نبوءة سمعان واشتراك مريم في الفداء

 

نبوءة سمعان واشتراك مريم في الفداء

 

 نبوءة سمعان واشتراك مريم في الفداء

 

السؤال الذي تُثيره نبوءة سمعان الشيخ هي مسألة إشتراك مريم، شخصيًّا ومباشرةً، في خلاص البشر بآلام المسيح.

مؤيّدو الحدّ الأدنى في التفسير الكتابيّ، لا يرون في هذه النبوءة أكثرَ من إشعار بالألم الذي ستتحمّله مريم، من جرّاء عذابات ابنها، بصفتها أمًّا كسائر الأُمّهات. أمّا إشتراكها في الفداء، فإنّه لم يتجاوز كونَها قد أَنجبتِ المخلّص، دون أيّ دور فعّال في الخلاض نفسه... فما هي الحقيقة؟

 

"تحصيل حاصل"

إن كان الأمر لا يتعدّى التكهُّن بألمٍ أموميّ بشريّ طبيعيّ، فما من داعٍ، لكي نَحزُره، لأن يُدرَج في نبوءةٍ مِشْيَحِيَّة قد أوحى بها الرّوح القدس. فمِثلُ هذا الألم هو من باب "تحصيل حاصل"، ولا حاجة لنا إلى الرّوح القدس لكي نُدركه. فإذا كان ألمُ العذراء قد أُدرِج في نبوءةٍ عن مأساة الخلاص، فلأنّ لألمها دورًا في تلك المأساة.

 

اتّحاد في الألم

إنّ عذاب مريم، كما تنبّأ عنه سمعان الشيخ، مرتبطٌ إرتباطـًا وثيقـًا بعذاب المسيح: "ها إنّ هذا الولد قد جُعِل... وأنتِ أيضًا... لكي تنكشف..." فالمحنة نفسها، يشترك فيها الإثنان بلا إنفصال.

هذا وإنّ سمعان لا يذكر شيئًا عن آلام المسيح، بل إكتفى بالقول إنّه سيكون "هدفًا للمخالفة". ما يذكره، في مجال الألم، يقتصر على تألُّم العذراء وعذابها. فمِن خلال تألُّمها هي نعرف مُسبقـًا أنّ المسيح ابنها سيتألّم... إنّهما، في نبوءة سمعان، على مقدارٍ من الوحدة الجامعة، بحيثُ إنّ آلام الابن يَكشِف عنها تألُّم الأمّ والسّيفُ الذي سيجوز في نفسها.

أكثر من ذلك: لولا ذِكرُ السّيف، لكان مصير ذلك الذي سيكون "هدفًا للمخالفة" قد بقي غامضًا. فالمخالفة لا تعني حتمًا فاجعةً مأسويّةً. أمّا بفضل ذِكْرِ السَّيف، فإنّنا نُدرِك بوضوح أنّ "المخالفة" ستنتهي بالمسيح إلى عذاب كلّيّ ورهيب، طالما أنّه سيجوز في نفس أمّه كالسّيف، من جانب إلى جانب... فإن كان السّيف سيجوز في نفس مريم حتّى تكاد تموت، فلأنّه سيجوز أوّلاً، حتّى الموت، في جسد يسوع.

وعليه، فلمّا أضاءَ هكذا سمعان الشيخ مصيرَ مريم المأسويّ، أضاءَ بالفعل ذاته مصيرَ يسوع المأسويّ أيضًا وأكثر. ولمّا لم يَكشِف عن آلام المسيح إلاّ من خلال تألُّم أمّه، أقام رباطـًا متينًا بين آلام مريم وتاريخ الخلاص.

 

إشتراك مريم

إشتراك مريم في العذاب الخلاصيّ، يظهر بوضوح في كون التكهُّن بالسّيف مندرجًا في وسط النبوءة، بين ذِكر المخالفة التي تُصيب المسيح وذِكر خاتمة الصّراع بحسب التدبير الإلهيّ، إذ ينكشف مَن كان للمخلّص (وإذًا موضوع "نهوض") ومَن كان عليه (وإذًا موضوع "سقوط")... فعذاب مريم المندرج هكذا، بين ذكر المخالفة وخاتمتها، هو إذًا داخلٌ أيضًا في التدبير الإلهيّ للخلاص، وموجَّه إلى غاية العمل الخلاصيّ.

 

أمّ الأوجاع

أصبحت مريم، منذئذ، "في أبعاديّة الذبيحة، وراحت تستعدّ للإشتراك في مصير المسيح المأسويّ" لخلاص العالم... سوف تكون صدًى حيًّا لجميع آلام المسيح. إنّنا نسمّيها "أمَّ الأوجاع السّبعة"، والرّقم 7 يرمز إلى الكلّيّة والإمتلاء... يسعنا أن نسمّيها أيضًا "سيّدة الصُوفيّين"، أولئك الذين يطلبون من الربّ أن يُشركهم في نزاعه. فإنّها قد إشتركت فيه كلّيًّا. ولمّا كانت مريم هي أُنوثة الطبيعة البشريّة، فإنّها ستكون اتّحادًا تامًّا بذُكورة هذه الطبيعة في "الكلمة" المتجسّد المولود منها.

إن كان المسيح قد رضي بأن يُذبَح ورَغِبَ في ذلك، فإنّ مريم سوف تتبنّى ذينِك الرّضى والرّغبة. فالقبول الذي طُلِبَ منها، يومَ البشارة، لا يقتصر على فعل التجسُّد، بل يَشمَل أيضًا مُجمَلَ التدبير الإلهيّ القاضي بالتجسُّد الفدائي. وكما أنّ التجسُّد لم يكن فِعلَ الذُكورة وحدها، في المسيح، بل وفِعل الأُنوثة أيضًا، في مريم، كذلك يكون للأنوثة، في مريم، دورٌ في الفداء.

هذا وإنّ أمومة مريم المعذّبة ليس فيها شيءٌ من تلك التفاهات العذابيّة المُفتعَلة، التي نشاهدها في بعض اللّوحات والتماثيل والصّوَر، أو نسمعها في بعض التّرانيم حيث تسيل الدّموع مدرارًا... لا، ليس في عذاب مريم ما هو مُفتَعَل. عذابها عذابٌ مقاوِمٌ وذو مروءة، تمامًا كما كان عذاب ابنها من جرّاء "المخالفة".

يقول بّول كلوديل، بعد أن انتقد تلك التَفاهات العذابيّة المفتعَلة: "عن مريم عند الصّليب، لا يقول الإنجيل سوى أنّها كانت واقفة. واقفة، ليس فقط بالجسد، بل هي نفسها ما كان واقفـًا، وكلُّها قوّة وقدرة وتعقُّل وحبّ. كانت منتصبة، مُدرِكة ومشاهدة. أكان للمرأة القويّة، لأمّ الله، لصورة الكنيسة، أن تنهار في تلك السّاعة...، أو ترزح أو تغيب عن الوعي أو تعود إلى ذاتها؟ هل من مجال، ساعتئذٍ، لإضاعة لحظة واحدة من تلك الذبيحة؟... لمّا سمعت ذلك الابن، ابنَ لحمها ونفسها، يُطلِق صرخة الإنتصار الرّهيب: "إنتهى الأمر، وتمّ كلّ شيء"، كان الوقت للإرتعاش والإهتزاز من الرأس إلى أخمصِ القدَم، لا للبكاء والنّحيب! لتُزلزلِ الأرض! لِتنحجبِ الشّمس! ليتمزّقْ ستار الهيكل من الأعلى إلى الأسفل! فإنّ مريم واقفة لا تتزعزع. إنّها ترى. إنّها تعرف. إنّها تنظر. إنّها تشهد. إنّها تُعطي. إنّها تقبل. إنّها تصادق. "ها أنا أمَة الرَّبّ". ها هي الآن، مرّةً أُخرى، مرّةً نهائيّة، أَمَةُ الربّ!

"هناك لأُمِّنا مريم على الجلجلة، شيءٌ آخر تفعله غير البكاء. عليها، باسم الكنيسة التي تأسّست فيها منذ حين، أن تتلقّن أمثولتها في التّعليم الديني...

"عندما يكون المسيح نفسه هو الذي "يقدّس"، لا بل يصنع القدّاس، ليس المجالُ مجالَ انكفاءٍ على الذّات أو تشتُّتِ أفكار. فهي إذًا هنا منتصبةٌ إزاء الصّليب، حاضرةٌ بكلّ ما فيها من طاقاتِ حضور. وإنّها ستكون حاضرةً في كلّ قدّاس يُحتفَل به، حتّى نهاية العالم، طالما أنّ القدّاس ذبيحةٌ واحدة والصَّليب...

"ها هو السّيف الذي وعدها به سمعان قد فعل فعله. وكما أنّه لا يسعنا تصوُّر المسيح بلا الصّليب، فنحن لا يسعنا أيضًا تصوُّر مريم بلا السّيف... فتلك الضربة التي كانت البشريّة، منذ السّقطة الأولى، تنوي تسديدَها إلى الله ثأرًا لهزيمة الشيطان، قد جازت في قلبها لتطال قلب ابنها".

كانت مريم تعلم، منذ يوم البشارة، أنّ ابنها سيكون المخلّص. وكانت، منذ نبوءة سمعان، تعلم أنّه سيخلّص العالم في صراعٍ مميت يخترق نفسها بوجعٍ أليم لا يُطاق. لكنّ السّيف بدأ يفعل فعله منذ ولادة ابنها. وهي شريكة الفادي قبل السّاعة الأخيرة بزمان.

 

به وفيه ومعه

هل يعني إشتراكُها أنّ "استحقاقاتها" مستقلّة عن استحقاقات ابنها؟ كلاّ! حتّى لو أنّ تألُّمها يُظهِر لسمعان آلام المسيح، يبقى أنّ هذا التألُّم مرتبطٌ "أنطولوجيًّا" بآلام ابنها. فإنّ نفس "أَمة الربّ" سوف تُطعَن لأنّ جسد "عبد الله" سوف يُطعَن هو أيضًا: ذبيحة المسيح تبقى هي الأساسيّة، وهي التي تمنح "ذبيحة" مريم الكيان والقيمة. بَيْدَ أنّ الابن والأمّ مرتبطان برسالة واحدة.

يلخّص الأب رينيه لورنتين (René Laurentin)، كما يلي، سرَّ عذاب مريم: "شركة مريم والمسيح شركةُ خلاصٍ إعتنقتْها مريم عن وعيٍ وإدراك. رضِيتْ بأن تُصبح أُمَّ المسيح الآتي "ليخلِّص شعبه من خطاياهم" - (لو 1/ 31، متّى 1/ 21) -. إنّ قبول "أمَة الرَّبّ" الكلّيّ والغير المشروط، ليس قبولاً بولادة المخلّص فحسْب، بل وبالعمل الخلاصيّ كلّه. والدّليل على ذلك رسالة البشارة والنّشيد المريميّ. عادت منذئذ إلى فكر مريم النّبوءةُ التي بها يبشّر أشعيا بـ"ذبيحة" المسيح المؤلِمة - (53/ 1 - 5، 7، 10) - وببُعدها الخلاصيّ - (53/ 5، 6، 10، 12) -. على كلّ حال، فإنّ سمعان الشيخ يُوضح لها المخالفة التي سيواجهها ابنها "لنهوض الكثيرين" - (لو 2/ 34) -، كما ومشاركتها السرّيّة في هذا العذاب: السّيف الذي سيجوز في نفسها - (لو 2/ 35) -. وهي سوف تذوق مُسبقًا هذا العذاب، لدى احتجاب ابنها ثلاثة أيّام وبحثها عنه في أورشليم. أيّامُ الغمّ الثلاثة هذه - (لو 2/ 48) -، يرى فيها الإنجيليّ صورةً مُسبقة لـ "ثُلاثيّة الموت".

 

                                                           الأب جميل نعمة الله السّقلاوي  

           

macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية