مُستند "التعبُّد" المريميّ

 

 

 

 

 مُستند "التعبُّد" المريميّ

 

 

إن كانت مريم هي من هي، كما وصفناها، انطلاقًا من الأسفار المقدّسة وآباء الكنيسة والملافنة والكتّاب الرّوحيّين، هل مُستغربٌ أن تحظى بذلك التعبُّد المعروف في العالم المسيحيّ، فرديًّا وجماعيًّا، خاصًّا وليتورجيًّا، عند الكاثوليك كما عند الأرثوذكس وبعض الكنائس البروتستانتيّة؟ هل من داعٍ لتبرير مُستنده؟ إن كان لا يزال هناك من حاجة إلى ذلك، سنكتفي بحادثةٍ وببعض الإستشهادات.

 

أمّا الحادثة فهي التالية:

حوارٌ بين كاهن وشابّ في السّابعة عشرة، غنيّ، لكنّ همَّه الأكبر أن "يبحث عن الأهمّ، عن المطلق، عن الأبديّ"، عن الحبّ الإلهيّ. كانا، ذلك اليوم، يتناقشان في سرّ المسيح، وفي دعوته إلى الشبيبة لاستمرار خدمة الرّسالة. فختمَ الشابُّ الحديث بقوله: "على كلّ حال، فالربّ يسوع يكفيني، وإنّي لا أرى ما يُوجب المكانة التي اتّخذتْها العذراء مريم في الحياة المسيحيّة. من جهّتي، ليس لي حيالها أيُّ تعبُّد". فقال الكاهن: "حتّى ولا شيء من التعبُّد الذي كان للمسيح حيال أُمِّه؟".

صُعِقَ الشابّ بهذه "الضربة المباشرة"، فراح يفكِّر طويلاً، إلى أن قال:

- أصبتَ، أبتِ. لم أكن لأفكِّر أنّ حبّنا للمسيح حبًّا حقيقيًّا يقتضي حبَّنا لأمّه. الآن، ودفعةً واحدة، فهمت ذلك.

- لماذا، حتّى الآن، كنت تقيم حاجزًا بينك وبينها؟

- كنت أخشى عاطفةً سطحيّة وتافهة تظهر عند الكثيرين ممّن يتوسّلون إليها. وكنت أقول إنّ المسيح قد فعل ما أمكن ليقترب منّا، فلماذا تكون أُمُّه بينه وبيننا؟ لماذا أَطلقوا الشّعار: إلى يسوع بمريم؟ أليس في ذلك إقصاءٌ للربّ؟

- والآن؟

- بعد ما قلته لي، أرى من الأصحّ أن يقال: إلى مريم، بيسوع.

- وأنا أرى أنّ حبّك للمسيح جعلك تكتشف وجوب الحبّ لأُمّه. فإنّ مسيرتك لم تُضِلَّك... منذ الآن فصاعدًا، سوف ترى كيف أنّ محبّتك لها تزيد محبّتك له. فالأُمّ سوف تجعلك تُدرِك ابنها وتحبّه كما ينبغي.

عادا فالتقيا بعد شهر، فقال الشابّ للكاهن: "كنتَ على حقّ، أبتِ. فإنّ تعلُّقي بالمسيح، بعدما أخذَتْ مريم مكانها في حياتي الرّوحيّة بكلّ نعومة، لا ينقص بل يزداد باستمرار".

 

 

وأمّا الإستشهادات فسنورد منها الأقوال التالية:

 

- ليوحنّا الدّمشقي: "مَن تعبَّد لك يا مريم، حَظِيَ بسلاحٍ خلاصيّ يعطيه الإله لمن يريد أن يخلّصهم".

 

- للكردينال نْيومَن (+1890) القسّ الأنكليكانيّ المُهتدي: "إنّ الأمم والشعوب التي فقدَتِ الإيمان بأُلوهة المسيح، هي في الواقع تلك التي أهملتِ التعبُّد لمريم أمّه. أمّا الذين قد خصّوها بالتكريم، فإنّهم حافظوا على صحّة الإيمان".

 

- لِهَنْس أَسمُوسِّن (Hans Asmussen)، لاهوتيٌّ بروتستانتيّ كبير في الكنيسة الإنجيليّة الألمانيّة، في كتابه "مريم أُمّ الله": "لا يستطيع المرء أن يتساءل حول يسوع، ما لم يضع نُصْبَ عينيه مريم أيضًا. لا، ليس لأحد أن يبلغ إلى المسيح من دون مريم... إنّ الكثيرين من إخواننا البروتستانت يعترفون بأنّهم يتّفقون بسهولةٍ مع الرّسالة الكتابيّة في ما يتعلّق بالتبرير والفداء والحياة الجديدة، أمّا كلّ ما يتعلّق بمريم فهو من الإرتياب بحيث لا يستطيعون الإستناد إليه! هذا غير مقبول. فإنّ ما يسمّيه العهد الجديد صليبًا وتبريرًا وتقديسًا، لا يُفهَم بالمعنى الكتابيّ إلاّ إذا كان كلُّ ذلك يندمج في التاريخ الذي انطلق مع آدم وانتهى إلى مريم...

"عندما وصلتْ مريم إلى بيت أليصابات، تفجّرتْ مشاعر هذه، فأطلقتِ المديح عاليًا: "مباركة أنت في النّساء، ومباركة ثمرة بطنك... طوبى للتي آمنت..." أن نسمعَ هذه البركة ونتأثّر بها، ليس بالأمر الثانويّ الذي يسعنا أن نفسّره على هوانا: إنّه يطال صُلبَ الرّسالة الإنجيليّة...

"إنّ من يؤمن بالكلمة الذي صار جسدًا، فذلك يستطيع أن يمدح البشريّة لـ"سعادتها": فالمسيح قد اتّحد ببشريّتنا الهالكة. وعليه فإنّنا، فيما نمدح مريم، نمدح بشريّة قد أصبحت سعيدة لمّا افتُديَتْ. وإنّ من يرفض لمريم هذا المديح، فكأنّي به يقول: "ليس من مجالٍ للتأكّد من أنّ البشريّة قد افتُدِيَتْ حقًّا!..

"فما دام تعبُّدنا للربّ لا يرجِّع صدى البركة التي بارك بها الله أُمَّ يسوع، فإنّنا لن ننجو من التّهمة بأنّ عبادتنا لا تذهب إلى الوسيط الوحيد يسوع المسيح، بل إلى فكرةٍ لازمنيّة أطلقْنا عليها تسمية يسوع المسيح".

 

- ليوحنّا بولس الثاني: "التعبُّد لمريم لا يتعارض والتعبُّد لابنها، لا بل نستطيع القول إنّ المسيح، لمّا طلب من تلميذه المفضَّل أن يتّخذ مريم أُمًّا له، قد وضع أساس التعبُّد المريميّ... وإذا بيوحنّا يَدخل، مع مريم، في أُلفةٍ كانت تُعمِّق أُلفته مع المعلِّم. وكان يرى في ملامحها ملامح المعلّم المميّزة. أجل، إنّ التعبُّد لمريم انطلق على الجلجلة، وما زال في نُموٍّ مطّرد عند المسيحيّين".

 

- لأَندريه فُويّه (Feuillet): "التعبُّد المريميّ علامةٌ أساسيّة من علامات كنيسة المسيح الحقيقيّة".

 

- لِمَنْتُو بُونامِي (Manteau-Bonamy): "لمّا كان أنّ الله قد شاء أن يَظهر لنا بواسطة المرأة، إلى حدِّ أنّ هذه قد أصبحت، بحسب الجسد، أُمَّ المسيح المولود بقدرة الرّوح القدس، فإنّ من يرفض هذا الجانب الإلهيّ للتعبُّد الواجب للعذراء الأُمّ، إنّما يرفض الوحي نفسه".

فلا غَرْوَ إن كان المجمع قد كرّس هذا التعبُّد، وحثَّ جميعَ أبناءِ الكنيسة على أن يساهموا في تعزيزه، لا سيّما ليتورجيًّا، ويقدّروا ممارساته التقويّة كما وَصَّتْ بها السّلطة عِبرَ الأجيال.

 

ومن جهّته، كان بولس السادس صدًى لأقوال المجمع، في إرشادَيه الرّسوليَّين، "آيةٌ عظيمة" (Signum magnum) و"التعبُّد المريميّ" (Marialis cultus)، حيث يقول إنّه ينبغي أن "لا نفصل التعبُّد لمريم عن التعبُّد للمسيح الذي هو المرجع والمصدر"، إذ إنّ "غاية التعبُّد المريميّ هو تمجيد الله والتوافق مع مشيئته...، هو الذي أجاب تلك المرأة المطوّبة لأُمِّه، قائلاً لها ولنا: "بل طوبى لمن يسمع كلمة الله ويعمل بها" - (لو 11/ 27) - "فأنتم أصدقائي إذا صنعتم ما أنا موصيكم به" - (يو 15/ 14).

 

 

                                                        

جميل نعمة الله السّقلاوي

مرسل لعازريّ      

        

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية