الأولى لأن تكون أمّ ابن الله بالجسد.

استيقظت مريم، أمّ الله وأمّ ابن الله بالجسد، كما يرسمها لنا القدّيس لوقا في بداية إنجيله، على بعد جديد لدعوتها، في قانا ثمّ عند الصّليب، حسب إنجيل يوحنّا، في حدثين تذكرهما الأناجيل الإزائيّة (متى 12/ 46 ـ 50، لو 11/ 27 ـ 28).

 

عرس قانا الجليل

من الصّعب علينا أن نشقّ طريقًا لشرح حدث قانا الجليل من خلال الشّروحات المتعدِّدة التي نقلها إلينا التقليد. وسكوتنا عن هذا التفسير أو ذاك، بدون مناقشة، لا يعني استبعاده، فليس من اختصاصنا هنا دراسة تاريخ هذه الشّروحات التي تكمِّل بعضها بعضًا، بل نريد فقط أن نتبع هذا النصّ الغنيّ والمهمّ، مختارين الحلول التي تبدو لنا الأصوب والأقل جرأة والتي توضح دعوة مريم.

 

معنى عرس قانا الجليل

في اليوم الثالث، كان في قانا الجليل عرس وكانت فيه أمّ يسوع. فدعي يسوع وتلاميذه إلى العرس (يو 2/ 1 ـ 2). لنضع أوّلًا هذه الرواية في مخطـَّط إنجيل يوحنّا المبنيّ تبعًا لمخطـَّط أعياد إسرائيل الطقسيّة. يوسّع يسوع رسالته ويبني تعليمه على رمزيّة هذه الأعياد. وتقوم رسالته المسيحانيّة بتتميم الآيات التي تظهر مجده الآتي بين النّاس ليُقيم بينهم مسكنه:

"والكلمة صار جسدًا

فسكن بيننا

فرأينا مجده

مجدًا من لدن الآب لابنٍ وحيد

مِلؤه النعمة والحقّ" (يو 1/ 14).

 

هذه الكلمات من إنجيل يوحنّا توجز معنى تجسّد ابن الله ورسالته: صار جسدًا وسكن بيننا، كالخيمة المقدّسة عند الإسرائيليِّين في الصَّحراء، حيث كان يسكن مجد يهوه. وقد أظهر مجده بآياتٍ عجائبية حتّى أنّ الرسل استطاعوا أن يروه. فهو مجد الله، أي حضوره المقدّس بين البشر لأنّه الابن الوحيد وفيه ملء النعمة والحقّ. ويختتم يوحنّا إنجيله بقوله "وأتى يسوع أمام تلاميذه بآيات أخرى كثيرة لم تدوّن في هذا الكتاب. وإنّما كُتِبت هذه الآيات لتؤمنوا بأنّ يسوع هو المسيح ابن الله. فإذا آمنتم نلتم باسمه الحياة" (يو 20/ 30 ـ 31).

إختار يوحنّا في إنجيله مجموعة من آيات المسيح، مصحوبة بكلام يوضحها، ليبرهن أنّ يسوع هو المسيح ابن الله، وينير الإيمان الذي يعطي الحياة.

 

ونستطيع أن نقسم إنجيل يوحنّا حسب مخطـَّط الأعياد الطقسيّة التي حضرها يسوع وتمَّم فيها آياته وأعطى تعاليمه:

1ـ المقدمة: "الكلمة صار بشرًا... فرأينا مجده..." (1/ 1 ـ 18).

2ـ الأسبوع الافتتاحيّ للأيّام السَّبعة، المنتهي بالآية الأولى في قانا: الماء المستحيل خمرًا (1/ 19 ـ 2/ 12).

3ـ الفصح الأوّل والعودة إلى الجليل عن طريق اليهوديّة والسَّامرة. هذا الفصح انتهى بالآية الثانية في قانا: شفاء إبن عامل الملك (2/ 13 ـ 4/ 54).

4ـ العيد الثاني قد يكون العنصرة: آية شفاء مقعد بيت ذاتا (5).

5ـ فصح آخر: آية تكسير الخبز والسَّير على المياه (6).

6ـ عيد المظال: في الخريف: آية شفاء الأعمى منذ مولده (7/ 1 ـ 10/ 21).

7ـ عيد تجديد الهيكل: شتاء: إقامة لعازر من الموت (10/ 22 ـ 11/ 54).

8ـ أسبوع الآلام (11/ 55 ـ 18/ 27).

9ـ الفصح الأخير ـ الصَّلب والطعن بالحربة (18/ 28 ـ 19/ 42).

10ـ الأسبوع الأخير لظهورات المسيح بعد القيامة:

من أحد الفصح إلى أحد توما: آيات القيامة تختتم بالحديث عن الإيمان بالآيات دون رؤيتها "طوبى للذين آمنوا ولم يروا" (20/ 1 ـ 29).

11ـ خاتمة إنجيل الآيات (20/ 30 ـ 31).

12ـ ملحق في حياة الكنيسة وعودة المسيح (21/ 1 ـ 23). مع نتيجة جديدة تشير إلى الآيات (21/ 24 ـ 25. قابل 21/ 25 بـ 20/ 30).

 

نلاحظ على ضوء هذا المخطـَّط أنّ الآية الأولى في قانا جرت في نهاية الأسبوع الأوَّل لرسالة يسوع وقبل الفصح الأوّل الذي فيه نظفّ الهيكل وتنبَّأ عن قيامة جسده، الهيكل الجديد (2/ 13 ـ 25) ومن ثمّ أعطى نيقوديموس تعاليمه عن الولادة الجديدة بالماء والرّوح والحقّ (4/ 1 ـ 42). وبين هذين التعليمين يأتي يوحنّا المعمدان ليدلّ إلى المسيح كعروس الجماعة المسيحانيّة والكنيسة (3/ 22/ 36). وأخيرًا عاد يسوع إلى الجليل وصنع الآية الثانية في قانا فشفى إبن عامل الملك (4/ 43 ـ 54). وينتهي أسبوع الآلام السّابق للفصح الأخير بآخر ظهور مجد المسيح، كما كانت قانا، في نهاية الأسبوع الأوّل، أوّل ظهور لهذا المجد. وتجري ظهورات المسيح بعد القيامة في أسبوع ختامي ينتهي بأحد توما.

 

هكذا نرى الإنجيل مبنيًا على مخطـَّط الأعياد الطقسيّة الستة (ثلاثة أعياد فصح، عيد عنصرة على الأرجح، عيد المظال وعيد تجديد الهيكل) مع ثلاثة أسابيع رئيسيّة هي الأسبوع الإفتتاحي  وأسبوع الآلام والأسبوع الختامي بظهورات المسيح القائم من الموت. وينتهي الأسبوعان الأوّلان بظهور مجد المسيح (الأوّل في قانا الجليل والأخير الصّلب ثمّ القيامة. إنّ الدِّقة في تحديد الأيَّام، والموازنات الأدبيّة، وبنية الرّوايات أدهشت علماء الكتاب حتّى أقاموا المقارنات، يوحيها إنجيل يوحنّا، المطابقة لأسلوبه اللّاهوتيّ في التفكير وفي شرح تاريخ يسوع.

 

وفي اليوم الثالث، كان عرس في قانا الجليل. إنّ تحديد الأيّام بدقة، في بداية رسالة المسيح يُبيّن تتالي الأيّام السَّبعة التي يتألف منها الأسبوع الافتتاحي، ونتيجة هذا التتالي السَّريع فإنّنا لا نتوقف على المعنى التسلسليّ الدّقيق لهذا الأسبوع، بل على معناه اللّاهوتيّ. أراد الإنجيليّ اللّاهوتيّ أن يعطي هذا الأسبوع الافتتاحي معنى صوفيًا. وتحديد اليوم الثاني، ثلاث مرّات (1/ 29 ـ 35، 43)، والدقة في ذكر اليوم الثالث، بعد اليوم الرابع (2/ 1) يعنيان توالي الأيّام التي ترمز إلى سبعة أيّام الخليقة. يبدأ القدّيس يوحنّا مقدِّمته بكملة "في البدء" كما يفعل في سفر التكوين (تك 1/1 ، يو 1/ 1). وتبدأ رسالة المسيح، كما تبدأ الخليقة بأسبوع رمزيّ، فيريد الإنجيليّ أن يُرينا بذلك أنَّ الخلاص المسيحانيّ هو خلق جديد في المسيح، "الكلمة الذي كان في البدء والذي به كان كلّ شيء" (1/ 1 ـ 3)، والذي صار بشرًا (1/ 14). إنّ الكاتب الكهنوتيّ لرواية الخليقة الأولى (تك 1/ 1 ـ 2/ 3) بنى مخطـَّطه على ستة أيَّام رمزيّة ليُرينا الأصل الإلهيّ لليوم السَّابع، كيوم راحة لله (تك 2/ 1 ـ 3)، كذلك وضع يوحنّا أعمال الخليقة الجديدة في أسبوع يتوافق يومه السّابع مع عرس قانا حيث صنع يسوع آيته المسيحانيّة الأولى، أي في أسبوع رمزيّ، وضع يسوع المسيح أساسات الخليقة الجديدة والجماعة المسيحانيّة والكنيسة، داعيًا الرسل فردًا فردًا ليكونوا دعائم هذا البناء الجديد. ثمّ في اليوم السابع، علامة الرَّاحة الأخيرة، اشترك في فرح عرس قانا الذي يرمز إلى أعراس الله المعادية مع شعبه وإلى وليمة المسيح في الملكوت، وأظهر مجده بالآية الأولى لبنوته الإلهيّة.

 

يمكننا تقسيم هذا الأسبوع الرَّمزي على الشكل التالي:

اليوم الأوّل: شهادة يوحنّا المعمدان الأولى: "أنا لست المسيح...  ذاك الذي يأتي بعدي..." (1/ 19 ـ 28).

اليوم الثاني: شهادة يوحنّا المعمدان الثانية "هوذا حمل الله الذي يحمل خطيئة العالم...

رأيت الرّوح ينزل كأنّه حمامة فيستقرّ عليه... هو مختار الله" (1/ 29 ـ 34).

اليوم الثالث: دعوة إندراوس وتلميذ آخر من تلاميذ المعمدان. "هوذا حمل الله".

 "تعاليا وانظرا" (1/ 35 ـ 39).

دعوة سمعان بطرس "ستُدعى كيفا" (1/ 40 ـ 42).

اليوم الرابع: دعوة فيليبس: "إتبعني" (1/ 43 ـ 44).

دعوة نتنائيل "رابي أنت إبن الله، أنت ملك إسرائيل" (1/ 45 ـ 51).

اليوم السابع: عرس قانا في اليوم الثالث بعد دعوة فيليبس ونتنائيل.

 

إنّ تدرّج هذا الأسبوع الافتتاحي واضح جدًا: يوحنّا المعمدان يمّحي (اليوم الأوّل) ليظهر المسيح (اليوم الثاني). وتلميذان من تلاميذ يوحنّا المعمدان يتركان معلّمهما ليلتحقا بيسوع (اليوم الثالث)، وإثنان آخران يتبعان يسوع، أحدهما نتنائيل الذي يمثل إسرائيل الحقيقيّ (اليوم الرابع)، وأخيرًا عرس قانا حيث أسَّس يسوع إسرائيل الجديد، الجماعة المسيحيّة، في الإيمان بابن الله الذي صنع آية مجده الأولى تسيطر على هذا الأسبوع الافتتاحي شهادة يوحنّا هوذا حمل الله، حبيب الله، كرّرها نتنائيل قائلًا: "أنت ابن الله، أنت ملك إسرائيل". هذه الشّهادة المزدوجة التي تعطي المسيح أربعة ألقاب رئيسيّة تجد مبرّرها وتفسيرها في معجزة قانا حيث يظهر المسيح كحمل الله في هذا العرس السرِّي، وكحبيب الله في آيته المسيحانيّة.

إنّ مخطـَّط الأسبوع الافتتاحي اللّاهوتيّ يفرض أنّ يُسمّى  كلّ يوم باسمه كما في قصَّة الخلق. إلّا أنّ في هذا التعداد ثغرة تُرينا نيّة الإنجيليّ في تعيين اليوم السّابع وكأنّه الثالث بعد الحدث الأخير المشار إليه أي دعوة فيليبس ونتنائيل.

 

تعيين اليوم الثالث مألوف وذات مدلول في إنجيل يوحنّا، وهو جزء من التقليد المسيحيّ القديم، يدلّ إلى قيامة المسيح. كتب القدّيس بولس إلى أهل قورنتس يقول: "بلّغت إليكم قبل كلّ شيء ما تلقيته وهو أنّ المسيح مات من أجل خطايانا، كما جاء في الكتب، وإنّه قبر وقام في اليوم الثالث كما جاء في الكتب" (1 قور 15: 3 ـ 4). في هذا القول اعتراف بدائي تقليديّ بالإيمان. رأينا في روايتيّ معجزة عرس قانا وشفاء ابن عامل الملك في قانا (4/ 46 ـ 54) يصنّفهما القدّيس يوحنّا بالترتيب الواحدة بالنسبة للثانية (4/ 46) فهما إذا أولى الآيات وثانيتها، وكلتاهما تمّتا في قانا. ويجري الحدث الثاني بعد يومين من السّابق، كما أنّ يوحنّا يضع الأولى في اليوم الثالث. فهل فكر بنبوءة هوشع عن قيامة إسرائيل؟ هذا ممكن:

"هلمّوا نرجع إلى الرَّبّ

لأنّه يفترس ويشفي

يجرح ويعصب

يحيينا بعد يومين

وفي اليوم الثالث يقيمنا

فنحيا أمامه" (هو 6/ 1 ـ 2).

 

وفي كلّ الأحوال فإنّ معجزات الشّفاء آيات تظهر قدرة المسيح على الأجساد وترمز إلى القيامة. والآية الثانية في قانا هي شفاء وإحياء، يحرص الإنجيليّ على وضعها بعد يومين ليذكّرنا بقيامة المسيح.

وفي رواية إحياء لعازر، آية مجد المسيح الكبرى التي تظهر قدرته على الموت، يحدّد يوحنّا عدد الأيّام ولهذا التحديد مغزى (11/ 1 ـ 44). "ذهب يسوع إلى ما وراء الأردنّ، وعندما  بلغه خبر مرض لعازر، مكث في مكانه "يومين"، ثمّ قال لتلاميذه لنعد إلى اليهوديّة" (11/ 6 ـ 7). ويذكر يوحنّا من جديد أن يسوع مكث بإرادته يومين، وفي اليوم الثالث ذهب إلى بيت عنيا ليقيم صديقه من الموت. إن ذكر اليومين يقودنا، مرّة أخرى إلى التّفكير بقيامة المسيح.

 

إنّ موقع عرس قانا في نهاية الأسبوع للخليقة الجديدة، وذكر الأيّام الثلاثة التي تشير، عند يوحنّا، إلى قيامة المسيح، يظهران الآية الأولى معجزة الخمر كأنّه ظهور يجد اكتماله وملئه في الآية الأخيرة التي تنصّب فيها سائر الآيات، أعني قيامة المسيح في صباح أحد الفصح. هذا الأسبوع الافتتاحي الذي ينتهي في عرس قانا الجليل، يتلوه مباشرة، حسب إنجيل يوحنّا، عيد الفصح في أورشليم حيث يظهر المسيح قدرته كابن الله على الهيكل. وهنا أيضًا تشير الآيات الثلاث مباشرة إلى القيامة "انقضوا هذا الهيكل وأن أبنيه في ثلاثة أيّام. وكان يعني هيكل جسده" (1/ 19 ـ 21). قبل هذا الفصح الأوّل حيث أعلن المسيح عن قيامته تلميحًا، يأخذ عرس قانا معناه الفصحيّ.

 

وأخيرًا ينتهي أسبوع الآلام بآية مجد المسيح الأخيرة، في الفصح الأخير. وتكون آية ظهور مجد المسيح القائم من الموت، في الأسبوع الختامي، هي الآية الفريدة التي أشعت أحد الفصح في أعين بطرس ويوحنّا ومريم المجدليّة. وفي المساء، في أعين التلاميذ ما عدا توما. ثمّ يظهر مجد المسيح لتوما ظهورًا خاصًا بعد ثمانية أيّام فيؤمن.

يجب أن نقرأ إنجيل يوحنّا كلّه على نور القيامة الفصحيّة التي أشرقت في الأيَّام الثمانية الأخيرة وأن نفهم الأسبوع الذي يفتتح رسالة المسيح، وعرس قانا ذروته، على نور مجد المسيح في أحد الفصح.

 

يرمز عرس قانا الذي تمّ في اليوم السَّابع من الأسبوع الافتتاحيّ إلى سبت الله الجديد، إلى راحة المسيح بعد أيَّام الخليقة الجديدة، وإلى تأسيس الجماعة المسيحانيّة باختياره التلاميذ. يرمز هذا اليوم الجديد إلى راحة الكنيسة في ملكوت الله، لأنَّ لعرس قانا معنى مَعاديًا. أضف إلى ذلك أنّه تمّ  في "اليوم الثالث" وقبل الفصح مباشرة، فهو يرمز إلى قيامة المسيح بالمجد. لهذا علينا أن نفسِّر هذه الرواية على نور القيامة الفصحي، بحسب تفكير يوحنّا الإنجيليّ. ولعرس قانا معنى فصحي لموقعه التسلسلي من أيَّام الأسبوع.

 

صنع المسيح آيته الأولى في العرس فعرفنا الدور الهام الذي  يلعبه موضوع عرس يهوه مع شعبه، في العهد القديم، ليدلّ إلى الخلاص النهائي (أنظر هوشع). أمّا في العهد الجديد فهو رمز الوحدة بين ابن الله وكنيسته في نهاية الأزمنة: "يشبه ملكوت السَّموات ملك أقام وليمة لابنه" (متى 22/ 2)، ويذكّر عرس الحمل، في سفر الرؤيا، بمجيء الملكوت الأخير: "لنفرح ونبتهج ولنمجِّد الله لأنَّ عرس الحمل قد حان وتزيَّنت عروسه..." (رؤ 19/ 7 و 9) "طوبى للمدعوّين إلى عرس الحمل...". وفي الأسبوع الأوّل، يسمِّي يوحنّا المعمدان المسيح "حمل الله" مرَّتين، وهو إسم هام، في نظر الإنجيليّ، للدلالة إلى العبد المتألم، ويسمِّيه المعمدان، في غير مكان، "عروس الجماعة المسيحانيّة". يسمِّيه "الحمل والعروس" وهما إسمان مَعاديان يدلان إلى المسيح الذي يتمِّم، بذبيحته كعبد متألم، وحدة شعب الله مع ربِّه، التي لا تنفصم، في الأعراس الصوفيّة. ويجمع بولس هذين الموضوعين بقوله: "أيُّها الرِّجال، أحبُّوا نساءكم كما أحبَّ المسيح الكنيسة وبذل نفسه عنها... هذا السِّرّ عظيم أقوله بالنسبة للمسيح والكنيسة" (أف 5/ 25، 32).

 

وموضوع الفداء موضوع مسيحاني ومَعادي معًا. فالمسيح يأكل مع خاصَّته على المائدة المسيحانيَّة وغالبًا ما يشبّه الملكوت بمائدة: "كثيرون يأتون من المشرق والمغرب ويجلسون إلى المائدة مع إبراهيم واٍسحق ويعقوب في ملكوت السَّماء" (متى 8/ 11)، ويلحّ الإنجيليّ كثيرًا على دور الخمر في عرس قانا  فيكرِّر الكلمة ست مرَّات. وكميَّة الماء المستحيل خمرًا هائلة: ست أجاجين تحوي كلّ منها مكيالين أو ثلاثة أي ما يُعادل 45 ليترًا فيكون المجموع تقريبًا 600 ل.

 

لقد اتّخذ الخمر، وكثرته في العهد القديم، قيمة رمزيّة مسيحانيّة: بركة الرَّبّ التي ترافق الخلاص يعبر عنها في رمزيّة كثرة الخمر والحنطة والزيت، بالإضافة إلى موضوع العرس:

"فإنّه كما إنّ شابًا يتزوج بكرًا

كذلك بنوك يتزوّجونك

يسرّ بكِ إلهك...

الذين استغلّوا تلك هم يأكلونها

ويسبِّحون الرَّبّ

والذين أحرزوا هذه هم يشربونها

في ديار قدسي" (أش 62/ 5 ، 9).

 

"فيأتون ويرنِّمون في علاء صهيون

ويجرون إلى طيبات الله

إلى القمح والنبيذ والزَّيت..." (إر 31/ 12 ، هو 2/ 7 ـ 11، 14/ 8، عا 9/ 14).

 

وتتوسَّع الكُتب المنحولة في موضوع كثرة القمح والخمر فيأخذ حجمًا كبيرًا (1 هانوك 10/ 19 ، بار سير 29/ 5) وتأتي بركة يعقوب ليهوذا على ذكر الخمر أيضًا:

"لا يزول صولجان من يهوذا

ولا عصا القيادةِ من بينِ قدَميه

إلى أن يأتيَ صاحبُها وتُطيعَه الشُّعوب.

رابط ٌ بالجفنةِ جَحشَهُ

وبأفضلِ كرمَةٍ ابن حِمارته.

غسلَ بالخمرِ لباسهُ

وبدمِ العنبِ ثوبَه.

عيناهُ أشدُّ ظلمة ً من الخمر

أسنانهُ أشدُّ بياضًا من اللّبن". (تك 49/ 10 ـ 12).

 

وكذلك أتت بركة إسحق ليعقوب على ذكر الخمر: "يعطيك الله من ندى السَّماء ومن دسم الأرض، يكثر لك الحنطة والخمر... وبالحنطة والخمر أمددته..." (تك 27/ 28، 37).

 

إنّ الخمر هو علامة بركة الله، ويرمز إلى إعادة المسيح، الذي يثبت إلى الأبد، لملك إسرائيل شعب الله على أرض الميعاد الملأى بالخمر والقمح والزيت. وخمرة عرس قانا ترمز إلى إعادة الملك المسيحاني الذي يحقـِّـقه المسيح. وكانت وافرة جدًا في قانا حتّى فاضت على أي عرس مهما كان عدد المدعوِّين إليه. بهذه الإشارة إلى كثرة الخمر تحدّد آية قانا العرس الذي يشترك فيه المسيح وتلاميذه في مخطـَّط الوليمة المسيحانيّة، وعودة إسرائيل الرمزيّ في بركة إله إسرائيل الفيّاضة.

 

فالخمر في قانا هي علامة الملكوت الآتي، حسب قول المسيح في العشاء السِّرِّي على كأس المائدة الفصحيّة "أقول لكم لا أشرب بعد الآن من عصير الكرمة حتى يأتي ملكوت الله" (لو 22/ 18). وهي خمرة جيّدة تلي الخمر الدون على حدِّ تعبير رئيس المتكأ: "جرت عادة النّاس أن يقرِّبوا الخمرة الجيّدة أوّلا ً فإذا أخذ منهم الشّراب قرَّبوا ما كان دونها في الجودة. أمَّا أنت فحفظت الخمرة الجيِّدة إلى الآن" (يو 2/ 10).

 

خمرة قانا هي علامة العالم الجديد الذي خلقه المسيح خلال هذا الأسبوع الأوّل من الخلق الجديد فخمرة الخلق الجديد الجيّدة تلي ما دونها في الجودة في العالم القديم. والعهد الجديد يلي العهد القديم المنتهي، وملكوت الله يلي زمن الكنيسة، حسب قول المسيح في العشاء السِّرِّي: "الحقّ أقول لكم لا أشرب بعد من عصير الكرمة حتّى يأتي يوم فيه أشربه خمرة جديدة في ملكوت الله" (مر 14/ 25، راجع 2/ 22). إنّ موضوع جدّة العالم الذي أعاده المسيح نجده في الإنجيل بعد معجزة قانا مباشرة. بعد أن حوّل المسيح الماء خمرًا جيدة، في قانا، علامة الخلق جديد، طهّر هيكل أورشليم حيث تكلّم عن جسده كهيكل جديد (يو 2/ 19) وشرح لنيقوديموس سرّ الولادة الجديدة بالماء والرّوح (يو 3/ 5) وأعلن للسَّامرية عن العبادة بالرّوح والحقّ (4/ 23) وأخيرًا دلّ بمعجزات الشّفاء وإحياء لعازر على الحياة الجديدة في المسيح (يو 4/ 50...).

 

ليست خمرة قانا رمزًا لإعادة المُلك المسيحاني بوفرتها ورمزًا للعهد الجديد بجودتها وحسب، بل هي أيضًا رمز لكلام المسيح، حكمة الله وكلمته، وإلى  سرِّ جسد ودمّ المسيح، وليمة الكنيسة الطقسيّة.

وقيام خمرة عرس قانا مقام ماء التطهير الطقسيّ عند اليهود الموجود في الأجاجين الست يدلّ إلى معنى الخمرة الطقسيّ. لقد أعِدَّت هذه المياه إلى العرس ليتمكّن المدعوُّون من التطهير الطقسيّ فيغسلون أيديهم قبل الأكل. طلب المسيح أن تملأ الأجاجين ماء ويتحوّل هذا الماء إلى خمر، ويصبح ماء التطهير الناموسي، بشكلٍ عجائبيّ، خمر التطهير الرُّوحيّ المسيحاني بالحقِّ وبدم المسيح وبالكلام وبالإفخارستيا. لقد رأى أوريجينوس الإسكندريّ وغيره من الآباء، في خمرة قانا، عقيدة المسيح الجديدة، ورأى القدِّيس أفرام في الخمر الدّون شريعة موسى وفي الجيِّدة النعمة والحقّ. أمَّا إيرينيموس الليوني فرأى في خمر قانا رمز الدّم الإفخارستيّ السِّرِّي. لنستمع إلى نصَّين في العهد القديم تتكّلم فيهما الحكمة ويرمزان بالخمرة إلى الحقيقة:

"الحكمة بنت بيتها... ومزجت خمرها وصففت مائدتها

هلمّوا كُلوا من خُبزي

واشربوا من الخمر التي مزجت

اتركوا الغرارة واحيوا

انهجوا طريق الفطنة" (مثل 9/ 1 ـ 6).

"أيّها العطاش جميعًا، هلمّوا إلى الحياة

الذين لا فضَّة  لهم هلمّوا

هلمّوا ابتاعوا بغير فضَّة ولا ثمن خمرًا ولبنًا

اسمعوا لي سماعًا وكُلوا الطيب

ولتتلذّذ بالدَّسم نفوسُكم

أميلوا مسامعكم وهلمّوا إليّ

اسمعوا  فتحيا نفوسُكم" (أش 55/ 1 ـ 3).

 

المسيح هو الحكمة التي تقود تلاميذها إلى الوليمة المعدّة لتعطيهم خمر العقيدة الجديدة التي تحيِّيهم، لقد ألغيت شريعة التطهير الطقسيّ (الماء)، فلم تعد الشَّريعة تكفي، ولا الأنبياء (الخمر الدون)، فيجب أن يرتووا الآن من خمر كلام المسيح الجديد والممتاز، ومن الحكمة الحقيقيّة والحقيقة الكاملة التي يُعطيها المسيح. فالخمرة هي المسيح الذي يطهّر، لا رمزيًا كماء اليهود الطقسيّ، بل حقيقة. ويشير المسيح إلى فكرة التطهير هذه بكلام الحقّ:

"أنتم الآن أنقياء من أجل الكلام الذي كلّمتكم به" (يو 15/ 3)، ويقول في صلاته الكهنوتيّة: "قدِّسهم بكلمتك إنّ كلمتك هي الحقّ، ولأجلهم أقدّس ذاتي ليكونوا هم أيضًا مقدّسين بالحقّ" (يو 17/ 17، 19).

 

خمرة قانا الجيّدة، البديلة عن ماء التطهير الطقسيّ، والأجود من الخمرة الأولى التي قُدِّمت للمدعوِّين، هي رمز كلام المسيح، حكمة الله الحقيقيّة وعلامة الحقيقة التي تطهّر وتقدّس وتكرّس الذين يسمعون مبادئ المسيح الجديدة. والرمز أغنى من ذلك لأنّ لدينا دلائل تقودنا إلى تفسير سرّي لخمرة قانا. لقد رأينا اهتمام يوحنّا بالمعنى السرِّي واللّاهوتيّ ورأينا نيَّته في إبراز حياة أسرار الكنيسة عندما ذكر أحداث حياة المسيح التاريخيّة، فذكر العماد والإفخارستيّا في مشاهد مختلفة من حياة المسيح.

 

إنّ كلًّا من معجزتي عرس قانا وتكثير الخبز مرتبطة بعيد الفصح. بعد معجزة الخمر في قانا مباشرة وبعد معجزة تكثير الخبز، يقول الإنجيليّ: "وكان فصح اليهود قد قرُب" (يو 2/ 13، 6/ 4) هذا هو أسلوبه في ذكر العلاقة بين الحوادث الهامة في حياة المسيح وبين الأعياد الطقسيّة. وتتردّد هذه الجملة للمرّة الثالثة، قبل أسبوع الآلام والفصح الأخير، "وكان عيد الفصح قد قرب" (يو 11/ 55) وقبل أسبوع عيد المظال يلفت الإنجيليّ انتباهنا بقوله "وكان عيد الفصح قد قرب" (7/ 2). وهكذا عندما يشير إلى الأعياد الثلاثة التي يقدّمها بهذه الجملة المثيرة للانتباه. إنّ عرس قانا وتكثير الخبز مرتبطان بالفصح. ويلي ذكر الفصح معجزة قانا في حين يسبق تكثير الخبز، ومع ذلك فبين عرس قانا وذكر الفصح، يحرص الإنجيليّ على القول إنّ يسوع وأمّه وتلاميذه لم يمكثوا في كفرناحوم سوى أيّام قلائل، والغرض من ذلك ربط قصّة قانا بصعود يسوع إلى أورشليم للفصح.

 

ولا شكّ أنّ لعرس قانا وتكثير الخبز علاقة أكيدة بالعشاء الفصحي وبالافخارستيّا. فالمسيح هو الحمل الفصحيّ الكامل الذي يرفع خطايا العالم. ويموت المسيح عند ذبح الحمل الفصحيّ، في آخر الفصح. وكما إنَّ تكثير الخبز يرمز إلى خبز الإفخارستيّا، هكذا يرمز خمر قانا إلى خمر الافخارستيّا. ويلي تكثير الخبز كلام المسيح عن خبز الحياة في مجمع كفرناحوم (6/ 32 ـ 59). هذه العظة الطقسيّة تشرح معنى تكثير الخبز الرَّمزي. كان الخبز المادي رمز الخبز الرُّوحي "اعملوا لا للطعام الفاني بل للطعام الباقي للحياة الأبديّة الذي يعطيكموه ابن البشر لأنّ هذا قد ختمه الله الآب" (يو 6/ 27).

فإذا ختم الابن يوم عماده بختم القوّة، ختم الرّوح القدس، فليس من أجل صنع العجائب في النظام الطبيعيّ وحسب، بل ليأتي بآيات ترمز إلى حقيقة روحيّة أعمق وتدوم إلى الأبد. مُعجزة تكثير الخبز هي علامة توجِّه الإيمان إلى حقيقة روحيَّة، هي خبز الحياة، الطعام الباقي للحياة الأبديَّة. ويسوع هو خبز الحياة "النازل من السَّماء والذي يُعطي العالم الحياة" (6/ 32 ـ 40). وخبز الحياة هو أيضًا كلامه "التعليم الذي يأتي من الآب" الذي يؤكل ويُمتَص بالإيمان (6/ 44 ـ 50). وخبز الحياة هو أيضًا الإفخارستيّا "جسد ابن الإنسان" الذي يجب أن نأكله، ودمه الذي يجب على الإنسان أن يشربه لينال الحياة الأبديّة والقيامة في اليوم الأخير" (6/ 51 ـ 58).

إنّ معجزة تكثيرالخبز هي إذًا علامة توجّه الإيمان إلى المسيح، خبز الحياة، الذي يعطي هذا الخبز في كلامه إفخارستيته. وخطاب يسوع عن خبز الحياة هو خطاب عن شخص المسيح وتعليمه وعن جسده الإفخارستيّ. والمقصود هنا المسيح ـ الحكمة الذي يُعطي كلامه وجسده ودمه في آن واحد. وكما أن تكثير الخبز يوجّه الإيمان خاصّة إلى موضوع الخبز، خبز الكلام وخبز الإفخارستيّا، كذلك توجّه آية عرس قانا الإيمان إلى موضوع الخمر، خمر الحكمة وخمر الإفخارستيا. والخمر، رمز العقيدة المسيحيّة الجديدة، هو أيضًا رمز خمر الإفخارستيّا الذي يوزّعه المسيح على تلاميذه في العشاء السِّرِّي. ليلة خميس الأسرار، علامة دمه المسفوك ورمزًا للخمرة التي لن يشربها إلى أن يأتي في ملكوت الله (لو 22/ 18)، ورمزًا للخمرة التي سيشربها في ملكوت الله (مر 14/ 25). ومن المدهش أن تكون الخمر وحدها إشارة كافية وواضحة إلى الإفخارستيّا، في حين أن الجزء الأخير من الخطاب عن خبز الحياة هو مقدّمة للدّم إلى جانب الجسد للدلالة إلى العشاء السِّرِّي بشكليه. ولو عدنا إلى حادث الطعن بالحربة، المذكور في آخر إنجيل يوحنّا (19/ 31 ـ 37. أنظر... 1 يو 5/ 6 ـ 8)، لرأينا أن الدّم الذي خرج من جنب  المصلوب يشير إلى سرِّ الإفخارستيّا  بينما الماء يرمز إلى العماد.

 

لخمرة قانا التي تحلّ محلّ ماء التطهير الطقسيّ رمزيّة غنيّة جدًا: ترمز وفرته إلى الملك المسيحانيّ، وجودته إلى العهد الجديد، وتقدمته في وليمة العرس تشير إلى وليمة الحكمة والملكوت وترمز إلى كلام  المسيح ودمه الإفخارستي.

نستطيع أن نقيس هنا الأهميّة اللّاهوتيّة التي يعطيها الإنجيليّ والكنيسة لمعجزة الخمر. لأوَّل مرَّة، في نهاية الأسبوع الأوّل من رسالة المسيح، يُظهر يسوع رمزيًا مجده كمسيح وكابن الله. يتجلّى هذا المجد كاملًا يوم قيامته. وفي علامة الخمر، يبشِّر بإعادة الملك المسيحاني وبالعهد الجديد ويرمز إلى كلامه الذي هو الحقيقة، وإلى دمه الذي هو حضوره الحقيقيّ في الكنيسة. لم يكن تلاميذه يُدركون تمامًا هذا السِّرّ الذي سيفهمونه فيما بعد. يقول الإنجيليّ، بعد كلام المسيح عن هيكل جسده (2/ 19 ـ 21) "ولمّا قام من بين الأموات تذكّر تلاميذه أنّه قال هذا فآمنوا بما كتب وبالكلام الذي قاله يسوع" (2/ 22). وعلى ضوء القيامة ونعمة الرُّوح القدس وفي حياة الكنيسة، سيفهم التلاميذ الأسرار التي تتضمنها  آيات المسيح. وفي رواية قانا كما في إنجيل يوحنّا كلّه، يجب التمييز بين المخطـَّط التاريخيِّ الذي قد يدركه التلاميذ وبين المخطـَّط اللاهوتيّ والوصفيّ الذي يعيه الإنجيليّ والذي يحدّد بنية روايته والحاجة إلى بعض المواضيع وأسلوبه الأدبيّ.

 

ونستطيع أن نفهم، مع معطيات غنى عرس قانا اللاهوتيّ، لماذا أبرز يوحنّا أهميَّة هذه الآية الأولى جاعلا ً منها "أولى الآيات" التي تظهر مجد المسيح ومُنطلق إيمان الرُّسل الصَّريح بألوهيّة معلّمهم. فمعجزة عرس قانا هي آية أساسيّة تتضمَّن في رمزيتها معنى بقيَّة الآيات. وليست هي أولى الآيات وحسب، بل كما يقول النصّ بداية الآيات (Archètôn, Sèmeiôn) لم يبد مجد ابن الله ظهورًا واضحًا وأكيدًا، في إنجيل يوحنّا، إلّا في مقدمته "وأظهر مجده" كما لو أنّ نهاية الرواية تحملنا فجأة إلى ما بعد حياة المسيح وموته، أي إلى قيامته. فيظهر المسيح في مجد ابن الله ويثير إيمان التلاميذ الصريح في مسيحانيته. هذه النتيجة هي ذروة معجزة قانا ولا معنى لها إلّا في ظهور المجد الإلهيّ. ومن المستحيل أن نقرأها كما نقرأ حلقة من رواية تعالج نوعًا من التطور النفسي. لقد وضع يوحنّا نصب عينيه، منذ بداية القصَّة، النتيجة التي بلغتها في الذروة: "فأظهر مجده". فمنذ البداية هو ابن الله، وهو المسيح الحكمة الذي يعي وعيًا كاملًا ما يفعل وما يقول وما ينشد من هدف. منذ بداية رواية عرس قانا، كان المسيح ينوي أن يصنع معجزته الأولى يبدأ آيات مسيحانيته ويتمِّم هذه الآية الأولى الأساسيَّة فيحوّل الماء خمرًا، فتحوي معنى سائر الآيات الفصحي. وهي بداية آيات المسيح ومثالها.

 

وليست هي معجزة ـ قدرة وحسب، بل معجزة ـ آية تظهر مجد ابن الله أي حضور الله بالذات فيه بكلِّ المواهب التي تنتج عن هذا الحضور لأجل إيمان التلاميذ. هذا هو معنى الآية (Sèmeiôn) في إنجيل يوحنّا، إنّ ما يعطيه المسيح في المعجزة هو ذاته. فالمسيح هو المجد، ويمنح ثمار حضور هذا المجد فيه. هي عجائب يسوع التاريخيّة وأسرار الكنيسة أيضًا المرموز إليها بهذه المعجزات، وتتحِّد المعجزات التاريخيّة وأسرار الكنيسة، في نظر يوحنّا، بمفهوم الآية. فالمعجزة كعلامة عطيّة الله هي رمز السرّ في تاريخ المسيح، والسرّ كعلامة مجد الله هو استمرار المعجزة في حياة الكنيسة. يسوع نور العالم (9/ 5)، يهب النّور للأعمى منذ ولادته (9/ 7)، وهو القيامة (11/ 25) فيمنح لعازر القيامة (11/ 43). وهو خبز الحياة (6/ 35) فيعطي جسده، الخبز الحيّ، لحياة العالم (6/ 51). وهو الحقّ ومجد الله (1/ 14) فيعطي خمر الحكمة وخمر حضوره السرِّي في عرس قانا. أتى يسوع إلى العرس ليظهر مجده ويكشف إنّه هو مجد الله ويعطي بهذه الآية تلاميذه الإيمان به.

 

"مريم أمّ الرّب ورمز الكنيسة"

ماكس توريان

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية