والدة الإله القدّيسة في التدبير الأسراريّ

 

والدة الإله القدّيسة في التدبير الأسراريّ

 

والدة الإله القدّيسة في التدبير الأسراريّ

 

أ ـ سرّ التدبير

1- إنطلاقًا من الاستعمالات الثلاثة لعبارة "تدبير" (Oikonomia) في رسالة القدّيس بولس إلى أهل أفسس (1، 10 و 3، 2 و3، 9)، فإنّ التدبير يعني، بالمعنى الأمثل، قصد الآب، "القصد المحبّ العطوف الخيّر (eudokia)، المرسوم بحكمة، أي "سرَّ مشيئته" الذي تحقّق في التاريخ واكتمل في المسيح (أف 1، 5 ـ 10). من هنا الفروقات التعبيريّة الدقيقة التي تحاول ترجمة ما يتعذّر بيانه: "تدبير نعمة الله" (أف 3، 2)، "تدبير السرّ" (أف 3 ، 9)، تدبير الخلاص، تدبير الكلمة المتجسّد، ورجوعًا إلى القدّيس بولس، ما حرفيّته: "التدبير الأزليّ" أو "تدبير ملء الأوقات" (ton kairon) (أف 1، 10). ما يقابله عبارة "ملء الأزمنة" (tou chronou) (غل 4، 4).

 

وبالفعل، إنّ الآب، لكي يحقّق قصد محبّته، "حدّد أزمنة وأوقاتًا". فالأمر إذًا لا يتعلّق بـ "تاريخ الخلاص"، بالمعنى التسلسليّ الزمنيّ البحت، بقدر ما يتعلّق بتدبير سرّ المسيح، "الذي ظلّ مكتومًا طوال الدّهور في الله خالق جميع الأشياء" (أف 3، 9)، والذي تحقّق في التاريخ من أجل البشر أجمعين، ومعهم. هذا التدبير يمرّ بأربعة أزمنة كبرى، هي أربع محطّات أو مراحل. فمنذ البدء، كان زمن التهئية زمن الصُوَر، صُوَر الكلمة المتجسّد كما أوحي به في العهد القديم. و"لمّا تمّ الزمان" أو "عندما حلّ ملء الزمان" (غل 4 : 4)، حقّق الابن قصدَ حبِّ الآب "من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا"، وذلك بتجسّده وموته وقيامته وصعوده وجلوسه عن يمين الآب. وبحلول الرّوح القدس على الرسل الإثنيّ عشر، افتُتِحَت "الأزمنة الأخيرة" (رسل 2، 17 وعب 1، 2). وعندما سيعود الابن في مجيئه الثاني المجيد، سيُتمّ حينئذٍ "اكتمال الزمان" أو "منتى الدّهر" (متى 28 ، 20) و "لن يكون لملكه انقضاء (لو 1، 33).

 

2- والحال أنّ تدبير سرِّ المسيح في "الأزمنة الأخيرة" التي نحن فيها، أي في زمن الكنيسة الممتدّ من العنصرة إلى ظهور الربّ الأخير، هو تدبير أسراريّ. فما عاشه المسيح، من تجسّده إلى صعوده، عاشه مرّة واحدة، "مرّة وإلى الأبد" (éphapax). فملءُ الزمان ليس وراءَنا، في الماضي، بل هو حاضرٌ دائمًا. إنّ حدث الخلاص الذي أتمّه المسيح هو انتصاره على الخطيئة والموت. لذلك، فهذا الحدث هو، في التاريخ كلّه، الحدث الوحيد الذي يَمضي ولا يبتلعه الموت، بل هو حدث دائم، فاعل، أقوى ممَّا كان خلال حياة يسوع الفانية.

 

ولكن، "كيف يكون ذلك؟" كما قال نيقوديمس (يو 3، 9). بقوّة الروح القدس. فبها صار تدبير الخلاص يَفيضُ على العالم بصورةٍ أسراريّة. أسراريّة؟ أجل، إنّها "طريقة كيان (Tropos) جسد المسيح، الرأس والأعضاء، عَبرَ حقائق هذا العالم. وهذه الطريقة تحتوي وتُأوِّن حدثَ سرِّ الخلاص الذي تمّ "مرّة وإلى الأبد". فالرّوح القدس نفسه الذي "مسح" الكلمة المتجسّد وأقامه وجعله ربًّا ومسيحًا (راجع رسل 2، 36)، هو الذي "مسح" أعضاء جسده. لذلك فإنّ سرّ التدبير يتواصل أسراريًا بالكنيسة التي هي "علامة وأداة الشركة مع الله ووحدة الجنس البشريّ" (نور الأمم، 1).

 

3- يجب أن تتيح لنا هذه المقاربة الأولى أن نَفهَمَ موقع والدة الإله في سرِّ التدبير. فرسالتها تَظهَر أوّلًا عند تلاقي زمن المواعد (العهد القديم) وملء الزمن (راجع  غل 3، 23 ؛ 4، 4). فبقوّة الروح القدس وببتوليّة مريم، أي بعجزها المرتَضى، "صار ابنُ الله ابنَ البتول" (طروباريّة البشارة في الطقس البيزنطيّ).

 

إلا أنّ هذا اللقاء ليس لقاءً زمنيًّا وحسب، فوالدة الإله ليست مجرّد علامة، مخفيّة بَعْد، على "أنّ الأزمنة قد تمّت" (مر 1، 15)، وعلى أنّ "زمن المواعد" سيعقبه "اكتمالها". إنّ الأمر يتعلّق بالحدث، الحدثِ الوحيد الذي لا يتصوّره عقل، الحدث الذي يَقلِب التاريخ كلّه،  تاريخ الخليقة الأولى، والذي يَحمِل منذ الآن بذرة الحصاد الأبديّ. نحن أمام اتّحاد الطبيعة البشريّة بالكلمة خالق الكون. فبمريم، وفيها، يقترن الابن الحبيب ببشريتنا في عهد جديد لا ينفصم. ولأنّها "العروسة التي لا عروس لها" (صلاة المدائح في الطقس البيزنطيّ) لِمَن هو كائنٌ قبل أن تكون خليقته، فإنّنا نَفهَمُ في أي معنى مريم هي حقـًّا والدة الله: لا والدة الألوهة، بل والدة الابن المساويّ للآب في الجوهر، التي فيها يَتَبَنّى الابنُ بشريّتَنَا. والحال أنّ هذا الاتّحاد المؤلِّه بالذات هو الذي يكوِّن سرَّ التدبير من بدايته إلى اكتماله. والأوقات (Kairoi) التي تشارك فيها والدة الإله في هذا التدبير لا يمكنها إذًا أن تُفصَل عن سائر "الأوقات والأزمنة" في القصد الإلهيّ: فهي تندرج في لحمة تدبير الكلمة المتجسِّد في قلب ملء الزمان. نحو هذا الملء يتّجه زمن المواعد، ومنه يَفيضُ على الأزمنة الأخيرة، إلى أن "يصير الله كلًّا في الكلّ".

 

ب ـ الاحتفال الأسراريّ بالسرّ

إنّ الرّوح القدس يُدخِلنا، في نور الإيمان، إلى الحقيقة كلّها: "فالقصد الإلهيّ واحد، وهو يمتدّ وفقـًا لأوقات مرسومة بحكمة. الرّوح القدس، العامل في سينرجيّة (شراكة) مع الكنيسة، يؤوّن "في الأزمنة الأخيرة" ويُبلِّغ ما أتمَّه المسيح "مرّة وإلى الأبد"، أي سرّ التدبير الفاعل أسراريًا. كيف تشارك والدة الإله في هذا التدبير الأسراريّ؟ إنطلاقـًا ممّا هو مشترك بين الاحتفالات الأسراريّة في كنائسنا، نجد في أزمنة القصد الإلهيّ الأربعة الكبرى  أنّ اسم "والدة الإله" يَحتوي "سرَّ التدبير كلّه".

 

مريم العذراء في الليتورجيا

الكسليك لبنان

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية