مريم والكنيسة

 

 

مريم والكنيسة

 

مقدمة:

        تكريم العذراء مريم هو من صميم الرّوحانيَّة الشرقيَّة لأنّه يعبّر عن الهدف الذي يتوق إليه كلُّ مسيحيّ. فتكريمها في مختلف طرقه وعباراته، هو دائمًا، التسبيح الذي يرفعه المؤمن لله الذي يعمل العظائم. لقد كانت مريم قائدتنا إلى القداسة، إذ أصبحت والدة الإله وأمَّنا أجمعين. إنّها المثال الإيماني للمسيحيّ عندما تفوّهت بكلمة "نعم" للدعوة الإلهيّة. لقد قطعت عهدًا شخصيًّا جديدًا مع الله وسلكت سبيل الرّوح، وكانت لها ولادة جديدة. لقد أصبحت بالتالي، عضوًا في الكنيسة لأنّها أمَةُ الله، وهي التي سمعت كلامه وحفظته.

 

يوحنا 3/ 1-8 الولادة من علُ

        نيقوديمس هو واحد من هؤلاء "الكثيرين" الذين آمنوا بيسوع، بفضل الآيات التي أتى بها. ولكنّ الإيمان المقتصِرَ على المظهر الخارجيّ للأشياء لا يوحي ثقة ليسوع. لا يكتفي يسوع بهذا الإيمان الناقص، بل يطلب المزيد. وهذا هو موضوع الولادة الجديدة الرُّوحيَّة بالإيمان بشخص المسيح. يدخل بالتالي، رئيس اليهود في حوار مع "المعلّم" بعد أن شدّد يسوع على: "ما من أحدٍ يمكنه أن يرى ملكوتَ الله، إلّا إذا وُلِدَ من علُ" (آية 3). لم يفهم نيقوديمس ما عناه يسوع بالولادة الجديدة التي "تتمّ بالماء والرُّوح".

 

        يدعو المسيح الإنسان - الجسديّ لأن يحقّق دعوته -  الرُّوحيَّة التي تفوق الفهمَ والإدراك. هذه الدعوة أساسيَّة للإنسان، ومع ذلك فهو لا يستطيع معرفتها إلّا إذا كشفها له المسيح، ولا تحقيقها إلّا بنعمة الرُّوح المؤيّد. فالتناقض صعب الفهم على الخليقة، ولذا فإنّها مدعوَّة لأن تشارك في حياة الله، أو بعبارة أخرى، "لأن تشارك في ما لا تلده أحشاء الأمّ" لقد قلق "المعلّم في إسرائيل" وتعجَّب أمام هذه الحقيقة وقال: "كيف يكون هذا؟" (آية 6).

 

        نسي نيقوديمس أنَّ شريعة العهد القديم قد هيَّأت هذا السرّ. لقد تنبَّأت الكتبُ المقدَّسة في أكثر من مقطع، عن تجديد الإنسان بروح الله. إنّها الولادة لحياة الإيمان العميق والحقُّ الذي يرى في المسيح ابن الله ويقوده نحو شخص وحيد الآب. تكتمل الولادة الرُّوحيَّة في الإيمان بالابن، ويصبح الإنسانُ خليقة جديدة في الرُّوح القدس الذي يقوم، بحسب يوحنّا، بدور المحرّك الرئيسيّ في حياة الإيمان.

 

        يزيد يوحنّا البشير عبارة "بالماء" ليشدِّد على أهميَّة العماد ورمزيَّة الماء في التقليد المسيحيّ القديم، لأنَّ الماء هي أيضًا، عنصر هامّ للولادة للحياة الأبديّة. وبالتالي، فالعماد المرموز له بالماء هو شرط أساسيّ للدخول إلى ملكوت الله. كذلك يشدِّد بولسُ الرّسول على العنصرين الهامَّين للحياة الجديدة: "فلمّا ظهر لطفُ الله... لم ينظر إلى أعمال برّ عملناها نحن، بل على قدر رحمته، خلّصنا بغسل الميلاد الثاني والتجديد من الرُّوح القدس... فنصير ورثة الحياة الأبديَّة" (طي 3/ 4-7). نرى من خلال النصَّين اليوحناويّ والبولسيّ، اهتمام الكنيسة الأولى بالعماد والرُّوح القدس للحياة الجديدة.

 

 

رومة 8/ 1-6 سلوك سبيل الرّوح

        علينا أن نعيش بحسب الرّوح إذا وُلدنا بالماء والرّوح. كما أنّه علينا أن نترك قيادة نفوسنا إلى الأقنوم الإلهيّ الذي يطبع فينا صورة المسيح. "يختم" الرّوح القدس الإنسان المعمَّد ليصبح هيكلاً له، وليُظهر فيه "الصورة" التي سقطت قديمًا "والمثال" الأول الذي هو على مثال الكلمة المتجسِّد. لا تكتمل هذه العمليَّة الخلاّقة إلّا في الأشخاص ذوي الإيمان الصحيح والعميق والقويم. ويأتي هذا الإيمان من الرُّوح القدس الذي يظهر لنا سرَّ البنوَّة الإلهيَّة إذ يدخل في أعماق الإنسان كلامَ الحياة والخلاص.

 

        هذا ما يدعو بولس حين يكتب إلى الرُّومانيِّين بأن يسلكوا "سبيل الرّوح" وإن ينزعوا "إلى ما هو للرّوح"، لأنَّ الرّوح "ينزع إلى الحياة والسلام". وإذا ما تجدَّد المؤمنُ وتحوَّل بروح الله الذي يهبه يسوع، استطاع أن يطيع مشيئة الله التي لم تعُدْ إكراهًا يُفرَض عليه من الخارج، بل صارت الشريعة الباطنيّة لحياته الجديدة. فلا غروَ بأنَّ الحياة الحاضرة تُشير إلى الموت بسبب الخطيئة والموت اللذين دخلا العالم (رو 5/ 12). ولكنَّ الحياة الجديدة في الرُّوح التي ينزع إليها المؤمن تسير إلى الحياة الأبديَّة بفضل برِّ الله الخلاصيّ. وإذا ما تركنا القيادة للرّوح القدس فإنّه يثمر فينا ثمار المحبّة والفرح والسّلام... (غلا 5/ 22-23).

 

 

حزقيال 36/ 24-28 عهد شخصيّ جديد

        عودة الشّعب إلى أرضه هي حافز للدّعوة إلى الخلاص. لأنَّ الله يدعو جميعَ أفراد الأمَّة للإشتراك في الشعب الجديد. ويقوم هذا التجديد أوَّلاً، على التطهير من النجاسات والقذارات جميعها. ويُعطينا النبيُّ صورة "الرشِّ بالماء" الذي يُستعمل في العبادة. كما أنَّ الخطيئة تُبعد الإنسان عن الله وتُصبح حاجزًا في علاقته مع الخالق، كذلك الماء تطهِّره لتُعيد علاقته مع الربّ وتجعله أهلاً لأن يقترب من الحضرة الإلهيّة. وبالتالي، يمنحُ الله الإنسان المسامحة عن أخطائه ويدفعه إلى التوبة والرّجوع إليه.

 

        وتأتي الخطوة الثانية بعد التطهير، يمنح فيها الله "قلبًا جديدًا وروحًا جديدًا" يدلُّ ذلك على أنَّ الإنسان سيتحوَّل بكامله، ويصبح باعتناقه سلوكًا جديدًا وإرادة جديدة، في السَّير وراء الشريعة وفي مرضاة الله. كذلك تتحوَّل خطيئة عدم الاكتراث بالله إلى التقرُّب منه وإلى قبول مشيئته. ويصبح القلبُ الجديد والرُّوح الجديد مستعدِّين لاقتبال فيض الرُّوح الذي يحوِّل الإنسان داخليًّا ويجعله طاهرًا  ومقدَّسًا ليكون قريبًا إلى الطبيعة الإلهيّة. ثمَّ يدخل الإنسانُ في علاقة جديدة مع الله، ويقطع معه عهدًا جديدًا. فالآية 28 في منح الأرض، تفسِّر هذا العهد.

 

        ويُشدِّد حزقيال، كما في أكثر من مقطع، بأنَّ الإنسان ملتزم شخصيًّا "وفرديًّا"، بهذا العهد. فالقلب الذي يعطيه الله، يمنحه لكلِّ فرد من الشعب. وفي قوله: "النفس التي تخطأ هي وحدها تموت" يذكّر حزقيال بالمسؤوليَّة الشخصيَّة. يختلف أيضًا العهد الأوَّل القديم عن الجديد بأنَّه أصبح باطنيًّا وجزءًا لا يتجزّأ من الإنسان نفسه. فالقلب، بالمعنى الكتابيّ، يدلُّ على الشّخص بكامله. وبالتالي، فالإنسان عينه يصبح عهدًا، وحياته الداخليَّة سلوكًا في شريعة الرَّبّ.

 

 

مريم والمسيحيّ

        تستقي الكنيسة الشرقيَّة رؤيتها في العلاقة السامية بين "التلميذ الحبيب" ومريم، من إنجيل يوحنّا عندما نظر يسوع أمَّهُ وهو على الصَّليب وقال لها: "أيّتها المرأة، هذا ابنكِ". ثمَّ قال للتلميذ: "هذه أمُّكَ" (يو 19/ 26-27). مَن أراد أن يخطوَ في خُطى التلميذ الحبيب، عليه أن "يأخذ مريم إلى بيته" وأن يعتبرها "أمَّه".

 

 

والدة الإله

        إنّها من أهمِّ الصِّفات التي أطلقتها الكنيسة على مريم. كان ذلك في المجمع المسكونيّ الأفسسي سنة 431. أراد آباء الكنيسة أن يشدِّدوا على أنَّ الخلاص يأتينا بالمسيح فقط الذي جمع في شخصه، الطبيعتين الإلهيّة والإنسانيّة معًا. واتّفق الجميعُ على أنَّ مريم هي "أمُّ يسوع". ولمّا كان يسوع إلهًا وإنسانًا تامًّا، تكون مريم "والدة الإله". وبالتالي جاء الإعلان مُبيِّنًا أنَّ مريم هي "والدة الإله" وأن يسوع هو الأقنوم الثاني من الثالوث الأقدس.

 

        عندما تُكرّم الكنيسةُ مريم فإنّها تشرح لنا مفهوم الاحترام والمجد الذي نعطيه لله من خلال المسيح، كما خاطبت إليصابات مريم نسيبتها: "مباركة أنتِ في النساء! ومباركة ثمرة بطنكِ!" (لو 1/ 42). وترنِّم الكنيسة البيزنطيَّة في الليتورجيا الإلهيَّة، ترانيم لوالدة الإله وتعبرُ عن سموِّ مكانتها في الكنيسة: "إنّه واجب حقـًّا أن نغبِّطك يا والدة الإله الدائمة الغبطة، والمنزّهة عن كلِّ عيب، وأمَّ إلهنا. يا من هي أكرم من الشيروبيم وأمجد بلا قياسٍ، من السرافيم. يا مَن ولدَتِ الله الكلمة ولبِثت بتولاً. إنَّكِ حقـًّا والدة الإله، إيَّاكِ نُعظـِّم".

 

      

مريم مثال إيماننا

        إنّها المثال لعضويَّة الكنيسة في قبولها إرادة الله والإجابة لدعوته. يُعطينا لوقا، في الفصل الأوَّل من إنجيله، صورةً جميلة عن بشارة الملاك جبرائيل لمريم، التي تحتفل الكنيسة بحدثِها في 15 آذار. يسمّي التقليدُ الكنسيّ هذا العيد: "بشارة سيِّدتنا والدة الإله الفائقة القداسة الدائمة البتوليّة مريم".

 

        يخاطب الملاكُ مريم بالسّلام الذي نردِّدهُ في صلواتنا الطقسيّة: "السَّلام عليكِ، يا ممتلئة نعمة". لقد اضطربت مريمُ لهذا السَّلام وخافت من كلام الشخص المُرسَل إليها، الذي أعاد إلى قلبها الطمأنينة، وبشَّرها: "لا تخافي يا مريم، فقد نِلتِ حظوةً عند الله. فستحملين وتلدين إبنًا تسمّيه يسوع" (لو 1/ 30-31). رغم ذلك الجواب القاطع، أرادت مريمُ توضيحًا من الملاك الذي أجابها بأنَّ حبلها سيتمُّ بقدرة الرّوح القدس.

 

        هنا يكمن دورُ مريم الهامّ في تعاونها مع مخطّط الله، ويظهر إيمانها بردِّها الإيجابيّ للمرسَل الإلهيّ: "أنا أمة الرّب، فليكن لي بحسب قولك" (لو 1/ 38). تظهر هذه الحقائق في الأيقونة البيزنطيّة التي تصف مريم بوضع الشخص الرافع يداه للصلاة والمستعِدِّ لاقتبال الرّوح القدس. ثمَّ يظهر المسيح في بطنها، ضمن دائرة، وهو الكائن الحيُّ والحاضر معها ولنا بتجسُّده منها. وهذا تأكيد لما جاء في نبوءة أشعيا: "ها إنَّ الصبيَّة تحمل فتلد ابنًا وتدعو اسمه عمّانوئيل (الله معنا)" (7/ 13؛ متى 1/ 23). وتُسمّى "أيقونة الآية".

 

       

مريم مثال سلوك الله مع شعبه

        تُنشد الكنيسة البيزنطيّة في عيد البشارة، ترنيمة جميلة: "اليوم بدء خلاصنا، وظهور السرّ الذي منذ الأزل...". تقدِّم لنا بشارة مريم مثالاً على سلوك الله مع كلٍّ منّا. الله يحبّنا، ويدعونا أن نبادله هذا الحبّ دون أن يجبرنا على ذلك. أجل، إنّه ينتظر جوابنا الاختياريّ كما انّه يمنحنا الحرِّيَّة على رفض هذا الحبّ. فإذا كان اختيارنا الرّفض فلا أحد في السماء وعلى الأرض له قدرة الجبر أن نغيّر أفكارنا. حريَّتنا كاملة وتامَّة.

 

        تقدِّمُ لنا البشارة مثالاً على "التعاون" بين قوانا البشريَّة والقوى الإلهيّة أو نعمة الله. هذه الفكرة عزيزة جدًّا على قلب آباء الكنيسة الشرقيِّين: يتعاون الله مع البشر ليتِّمَّ مخطـَّطه الخلاصيّ. كان باستطاعة الله أن يصبح بشرًا بطرق مختلفة عديدة، ولكنَّهُ اختارَ أن يكون متعلّقـًا بقرار حرّ، بقرار صبيَّة شابَّة مثل مريم. لقد انتظر اللهُ أن تقول مريم "نعم"، وكانت "اللحظة" الحاسمة لأن يتجسَّد ابنُ الله في أحشاء مريم من الرّوح القدس (على تعبير نيقولا كاباسيلاس). فكان "التعاونُ" بين مريم والرُّوح القدس. وها إنَّ الله ينتظر جوابنا على دعوته ليتعاون معنا، من خلال روحه القُدُّوس الساكن فينا.

 

 

مريم مثال التلميذ

        تقرأ في أكثر الأحيان الكنائسُ البيزنطيَّة، في الأعياد المريميَّة خلال القداس الإلهيّن فصلين من إنجيل لوقا. يقدِّمُ لنا الإنجيليّ في القراءة الأولى (لو 10/ 38-42) يسوعَ وتلاميذَه في ضيافة لعازر وأختيه مرتا المنصرفة إلى الخدمة ومريم الجالسة عند قدميّ يسوع. تتذمَّر مرتا من  أختها مريم لعدم مساعدتها في الخدمة، ونعرف جواب المعلّم لها. فتقدّم الكنيسة مريم والدة الإله مثالًا لتلك التي "اختارت النصيب الأفضل".

 

        وتزيد الكنيسة على هذا الفصل مقطعًا من الإنجيل نفسه: "وبينما هو يقول ذلك إذا امرأة رفعت صوتها من الجمع فقالت له: "طوبى للبطن الذي حملك، وللثديّين اللذين رضعتهما!" فقال: "بل طوبى لمن يسمع كلمة الله ويحفظها" (لو 11/ 27-28). يعلن هذا المقطع الثاني مريم مثالاً لنا لأن "نسمع" الكلمة الداعية إلى الإيمان والالتزام. وبالتالي يعظّم يسوع التلميذ الذي يقبل الإيمان ويسلك في سبيله. مريم إذن المؤمنة بكلام الملاك المرسل من لدن الله (لو 1/ 45) وهي التي تتأمَّل في قلبها جميع الأحداث الخلاصيَّة (لو 2/ 19).

 

        وتكمن القراءة الثانية في النشيد الشعريّ الجميل الذي فاهت به مريم عندما أتت لزيارة أليصابات نسيبتها (لو 1/ 46-55). إنّه من أجمل الفصول الكتابيّة الذي يستعمله لوقا في وصف مريم تلميذة للرَّب.

 

 

مريم مثال لما عمله الله من أجلنا في يسوع المسيح

        "... صنع الإله مستودعَكِ عرشًا، وجعل بطنكِ أرحبَ من السماوات. لذلك، يا ممتلئة نعمة، تفرحُ بكِ كلُّ البرايا وتمجِّدُكِ". ترنّم الكنيسة البيزنطيَّة هذا النشيد لوالدة الإله، وهو مأخوذ من ليتورجيّا القدِّيس باسيليوس الكبير. كما أنّها تختار لقب "أرحب من السماوات" وتعطيه اسمًا "لأيقونة الآية". توضع هذه الأيقونة عمومًا، في الكنائس البيزنطيّة، في الحنية وراء المذبح، لأنّها تصل الأرضيّات مع السماويات.

 

        لقد قدّمت مريمُ ذاتها بإيمان لله، وهكذا حصل التجسُّد الإلهيّ. فالكنيسة تدعونا إلى التمثّل بالعذراء ليتابع المسيح فينا حضورَه في العالم. فلا غرو أن تحتلَّ أيقونةُ "أرحب من السماوات" مكانًا مرموقـًا في بناء الكنيسة. تصبح مريمُ نفسها "أيقونة" ومثالًا للكنيسة، التي تعلّمنا أنَّ مريم أصبحت الشخص البشريّ الممتلئ من حياة الله، كما أصبحت هذه الحياة الإلهيّة هدفَ جميع المسيحيِّين.

 

        تُقيمُ الكنيسة في 15 آب، محفلاً لوفاة مريم، وتتحضَّر له بزمن قطاعة وصلوات منها صلاة "الباراكليسي". نعلم أنَّ المسيح قد خلّصنا بموته وقيامته. وتشدِّد الكنيسة، من خلال هذه العقيدة، على أنّ موت مريم ليس نهاية لوجودها، بل هو "رقادها". فمصير كلّ "قدِّيس"، ومريم هي "الأولى بين القدِّيسين"، التنعُّم بالحياة مع الله. ترنِّم الكنيسة في غروب هذا العيد: "يا له عجبًا غريبًا! إنّ ينبوع الحياة قد وُضعت في قبر، واللحد صار سلّمًا إلى السماء".

 

        لقد افتدانا كذلك المسيحُ من عبوديَّة الخطيئة. وتحتفل الكنيسةُ بعيد حبَل حنَّة بوالدة الإله في 9 كانون الأول (عيد الحبل بلا دنس في الكنيسة الغربيّة) وتشدِّد على أنَّ مريم هي الأولى التي تمتَّعت بثمار الفداء. كما أنَّ الترانيم للعيد تبيّن جليًّا الرباط بين مريم والخلاص الذي جلبه الله لنا في المسيح: "إنّه واجب حقـًّا أن تكون حوَّاء الجديدة قد خُلقت، وبقيت من دون خطيئة على مثال آدم الجديد، لأنَّ تجديد الجنس البشريّ قد حصل الآن".

 

 

خاتمة:

        في كلِّ خدمة كنسيَّة تردِّد الكنيسةُ الشرقيَّة وتصلّي: "لنذكر سيِّدتنا الكاملة القداسة الطاهرة الفائقة البركات المجيدة، والدة الإله الدائمة البتوليّة مريم، وجميع القدِّيسين، ولنودِع المسيح الإله ذواتنا وبعضنا بعضًا وحياتنا كلّها". كما يردِّد الشعب: "لك يا ربّ" يقرُّ ويعترف جميع المسيحيِّين أنَّ إيداع حياتنا بين يديّ المسيح يعني "العيش والسلوك" حسب الإنجيل. وهذا ما يدلُّ عليه المسيحيُّ المؤمن، وهذا ما يظهر من مسيرة أعضاء الكنيسة في هذه الحياة. ولكنَّ الحياة لا تخلو من المصاعب. فها إنَّ مريم تضعُ نفسها بين يديّ الله لتكون مثالاً وقدوة، ولتصبح لنا أمًّا وشفيعة: "إذ ليس لنا دالّة من أجل خطايانا الكثيرة، فتضرّعي أنتِ إلى الذي ولدَ منكِ، يا والدة الإله العذراء. لأنَّ طلبة الأمّ لها قوَّة عظيمة على استعطاف السيِّد. فلا تُعرضي عن ابتهالات الخطأة يا جزيلة الوقار، لأنّ الذي قبِلَ أن يتألّم بالجسد من أجلنا رحيمٌ وقادر أن يخلّصنا.

 

الأرشمندريت نيقولا أنتيبا

 

 

       

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية