مسكن الله

 

 

 

مسكن الله

 

بين بشارة مريم وبشارة زكريا فروق تساعدنا على فهم دور مريم:

 

1ـ كان زكريّا، عندما بشّره الملاك بولادة يوحنّا المعمدان، في أورشليم، المدينة المقدّسة والمجيدة، مكان حجّ اليهود. أمّا مريم فكانت في النّاصرة التي كانت، كما كان يظنّ، قرية مُهملة لا يخرج منها شيء صالح (يو: 1/ 46)، قرية في الجليل، المنطقة الأممية المملوءة أجانب. ويُسمّى الجليل منطقة الأجانب أو "جليل الأمم". وقد تنبّأ عنها أشعيا قائلًا: "أمّا الأخير فأكرم طريق البحر عبر الأدرنّ، جليل الأمم، الشّعب الجالس في الظـُّلمة أبصر نورًا عظيمًا... لأنّه قد ولد لنا ولد أُعطي لنا ابنٌ... (أش 8/ 23 ، 9/ 1 ـ 5 ـ أنظر 1 مك 5/ 15 "جليل الأمم").

 

2 ـ كان زكريّا في وسط الشّعب المختار الذي يصلّي في هيكل أورشليم. وكانت مريم بين الغرباء عن العهد في ضيعة الجليل. كان زكريّا ينتظر المسيح في فجر رجاء إسرائيل المدلول إليه بالاحتفال الطقسّي، وإذا به يبشّر بالسَّابق وأنّه سيكون أبًا لأعظم الأنبياء، يوحنّا المعمدان. وكانت مريم أيضًا في فجر رجاء إسرائيل المدلول إليه بفقرها المتواضع، فإذا بها تُبشّر بابن الله وابنها ستكون أمّ الله بالذات، يسوع المسيح. في هذه المقارنة الأولى، تبدو مريم علامة الشمول المسيحيّ، وبينما كان الشّعب اليهوديّ يحدّ زكريّا ويحيطه، عندما ظهر له الملاك ليعده بابن، كانت مريم حاضرة ومنفتحة على العالم كلّه، عندما بشرّها الملاك بابن الله.

 

يدخل زكريّا هيكل الرّبّ ويحرق البخور، وهذا العمل الليتورجيّ قمّة وظيفته الكهنوتيّة، لأنّ هذا الاختيار الذي وقع عليه بالقرعة الطقسيّة لا يحدث، على الأرجح، إلّا مرّة واحدة في حياة الكاهن. وتشدّد الرّواية على صفة والدي يوحنّا المعمدان الكهنوتيّة: فزكريّا هو من فرقة آلـ أبيا، وأليصابات من بنات هارون. كان إطار بشارة زكريّا إطارًا كهنوتيًا وليتورجيًا بكلّ وضوح، ومكانه هيكل الرَّبّ، وزمانه، على الأرجح، يوم سبت نظرًا لتواجد جمهور غفير من الشّعب.

 

أمّا إطار بشارة مريم فلم يكن إطارًا كهنوتيًا أو ليتورجيًا إطلاقًا، بل أصبحت مريم بالأحرى المكان الذي ينتهي إليه كهنوت إسرائيل وليتورجيّته، على غير توقّع. وسنرى التّلميحات الطقسيّة في كلام الملاك. فلا هيكل هناك بل بيت متواضع بعيد عن أورشليم. يدخل إليها الملاك ليحدّثها، بينما دخل زكريّا إلى الهيكل ليجد الله فيه... بين بساطة الزّيارة التي قام بها الله إلى بيت متواضع في النّاصرة وبين أبهّة وبهاء لقاء زكريّا الرّب في الهيكل تباين ساطع. ليست مريم من سلالة كهنوتيّة، بل هي فتاة بسيطة، مخطوبة لرجل من بيت داود، ويشير أصلها إلى سرّ أمومتها الإلهيّة. إنّ كلّ ما فيها غريب لا نستطيع تفسيره إلّا بإعدادها الإلهيّ، بوفرة نعمة الله، في حين لعب الدين والسّلالة الكهنوتيّة، على ما يبدو، دورًا كبيرًا في اختيار الله لأليصابات ولزكريّا، إذ كان "كِلاهما بارًّا عند الله، تابعًا وصايا الرَّبّ وأحكامه ولا غبار عليه " (لو 1/ 6).

 

زكريّا كاهن لا غبار عليه، يحتلّ مكانة في نظام إسرائيل الدينيّ، حيث يستجيب الله، بنعمته، الصّلاة والذبيحة السَّابقتين. ومريم، الفتاة التي أصلها وقداستها سرًّا خفيًّا، تحتلّ مكانًا في نظام الكنيسة الرّوحيّ، حيث يملأ الله، بنعمته، في الحبيب (أف 1/ 6) بانحداره وتجسّده الصّلاة الحقيقية و ذبيحة الشّكران. مريم هي علامة انتهاء كهنوت الذبائح الممتاز في العهد القديم.

بعد أن تمّ وضع البخور الطقسيّ، فهم الشّعب أنَّ زكريّا، وقد لجم لسانه، رأى في الهيكل رؤيا. أمّا عند مريم فلا احتفال طقسيّ، ولا حشود من النّاس تصلّي وتشهد على بشارتها. فقد تمّ كلّ شيء لها، في منتهى البساطة وفي عزلة بيتها، في حين تمّت رؤيا زكريّا بين الاحتفال والجمهور.

 

قال الملاك لزكريّا: "لقد سمعت صلاتك"، وسلّم مباشرة على مريم "كالممتلئة نعمة". سمع زكريّا وعد الله، في نهاية صلاته الصَّادقة، وامتلأت مريم في سرِّ إعدادها الأزليّ. مريم علامة مجانيّة الحبّ الإلهيّ الذي لا ينتظر دخول خادمه إلى الهيكل، بل ينحدر إلى أمته، بعد أن استجابها في ملء نعمته دون أن تطلب هذه النِعمة أو تفترضها.

 

رأى زكريّا ملاك الرَّبّ واقفًا عن يمين مذبح البخور، رآه في مظهر خارجيّ، عيانيًا، كما كانت الرؤيا لكثيرين من قدّيسي العهد القديم. أمّا مريم فلم تحدّد، في بشارتها، مظهر الملاك الخارجيّ، وهذا لا يعني أنّها لم تشاهد الملاك عيانيًا، بل إنّها لم ترَ من واجبها تحديد هذا الظهور بدقـَّة بما أنّها الشّاهدة على الرِّواية. كلّ ما في الأمر أنّ الملاك دخل إليها فكلّمها ثمّ خرج. كلّ  شيء كامن هنا في كلام الله بالذات، دون أن يكون للرّؤيا دور هام، كما في بشارة زكريّا. ذلك لأنّ مريم في أعماقها التقت إلهها، وكلامه لها فقط هو المهمّ وليس ظهور رسوله المرئيّ.

 

ونستطيع متابعة المقارنة بين البشارتين، إلّا أنّنا نكتفي بما ذكرناه، لنلاحظ الطابع المميّز لبشارة مريم، والعلامة التي تكوّنها بالنسبة للعهد القديم الذي اختتمته وللجديد الذي افتتحته. هذه الفروقات بين الرّوايتين لا تعني نهاية الدّين اليهوديّ وحسب، بل أيضًا أنّ رجاء إسرائيل المرموز إليه بطقوسه قد تحقـَّـق في شخص مريم.

 

زار الله مريم، بشخص ملاكه، في قرية النّاصرة الوضيعة، مع أنّ هيكله الوحيد هو في أورشليم، لأنّها إبنة صهيون. وحيثما تكن فهناك رمز أورشليم، مع كلّ الوعود المرتبطة بالمدينة المقدّسة. وسواء أكانت مريم في وسط شعب مختلف الأجناس، في جليل الأمم، أم كانت وحيدة في منزلها، فقد التقى الله فيها بكلِّ شعبه الأمين، لأنّها، بنعمة الله، رمز الشَّعب الإسرائيليّ. هكذا التقى الله في شخص مريم، إبنة صهيون، في وسط شعب مزيج، شعبه المختار المنفتح على العالم، من أجل رسالة جامعة. وأصبحت الدّيانة اليهوديّة، في مريم، ديانة شاملة بقبولها المسيح، يسوع الناصريّ، الجليليّ. يسوع يهوديّ، إلّا أنّه ابن الله المتجسِّد في الأمم وفي اليهود الممتزجين بالغرباء. وأصبحت مريم، إبنة صهيون، في ناصرة الجليل، مقاطعة الغرباء، علامة الشّمول اليهوديّ ـ المسيحيّ الذي يصل إلى أقاصي الأرض.

 

وإذا كان الله الذي ربط حضوره ووحيه بهيكل أورشليم فقط، وبقدس الأقداس بنوعٍ خاص، قد دخل إلى بيت مريم ليحقـِّق فيه حضوره وظهوره، أي تجسّده، فلأنّ مريم كانت، في تلك اللّحظة، الهيكل وقدس الأقداس ومسكن الله وتابوت العهد. وسيُدعى فيما بعد المسيح، والكنيسة، والمسيحيّ هياكل الله (يو 2/ 21 ، قور 3/ 16 ، 6/ 19). ولكن في لحظة البشارة والحبل العجائبيّ كانت مريم مسكن الله. وسنرى أنّ الملاك  يُطلق عليها هذا الإسم. ومنذ ذلك الحين، لم يعد الله بحاجة إلى كهنوت تقليديّ ولا إلى طقوس ذبائح ولا إلى الهيكل أو قدس الأقداس أو تابوت العهد. ولقد اختار الله فتاة غير جديرة بالكهنوت، ولا ينتظر منها التوسلات ليملأها نعمة، حتّى يُظهر مجانيّة حبِّه وجدَّته. فكانت هذه الفتاة رمز الهيكل وقدس الأقداس وتابوت العهد وعلامة انتهاء الكهنوت الذبائحيّ في العهد القديم.

 

إنّ الجوّ الذي تمّت فيه البشارة، إذا ما قابلناه برؤيا زكريّا أثناء الإحتفال الطقسيّ، جعل من مريم علامة  بساطة الله ومجانيته وسريرته. فقد انحدر الله في غاية البساطة إلى بيت مريم، ليبشّرها بوعده المجّانيّ بالخلاص يُسمعها كلامه في أعماق قلبها أكثر ممّا يُسمعها إيّاه في ظهوره الخارجيّ.

 

إنّ جواب الملاك لمريم، المُندهشة من هذه الأمومة الإلهيّة، جعلها تحلّ، في تلك اللّحظة محلّ تابوت العهد ومسكن الله بالنسبة للعهد القديم.

 

"الرّوح القدس يحلّ عليكِ وقوَّة العلي تُظلّلك (épiskiasei) لذلك فالمولود منك قدوس وابن الله يُدعى (لو 1/ 35). قام عدد غير قليل من علماء الكتاب المقدّس الكاثوليك والبروتستانت بمقارنة هذا النصّ بنصّ الخروج 40/ 35: "غطّى الغمام خباء المحضر وملأ مجد الرَّبّ المسكن فلم يستطع موسى أن يدخل خباء المحضر لأنّ الغمام كان حالًا عليه" (خر 40/ 34 ـ 35 ) (shaken , épiskiazein).

 

إنّ التّقارب اللفظيّ بين هذين النصَّين يربط الواحد بالآخر، ويُشير من جديد إلى أسلوب لوقا في الفصلين الأوَّلين من إنجيله الذي يضعه، عندما يصف حدث التجسّد، في علاقة مع العهد القديم، ليُظهر إستمراريّة العهدين. وقد تتمثل، هنا، مريم مسكن الله، لأنّ يسوع المسيح هو حقيقة ابن الله "لهذا فالمولود منك قدّوس وابن الله يدعى". لقد وضع حبل مريم بالمسيح في علاقة بظهور الله في خباء المحضر.

 

نشير هنا إلى عنصرين أساسيِّين في ظهور الله: الغمامة المنيرة تغطي خباء المحضر وتظلّله، فتقف فوقه وخارجه، والعنصر الثاني يملأ مجد الله المسكن. وهذا الفعل "يظلّل" (épiskiazein shaken)، أستعمِلَ في رواية البشارة وفي ظهور الله في الغمامة. وله عمل ليتورجيّ واضح ليدلّ على حضور الله على مسكنه ليملأه من مجده. وسيحلّ الرّوح القدس على مريم وقوّة العلّي تظلّلها ـ فتتشخَّص الغمامة المُنيرة هنا وتدعى "الرّوح القدس" أو "قوّة العليّ" فيحلّ الرّوح القدس، قوَّة العليّ، على مريم ليظلّلها، كما حلّت الغمامة المُنيرة على خباء المحضر في الصَّحراء لتظلّله. هذا هو سرّ الشكينة: تظليل الغمامة رمز حضور الله الكامل في وسط شعبه، وهذا حدث فائق الطبيعة ومعروف في العهد القديم.

 

ونتيجة سرّ (الشكينة) على مسكن الله هو سكنى المجد بالذات الذي يملأه. ويتابع لوقا روايته، بحسب خطـَّة الغمامة التي تظلّل المسكن والمجد الذي يملأه: "ولهذا فالمولود منكِ قدّوس وابنُ الله يُدعى". إنّ نتيجة حضور الله في (الشكينة)، بالنسبة لمريم، كما ولمسكن الله في الصحراء، هي حضور المجد الذي يملأها. وكما كان مجد الله يملأ المسكن الذي يغطـِّـيه ظلّ الغمامة، كذلك سيأتي إبن الله ويسكن في العذراء مريم التي تظلّلها قوَّة العليّ ويحلّ عليها الرّوح القدس.

 

وتبيّن رواية تجلّي الرَّبّ عناصر حضور الله ذاتها وهو يظهر في وسط شعبه (لو 9/ 2 ـ 36). حضر بطرس ويوحنّا ويعقوب تجلّي المسيح ورأوا مجده بين موسى وإيليّا، وقد ظهرا هما أيضًا بالمجد. لقد ظهر يسوع، في التجلّي، كمجد الله السَّاكن في وسط أتباعه. ويبدو المسيح كمجد الله الذي ملأ خباء المحضر حيث كان تابوت العهد. ويذكر القدّيس بطرس هذا الحدث في رسالته الثانية: "هذا هو ابني الحبيب الذي عنه رضيت" و"ذاك الصَّوت قد سمعناه آتيًا من السَّماء، إذ كنّا معه على الجبل المقدّس" (2 بط: 1/ 17 ـ 18). في هذا الكلام إشارة إلى سيناء، الجبل المقدّس، حيث غطـَّت الغمامة الجبل وظلّل مجد يهوه (حلّ في اليونانية) جبل سيناء الذي غطّته الغمامة ستة أيَّام (خر: 24/ 15 ـ 16). يقابل بطرس حدث التجلّي بالوحي في سيناء، ولوقا (وسائر الإنجيليِّين) يقابله بظهور الله على خباء المحضر. والمسيح في كلتا الحالتين، هو مجد الله أي الإبن الحبيب الذي فيه ارتضى حبّ الآب.

 

ويربط بطرس، في رواية التجلّي، مجد الله الظاهر بخباء المحضر، ويريد أن يغطّي هذا المجد ويعطيه مسكنًا: "... لنصنع ثلاث مظالّ واحدة لك وواحدة لموسى وواحدة لإيليّا". إنّ مجد الله حاضر إلى الأرض في يسوع المتجلّي وفي موسى وإيليّا الممجّدين الآخرين. وتتدخل الغمامة أيضًا كعلامة حضور الآب فوقهم: "وبينما هو يتكلّم انتشر غمام ظلّلهم (épiskiazein) فلمّا دخلوا في الغمام، خاف التلاميذ، وإذا بصوتٍ من الغمام يقول، هذا هو ابني المختار فله اسمعوا" (لو 9/ 34 ـ 35). نرى أنّ الفعل ظلّل (épiskiazein) قد استعمل في سفر الخروج ليدلّ إلى خباء المحضر مسكن المجد (خر 40/ 35)، وفي رواية البشارة ليدلّ إلى مريم، مسكن المجد، ابن الله، وفي رواية التجلّي ليدلّ إلى المسيح، مجد الله، الذي أراد بطرس أن يضعه تحت مظلّته، كيهوديّ يحترم شريعة موسى. فالغمام المنير هو علامة حضور الآب الذي يتكلّم فوق ابنه الحبيب، المختار والمجد الحاضر في الأرض.

 

نلاحظ الخطـَّة نفسها في الرّوايات الثلاث: الخروج والبشارة والتجلّي. فالغمام رمز حضور الله الظاهر الذي يظلّل. والمجد رمز حضور الله الذي يملأ ويسكن ويجلي مكانًا أو كائنًا. ففي الأوّل يملأ المجد مسكن الله أي خباء المحضر، وفي الثاني يأتي القدّوس، إبن الله، ليسكن في مريم، مسكن المجد الجديد، وفي الثالث يظهر المجد على الجبل، على مرأى من التلاميذ في العراء، لأنّه ليس بحاجة إلى مسكن: "ولم يكن بطرس يدري ما يقول"، مع رغبته في أن يضعه تحت مظلّة كتابوت العهد في الصّحراء. فهو الهيكل، والله الذي يسكن في الهيكل في آن واحد. هو ابن الله المتجلّي على مرأى من الجميع، وفي قمّة وحي حضوره وفي تمام إظهار مجده.  شينشقّ حجاب الهيكل عند موت المصلوب للدلالة إلى خروج المجد من قدس الأقداس، بالقيامة التي تعيد المسيح إلى العالم كلّه.

 

"الكلمة صار جسدًا فسكن بيننا فرأينا مجده، مجد الإبن الوحيد الذي أتى من لدن الآب ملؤه النِعمة والحقّ" (يو 1/ 14). هذا النصّ من إنجيل يوحنّا يعيد إلى الآذان الكلمات النموذجيّة المستعملة في روايات ظهور الله في العهد القديم والبشارة والتجلّي. إنّ الجسد الذي اتّخذه إبن الله في تأنّسه هو الخباء الجديد حيث يسكن المجد بيننا، الذي ملؤه النِعمة والحقّ. فالله هو حقيقة بين النّاس، بدون أي هيكل آخر غير هيكل جسده الذي يشعّ مجده. وقد رآه التلاميذ وتستطيع أعين الإيمان أن تراه لتتأمّله.

 

وفي رواية التجلّي، كما في رواية البشارة، يدلّ الغمام الذي يظلّل المسيح، أو قوّة العلّي التي تظلّل مريم، إلى صفة الله السّامية الذي يظهر ويظل فوق مكان ظهوره. والمجد الذي هو الإبن الحبيب في ملئه، يدلّ إلى حقيقة حضور الذي يأتي ويسكن بيننا. وكما غطـَّى الغمام خباء المحضر في الصَّحراء، كذلك ظلّل المكان المقدّس، فهو فوقه، وملأ المجد فهو حالّ فيه (خر 40/ 35). وقوّة العلّي تظلّل مريم، مسكن الله، فتحبل بابن هو القدّوس وابن الله... وفي التجلّي، يصبح الغمام علامة الله المتكلّمة فوق مجده المتجلّي، الذي هو ابنه الحبيب. فالله يظهر متساميًا وعليًا ومتجسِّدًا وأبًا وغمامًا منيرًا فوق مسكنه ومجدًا فيه.

 

تبدو مريم، على ضوء هذه المقارنة، في لحظة حبلها بالمسيح، كأنّها مسكن الله الجديد، وخباء المحضر أو قدس الأقداس، مركز الشّعب الإسرائيليّ المقدّس، الذي يحلّ عليه الغمام المنير، الرّوح القدس أو قوّة العلّي. الله السَّامي على مخلوقاته ليحلّ فيه مجده الأمين والوحيد والحبيب، المملوء نعمة وحقًا، "الكلمة صار جسدًا وسكن بيننا"، الله الحاضر في خلائقه.

 

لقد أراد بعضهم أن يقارن زيارة العذراء لإليصابات بنقل تابوت العهد. هذه المقارنة هي من النوع الأدبّي في الفصلين الأوَّلين من إنجيل لوقا حيث يروي تاريخ طفولة يسوع بالرُّجوع دائمًا إلى أحداث العهد القديم التي توضح معنى الإنجيل.

 

"ونهض داود وانطلق بجميع الشّعب الذين كانوا معه من بعليم يهوذا، ليصعدوا من هناك تابوت الله الذي كان يدعى عليه بالإسم، إسم ربّ الجنود الجالس على الكروبيم"  (2 مل 6/ 1 ـ 23).

 

"وفي تلك الأيّام مضت مريم تجدّ السَّير إلى مدينة في يهوذا..." (لو 1/ 39 ـ 56). إنّ نقل تابوت العهد، وهو مقرّ حضور الله، يثير في الشّعب فرحًا وفي داود ابتهاجًا يجعله يرقص أمام الرّب. كذلك وصول مريم إلى بيت زكريا يثير في أليصابات فرحًا وفي يوحنّا المعمدان وهو في حشا أمّه، ابتهاجًا إنّ الفعل skirtan (لو 1/ 41 ـ 44) يدلّ إلى وثبات الفرح التي ترافق مجيء الرّب.

 

"وتشرق لكم أيّها المتّقون لاسمي، شمس البِرّ والشّفاء في أجنحتها. فتسرحون وتطفرون كعجول المعلف" (ملا 3/ 20). "الجبال وثبت مثل الكباش والتلال كأولاد الغنم" (مز 114/ 4 ـ 6). "ورتعوا كالخيل ووثبوا كالحملان مسبِّحين لك أيّها الرَّب مخلّصهم" (حك 19/ 9).

 

هكذا يُستعمل الفعل "وثب" skirtan في التّرجمة اليونانيّة للعهد القديم، الوارد مرَّتين في رواية الزيارة، للتَّعبير ثلاث مرَّات عن الابتهاج أمام الرَّبّ المخلّص. ويستعمل لوقا الكلمة مرَّة أخرى بعد كلامه عن التطويبات: "إفرحوا في ذلك اليوم وابتهجوا لأنَّ أجركم في السَّماء عظيم" (لو 6/ 23). هو الفرح المعادي أمام الرَّبّ المخلّص، يُعبّر عنه بالفعل "وثب" وفي الرِّوايتين، يمكننا الإشارة إلى صراخ الشّعب وصراخ أليصابات Phonè Kraugè (2 مل 6/ 15، لو 1/ 42). والفعل anaphônien "أسمع صوتًا" لم يُستعمل إلّا في رواية الزّيارة في العهد الجديد. أمّا في العهد القديم فاستعمل خمس مرَّات في سفر الحكمة ليدلّ إلى إعلان ليتورجيّ، وخاصَّة بحضور تابوت العهد (1 أخ 15/ 28 ، 16/ 4 ـ 5، 42. 2 أخ 5/ 13) "وأقام داود من اللّاويِّين خَدَمَة أمام تابوت الرَّبِّ ليذكروا ويعترفوا ويسبِّحوا الرَّبَّ إله إسرائيل" (1 أخ 16/ 4).

 

وهكذا أحسَّت أليصابات، عندما بلغ أذنيها سلام مريم، بالجنين يَثِبُ في أحشائها وقد امتلأ من الرّوح القدس. فقد وجدت نفسها بحضرة الله، تحقـَّـق هذا الحضور العجيب، وسُمع صراخها الذي استدعاه ظهور الله. هكذا أسمعت أليصابات صراخ فرحها مريم الحامل بابن الله، وهذا الصُّراخ هو فعل شكر وتسبيح لله وحده. لقد رأت في مريم المرأة التي تحمل الحضور المقدّس، فلم تستطع أن تحبس هذا الصُّراخ لشدَّة الفرح الذي يميّز ظهور تابوت العهد، مكان حضور الله.

 

ومريم هي إبنة صهيون وعذراء إسرائيل ومسكن الله وتابوت العهد. هذه الألقاب كلّها تتطابق لتعني أنّ مريم هي المكان الذي تتمُّ فيه الزِّيارة، زيارة الله النهائيّة والأخيرة لشعبه. وقد جمع الأنبياء من قبل رمز المرأة والمسكن ليدلّ إلى إسرائيل الذي يزوره الله ويسكن فيه. "إذ من بعيد تراءى لي الرَّبّ، أنّي أحببتك حبًّا أبديًّا، فلذلك اجتذبتك برحمة وأنّي أبنيك بعد فتبنين، يا عذراء إسرائيل، وتتزيّنين بدفوفك... لأنّه سيكون يوم ينادي فيه الرَّاصدون في جبل أفرائيم قوموا نصعد إلى صهيون، إلى الرَّبِّ إلهنا" (إر 31/ 3 ـ 6). "كما أنّ شابًا يتزوج بكرًا، كذلك بنوك يتزوجونك..." (أش 62/ 5).

 

"قولوا لابنة صهيون هوذا مخلّصك آتٍ... وأنت تدعين المطلوبة المدينة غير المهجورة" (أش 62/ 11 ـ 12).

 

إنّ امتزاج الصُّورتين: إبنة صهيون بمسكن الله الذي صوّره الأنبياء المسيحانيّون، يتمُّ في نهاية الأزمنة، برمزيّة الكنيسة، شعب الله الجديد الذي أصبحت مريم رمزه.

 

"ورأيت المدينة المقدّسة، أورشليم الجديدة، نازلة من السَّماء، ومن عند الله، وقد تزيّنت كما تتزيّن العروس لبعلها. وسمعت صوتًا يهتف من العرش: "هوذا بيت الله (Skènè)  والنّاس يسكن معهم (skènôsei) ويكونون له شعبًا، الله معهم، ويكون لهم إلهًا" (رؤ 21/ 2 ـ 3). إنّ أورشليم الجديدة، أي الكنيسة المتجلّية، يُرمَز إليها بصور المدينة والعروس والبيت والخباء المقدّس الذي يسكن فيه الحضور الإلهيّ في الصّحراء. وفي موضع آخر من سفر الرّؤيا، تتركز الرّؤيا على الصّورة المزدوجة: الهيكل والمرأة، مسكن الله المخلّص: "فانفتح الهيكل في السَّماء، فبدت قبـَّة العهد في الهيكل وحدثت بوارق وأصوات وصواعق وزلازل وسقط برد كبير، ثمّ ظهرت آية بيّنة في السَّماء، إمرأة ملتحفة بالشّمس والقمر... (رؤ 11/ 19، 12/ 1). الركزيّة ذاتها ابتداءً من رؤيا شعب الله النبويّة، الذي ينتظر المسيح، في ملامح إبنة صهيون، المرأة والمسكن معًا، حتّى رؤية الهيكل النهائيّة من تابوت العهد والمرأة الملتحفة بالشّمس. وتختصر مريم في شخصها، يوم التجسّد، إنتظار الشّعب الإسرائيليّ كلّه، وترمز إلى سرّ الكنيسة في اكتمالها، وتكون مريم عندئذٍ إبنة صهيون والمرأة التي ستلد المسيح، وهيكل الله وتابوت العهد الحامل حضور يهوه.

 

إنّ صور تابوت العهد والهيكل والخباء قديمة جدًا وكثيرة في رمزيّة التقليد المريميّ. وتلقب الليتورجيّا اللاتينيّة مريم، في طلبة العذراء "بتابوت العهد". ونسب آباء الكنيسة إلى مريم هذه الألقاب، بنوع من الحدس الإيمانيّ  بأمومة مريم الإلهيّة. ومن الممكن أن نفهم، اليوم، هذه الصّور على ضوء التفكير العميق في بداية إنجيل لوقا.

 

ومريم كما رأينا في نصوص الرُّؤيا، هي صورة رمزيّة إنتقاليّة بين إسرائيل والكنيسة. ومريم، لكونها إبنة صهيون، المرأة التي ستلد المسيح، ومسكن الله وتابوت العهد الحامل حضور الله، توجز فيها انتظار إسرائيل، وترمز إلى سِرِّ الكنيسة، أمّ المؤمنين، وهيكل الرُّوح القدس.

 

وتظلّ مريم، بسبب أمومتها، رمز الكنيسة، حتّى عندما تلد المسيح إلى العالم. وتدلّ عندئذٍ رمزيّة الهيكل الجديد إلى المسيح نفسه والكنيسة والمسيحيّ. ويصبح جسد المسيح الطبيعيّ، وجسده السِّرِّي، أي الكنيسة، وجسد المؤمن، عضو الكنيسة، كلّ بدوره، مسكن الله الجديد.

 

قال يسوع: "أنقضوا هذا الهيكل أقمه في ثلاثة أيّام... لكنّه يعني هيكل جسده" (يو 2/ 19 ـ 22). "أما تعلمون أنّكم هيكل الله وأنّ روح الله حالّ فيكم. مَن هدم هيكل الله هدمه الله... وحجر الزّاوية هو المسيح يسوع نفسه الذي به يحكم كلّ بناء ويرتفع ليكون هيكلًا مقدّسًا في الرَّبّ. وبه أنتم أيضًا تبنون معًا لتصيروا مسكنًا لله في الرّوح" (1 قور 3/ 16 أفس 2/ 21 ـ 22). "أوما تعلمون أنّ أجسادكم هيكل الرّوح القدس، وهو فيكم وقد نلتموه من الله" (1 قور 6/ 19).

 

إنّ مريم، موجز الكنيسة، وابنة صهيون، ومسكن الله يوم التجسّد، تستعيد مكانها في وسط الشّعب. وبعد أن كانت تابوت العهد، تحمل في أحشائها إبن الله، صارت عضوًا في جسد الإبن السِّرِّي، وجسد الكنيسة، ومسكن الله الذي تحمله روحيًّا في قلبها. ستظلّ مريم صورة الكنيسة الممتازة ورمزًا لأمومة بتول ينبغي على الكنيسة أن تعيشها دائمًا في وظيفتها كأمّ المؤمنين.

 

تنبّأ المسيح عن قيامته، في حديثه عن هدم الهيكل، هيكل جسده الطبيعيّ بالموت وإقامته في ثلاثة أيّام. "هكذا عندما قام المسيح من بين الأموات، تذكّر التلاميذ أنّه كلّمهم في هذا فآمنوا بالكتاب وبالكلام الذي قاله لهم". في هذا الكلام الغريب عن هدم الهيكل وبنائه في ثلاثة أيّام "كان يسوع يعني هيكل جسده" (يو 20/ 21 ـ 22) وهكذا فإن الهيكل الجديد حيث يسكن مجد الله، هو جسد المسيح المنتصر على الموت. وبقدر ما تمثل الكنيسة هذا الجسد الممجَّد، حيث يصبح كلّ مؤمن، بالعماد، عضوًا فيه. يبنى مسكن الله هذا، بحجارة حيّة، حيث تتمّ العبادة الحقـَّة بالرّوح والحقّ. لقد ترك الله هيكل أورشليم، يوم البشارة، ليجعل مسكنه في مريم، أمته المتواضعة، في النّاصرة، في جليل الأمم. ومنذ ذلك الوقت، أصبح مسكن الله شاملًا، ونصب الله خيمته المقدّسة بين سكّان الأرض كلّها. ويستطيع المسيح أن يقول، يومًا، للسّامرية: "إنّه سيأتي يوم لا تعبدون الله على جبل غاريزيم ولا في أورشليم، بل يعبد فيها العباد الصّادقون الآب بالرّوح والحقّ". إنّ الله روح، وحيث تظهر قوّة الرُّوح هناك هيكل الرَّبّ والعبادة الحقيقية، أي حيث يكون جسد المسيح القائم من الموت بواسطة الرّوح القدس مع الكنيسة والكلمة والأسرار، يكون الهيكل والعبادة الحقيقيّة لأنّ الله يكون هنا في مجده الحاضر في البشر (يو 4/ 21 ـ 24).

 

فالهيكل الجديد إذًا هو الكنيسة الجامعة، جسد المسيح الممجَّد، الحال فيها الرّوح القدس. وتصبح الكنيسة، بعد مريم، مسكن الله بالرّوح، مثلها (أف 2/ 22). لقد حملت في أحشائها جسد المسيح، إبن الله، كما كان تابوت العهد يحمل حضور يهوه الصباؤوت. وتحمل الكنيسة في أحشائها الرّوح القدس وبه تبني هيكلًا جديدًا مقدَّسًا. وهي جسد المسيح السِّرِّي وتحمل المسيح الإفخارستيّ لتوزعه غذاءً للمؤمنين. وستظهر، في اليوم الأخير، في السَّماء، كالهيكل والمرأة الملتحفة بالشَّمس، المنتصرة على قوى الشرّ (رؤ 11/ 19 ، 12/ 1).

 

يدخل المسيحيّ بالعماد وبالافخارستيّا، في جسد المسيح ويصبح بدوره هيكل الرّوح القدس. "إنّ أجسادكم هيكل الرّوح القدس، وهو فيكم وقد نلتموه من الله" (1 قور 6/ 19) وهذا على مثال مريم والكنيسة، لم يعد المسيحيّ لنفسه، فقد سكن الله فيه واشتراه ليجعل منه مسكنه الدّائم: "إنّكم لستم لأنفسكم فقد اشتُريتم وأُودي الثمن" (1 قور 6/ 19). ولا يستطيع المسيحيّ إلّا أن يعيش مثل مريم، بطهارة القلب والجسد... "إنّ أجسادكم هي أعضاء المسيح... فمن اقترن بالرَّبِّ صار وإيَّاه روحًا واحدًا" (1 قور  6/ 15 ، 17). وعليه أيضًا أن يمجِّد الله في جسده، مثل مريم والكنيسة: "فمجِّدوا الله إذًا في أجسادكم" (1 قور 6/ 20) وتمجيد الله في الجسد يعني  أنَّ المسيحيّ يُدرك سكنى الرُّوح القدس في هيكله وسكنى المجد في جسد المسيحيّ المقدّس، كما كان يسكن في الخباء وفي الهيكل وفي تابوت العهد. فالمسيحيّ يمجِّد الله في جسده، عندما يدرك، على مثال مريم، أنّه يحمل المسيح ليعطيه للآخرين ألم يقل بولس في رسالته إلى أهل غلاطية "فإذا حييت فلست أنا الحيّ بل المسيح هو الذي يحيا فيّ؟" (غل 2/ 20).

 

وهكذا تبقى مريم، أمّ الله التي حملت جسد المسيح الطبيعيّ، ومسكن الله وتابوت العهد، رمزًا لأمومة الكنيسة، لكونها أمًّا روحيّة، تلد أعضاء جسد المسيح المؤمنين، بواسطة حكمة الله وأسرار حضوره. وهؤلاء بدورهم، لكونهم هياكل الرُّوح القدس، يجدون في مريم مثال طهارة القلب والجسد. فقد تمّ افتداؤهم: فليسوا إلّا لله يحملونه ويمجِّدون إله المجد الحالِّ فيهم.

 

"مريم أمّ الربّ ورمز الكنيسة"

ماكس توريان