نبوءة سمعان والسّيف

 

 

نبوءة سمعان والسّيف

 

 

 نبوءة سمعان والسّيف

 

"ولمّا تمَّت الأيّام لتطهيرهما، بحسب ناموس موسى، صَعِدا به إلى أورشليم ليقدّماه للربّ، على حسب ما هو مكتوب أنّ كلّ ذَكَرٍ بِكْرٍ يكون مقدَّسًا للربّ، ولْيُقرِّبا ذبيحة، زوجَي يمام أو فَرخَي حمام" (لو 2/ 22 - 24).

لماذا حضور الطفل؟

لم تكن الشريعة تَفرِض المجيءَ بالمولود الذَكَر البِكر إلى الهيكل. لا، ولم يكن مفروضًا إفتداؤُه بذبيحة أو دفع خمسة مثاقيل فضّة، أي نحو 25 فرنكًا ذهبًا (خروج 13/ 2، 11 - 16، عدد 18/ 16)، إلاّ في حالِ عدم وَقْفِه "مقدَّسًا للربّ". ولكن، في الواقع، يسوع الذي حُبل به بقدرة الرّوح القدوس، "مقدّسٌ" هو بطبيعته، منذ لحظة الحبَل به، ومكرَّس للربِّ كلّيًّا ودون عدول. إذًا، ليس لوالديه لا أن يقدّساه ولا أن يفتدياه.

 فإذا صَعِدَتْ مريم إلى القدس، فليس بموجب شريعة التطهير الذاتيّ القانونيّ، هي الكلّيّة الطهارة قبل الميلاد وفيه وبعده (يا للطاعةِ العمياء لشريعةٍ لا تتحسّب للحالات الإستثنائيّة! ويا لها من مثالٍ لنا نحن الذين قد يحاولون التهرُّب من الشرائع والأنظمة!..). ولم تصعد مريم إلى أورشليم لأنّها مُلزمة بذلك: وحدَهنّ النّساء الواضعات السّاكنات في المدينة كُنّ مُلزمات. لا، ولم تصعد لـ"تفتدي" يسوع. بالعكس. صعدت ويوسف "ليقدّماه للربّ"، أي، في نيّة الفريضة القانونيّة، ليقدّماه ذبيحة.

 يقول الأب سَنْتُوي (Santeuil)، في الجيل السّابع عشر: "صهيون! إفتحي أبوابك! فها هو المسيح يدخل إليك، كاهنًا وأُضحيّة. فلْتتنَحَّ الرُّموز الباطلة أمام الحقيقة!.. لن يدخّن بعد اليوم دمُ القُطعان التي تُذبَح للتقدمة: ها هو الإله الابن يقدِّم نفسه على مذابح الربّ، ترضيةً لأبيه... والعذراء، أليفةُ الأُلوهة المحتجبة، ها هي تحمل على ذراعيها ذلك الإله الذي وَلَدَت".

على كلّ حال، فكرة التقدمة الذبائحيّة هذه، واضحةٌ جدًّا عند القدّيس بولس (روم 6/ 13 - 19، 1 قور 8/ 8، 2 قور 4/ 14، 11/2، كول 1/ 22، 28).

 

حمل الله

كانت المرأة الواضع مُلزَمَة، حسب الشَّريعة، بأن "تأتي بحَمَلٍ حَوْليّ (ابن سنة)، مُحرَقةً، فتَطهُر من سَيَلان دمها. وإن لم يكن في يدها ثمنُ حَمَلٍ، فلْتأخذ يمامتين أو فَرخَي حمام" (أحبار 12/ 6 - 8).

كانت مريم فقيرة. لم يكن في يدها ثمنُ حَمَل. فأتت بيمامتين أو فرخَي حمام. ولمّا أتت، غيرَ مُلزمة، بابنها أيضًا، ألا يعني ذلك أنّها كانت مُدرِكةً بأنّها تأتي إلى الهيكل بالحمل الحقيقيّ المُعَدِّ للمُحرقةِ الوحيدة ذاتِ القيمة النهائيّة، فتقدّمه للربّ معترفةً بأنّه مِلكُه المُطلق؟ لِمَ لا؟

 

أمّ الحمل

مريم مَعنيّة بتقدمة حمل الله الحقيقيّ وباتّحادها بابنها الفادي، إلى حدّ أنّ القدّيس لوقا جمعَهما معًا في عبارة واحدة، لمّا قال: "لمّا تمَّت الأيّام لتطهيرهما"، كما لو أنّ "تطهير" مريم (الكلّيّة الطهارة) هو واحدٌ و "افتداءَ" ابنها (المكرَّس كلّيًّا). فالتطهير، بالنسبة إليها هي الطاهرة، أن "تتجرّد عن ابنها بتكريسه للإله العليّ، فيكون في ذلك تقدمةٌ حقيقيّةٌ أعمقُ من كلّ ذبائح التطهير الطقسيّة". هذا التجرّد إعتناقٌ منها لعذابات الحمل المستقبليّة، كما سيتّضح من النبوءة التي ستسمعها بعد حين من فم سمعان الشيخ.

 

سمعان الشيخ

"وكان في أورشليم رجلٌ اسمُه سمعان، وكان هذا الرّجل صدّيقًا تقيًّا. وكان ينتظر تعزية إسرائيل. والرّوح القدس كان عليه. وكان الرّوح القدس قد أوحى إليه أنّه لن يرى الموت ما لم يُعاين مسيحَ الربّ. فأقبل إلى الهيكل بقوّة الرّوح. ولمّا دخل بالطفل يسوع أبواه، أخذه هو على ذراعيه وبارك الله، وقال: "الآن، أيُّها السيّد، تُطلِق سبيل عبدك...، لأنّ عينيّ قد شاهدتا خلاصك، الذي أعدَدتَه أمام وجوه الشعوب كلِّها، نورًا يضيء الأمم، ومجدًا لشعبك" (لو 2/ 25 - 32).

 

النبوءة

ثمّ تنبّأ، في خُطى أشعيا (50/ 4 - 9، 52/ 13، 53/ 12)، وقال لمريم، كاشفًا لها عن مصير ابنها ومصيرها هي المأساويّ: "ها إنّ هذا الولد، قد جُعل لسقوط ونهوض كثيرين في إسرائيل، وهدفًا للمخالفة، وأنتِ أيضًا سيجوز سيفٌ في نفسك، لكي تنكشف الأفكار من قلوبٍ كثيرة" (لو 2/ 34 - 35).

يتّضح من هذه النبوءة أنّ مأساةً تآمُريّة سوف تُدبَّر ليسوع، فيختلف البشر عليه حتّى الرّفض، ومريم ستكون مشتركة في تلك المأساة حتّى العذاب المرير.

 

مريم والنبوءة

ما يَلفِتُ النّظر، لأوّل وهلة، هو أنّ النبوءة موجَّهة إلى مريم وحدها، بغَضّ النّظر عن يوسف الذي يهمُّه أيضًا مصير الولد كما يهمُّ أُمَّه. لِمَ هذا الإغفال؟ لأنّ سمعان كان يعلم، من نبوءة أشعيا 7/ 14، أنّ لمريم دورًا أوّليًّا: "ها إنّ العذراء تَحبل وتلد ابنًا وتدعو اسمه عِمّانوئيل". لا ذِكْرَ لأيّ دور يُسنَد إلى الرّجل. فإذا لم يوجّه سمعان الكلام إلاّ إلى مريم، فلكي يبيّن أنّها، بخلاف يوسف، سوف تكون، بصفة فريدة، الشريكة المعذّبة للمسيح الفادي ابنها... كونُ الكلام لم يوجَّه إلاّ إلى مريم دلالةٌ كافية على هذا الإشتراك. وهناك أكثر من ذلك:

نصُّ النّبوءة مثقَّل لغويًّا بكلامٍ يَقطع ويعطِّل سياقَ الجملة. كان منتظرًا ومنطقيًّا وأصحَّ لغويًّا، بعدَ التنبُّوء عن مصير الولد، أن يتابع سمعان قائلاً: "... لكي تنكشف الأفكار من قلوب كثيرة". لكنّه يُدخل، بطريقةٍ غير منتظرة، التنبُّوءَ عن السّيف، بين هذا الكلام الأخير وما سبقه.

هذا يعني أنّه كان في نيّته إبرازُ التنبُّوء عن السّيف وإعطاؤه أهميّةً كبرى. وما عدا ذلك، فإنّ هذه الأهميّة تَظهر في كون سمعان المتحدِّث إلى مريم، بدلاً من أن يكتفي بالقول: "ويجوز سيف في نفسك"، يقول: "وأنتِ أيضًا سيجوز سيف في نفسك"، كما لو أنّه أراد أن يشدِّد على كون الولد لن يكون وحده معنيًّا بتلك المأساة، بل هي أيضًا ستكون مُنغمِسةً شخصيًّا في المأساة المِشْيَحِيَّة.

هذا الإنغماس سيكون لها إجتيازًا لنفسها، لكيانها الصّميم، بسيفٍ حادٍّ ورهيب. فالكلمة اليونانيّة (romphaia) تعني سيفًا كبيرًا جدًّا ورهيبًا. المرُ الذي يوحي بأنّ ألمًا كبيرًا سوف يجتاز نفس مريم من جانب إلى جانب. الصّورة هذه قاسيةٌ جدًّا وعنيفة: فالأمرُ ليس مسألةَ مشقّة عاطفيّة سطحيّة، بل مسألةُ ألمٍ حادٍّ للغاية يخترق حتّى أعماق الكيان، وينفُذ "حتّى مفرقِ النّفس والرّوح، والأوصالِ والمخاخ" (عب 4/ 12). كان ينبغي لـ "عبد الله" أن "يُشدَخ" في جسمه (أشعيا 53/ 5). كذلك ينبغي لـ"أمَة الله" أن "تُشدَخ" في نفسها، لا سيّما على الجلجلة.

يقول ماكس توريان: "مريم هي، في ذلك، مثالُ الكنيسة، مثالُ جماعة المؤمنين الذين يُمتَحنون، في قضايا إيمانهم ووعودِ رجائهم، بالعذاب والشّدائد وحقد البشر... يعيش المسيحيّ هذا الصّراع، بين المسيح الذي يحبّه في الإيمان وبين الشّدائد الدنيويّة التي تنال منه في جسده. أمّا مريم فإنّها تعيش هذا الصراع، بين المسيح الذي تحبّه - في الإيمان بصفتها مؤمنةً، وفي الجسد بصفتها أُمًّا بشريّة - وبين الشدائد العالميّة التي ستنال من ابنها حتّى عذاب الصّليب. فهي، بذلك، الصّورة الحقيقيّة للكنيسة. لكنّها سوف تتعذّب أكثر من كلّ مسيحيّ، طالما أنّ موضوع إيمانها المستهدف باضطهاد العالم، هو نفسه الابن الذي وَلَدت والذي تحبّه كأُمّ بشريّة. سيف مريم هو صليب المسيح المغروز في قلبها الوالديّ، هي التي كان لها من الرَّبّ أروعُ الوعود...

"وهي لن تجوز، منتصرة، تلك المحنة الأليمة، محنة السّيف...، إلاّ بارتضائها الصّليب في حياة ابنها - وإن يَكُنِ ابنَ الله - وفي حياتها هي، حياةِ المؤمنة وحياة الأمّ".

 

                                                           الأب جميل نعمة الله السّقلاوي      

 

macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية