أتعلّم من عيد العنصرة

 

 

 

أتعلّم من عيد العنصرة

 

 

التعلّم من الناحية اللغويّة مشتقٌّ من الفعل الثلاثيّ "علم"، أمّا من الناحية الاصطلاحيّة فهو عمليّة تغيّر وتعديل في سلوك الفرد واكتساب معارف ومهارات وقيم جديدة تساعده على تنمية قدراته على الاستيعاب والتحليل والاستنباط، لا يلاحظ بشكل مباشر، ولكن يستدلّ عليه من السلوك، ويتكوّن نتيجة الممارسة وتدريب العقل.

 

ينظر علماء نفس الإدراك إلى التعلّم بأنّه عمليّة تنسيق وبرمجة للمعلومات التي يستقبلها الإنسان من طريق حواسه الخمس، والقيام بتخيّلها وإدراكها وتحليلها وتفسيرها وتقويمها وتبويبها في فئات، ثمّ تخزينها في الذاكرة، من أجل استرجاعها عند الحاجة.

 

 أمّا علماء الإجتماع، فيرون التعلّم بأنّه عمليّة اكتساب الثقافة التي ينتمي إليها الفرد، واكتساب أخلاق المجتمع الذي يعيش فيه، وتقمّص عاداته وتقاليده وقوانينه وهويّته وطريقة حياته، ومشاركته في العمل والبناء، ويرى علماء البيئة التعلّم بأنّه نتيجة لإدراك وتفاعل بين الفرد وبيئته.

 

 

فماذا أتعلّم من عيد العنصرة؟

1- في التقويم العبريّ القديم، كلمة "عنصرة" لفظة عربيّة مأخوذة من العبريّة (عتصيرت) ومعناها إجتماع أو إحتفال. أمّا التسمية اليونانيّة "بنتاكُستس"، أي "الخمسين"، فتعود إلى الاحتفال بالعيد بعد مرور سبعة أسابيع (تثنية الاشتراع 16/ 9) أو خمسين يومًا بعد الفصح (أحبار 23/ 16). وفي الكتابات الرابينيّة، يدلّ على ختام "الخمسين الفصحيّ". ودُعي أيضًا "عيد الأسابيع" "شفوعوت" (طوبيا 1/ 2).

 

ويعتبر عيد العنصرة (عيد الأسابيع) أحد أعياد الحجّ اليهوديّة الثلاثة مع عيد الفطير (الفصح) في الربيع، وعيد الأكواخ (قطف الثمار في الخريف) (تثنية الاشتراع 16/ 13 – وأحبار 23/ 34).

 

 ومع الوقت تطوَّر موضوع هذا العيد، فكان أوّلاً عيدًا زراعيًّا، احتفل به اليهود في البداية في الربيع كعيد شكر لحصاد القمح (خروج 16/ 23)، وسمّي "يوم البواكير" (عدد 26/ 28)، لأنّهم كانوا يقدّمون فيه رغيفين من الدقيق الذي طحن من غلّة الحصاد (أحبار 17/ 23)، ويقدّمون عشر ذبائح (أحبار 18/ 23) ويذكرون المحتاجين (تثنية 11/ 16).

 

 وفي القرن الثاني قبل الميلاد، أصبح من أعيادهم العظيمة، إذ بدأ يدلّ على ذكرى تسليم الشريعة في طور سيناء مع موسى، لأنّ الشريعة أُعطيَت خمسين يومًا من بعد الفصح (خروج 19/ 1-16). وفي قمران، تبدو العنصرة أهمّ الأعياد التي فيها يحتفلون بتجديد العهد. وأخيرًا عيدًا مسيحيًّا، عيد هبة الرّوح القدس.

 

 

2- في العهد الجديد، وبحسب رواية سفر أعمال الرسل (2/ 1-31)، تحوّل عيد العنصرة إلى عيد حلول الرّوح القدس على تلاميذ المسيح بعد عيد الفصح بخمسين يومًا. ولهذا سُميَّ أيضًا بعيد الخمسين. "ولمّا حضر يوم الخمسين كان الجميع بنفس واحدة وصار بغتة من السماء صوت كما من هبوب ريح عاصفة وملأت كلّ البيت حيث كانوا جالسين وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنّها من نار، واستقرّت على كلِّ واحد منهم وامتلأ الجميع من الرّوح القدس وابتدأوا يتكلّمون بألسنة أخرى". وعليه تُشكّل العنصرة تكملة عيدي الفصح والصعود. يوصف عيد الخمسين أحيانًا في اللاهوت المسيحيّ بأنّه "عيد ميلاد الكنيسة". كما يشير إلى مواصلة التجلّيات الإلهيّة. ففي الأيَّام "الأخيرة سوف يعطى الرّوح للجميع" (يوئيل 3/ 1-5/ حزقيال 36/ 27). يوضح بطرس الرسول بأنّ العنصرة تحقِّق مواعيد الله. وقد ثبَّت يسوع بعد قيامته هذه المواعيد "تعمّدون بالروح القدس بعد أيّام قليلة" (أعمال 1/ 5).

 

 

 

3- يستعمل كتاب أعمال الرسل لوصف العنصرة رموزًا للإشارة إلى الروح القدس، مثل صورة ريح عاصفة، وصورة ألسنة النار، والتكلّم باللّغات.

 بدأ الجميع يفهمون بعضهم بعضًا، يدلّ على عودة البشريّة إلى برج بابل.

افتتح الروح القدس عهدًا جديدًا فأعطاهم أن تنفتح أذهانهم ويفهموا. فعطيَّة الروح هذه كما ورد في تعليم الكنيسة الكاثوليكي "هي زمان الكنيسة، الملكوت الذي صار ميراثنا منذ الآن ولم يكتمل بعد، فظهرت الكنيسة ظهورًا علنيًّا أمام الجماهير وابتدأ نشر الإنجيل مع الكرازة بملكوت الله".

كما تذكّرنا الريح والنار بالعلّيّة وكل ما حدث بصورة جبل سيناء عند استلام موسى للوصايا وإقامة "العهد" مع الشعب في البريّة. إنّه الروح القدس ينزل الآن ليعطي العهد الجديد للتلاميذ ويحوّلهم من "جماعة" إلى "كنيسة".

 مع العنصرة، يظهر بوضوح البعد العلنيّ لإعلان الإيمان بجرأة لكلّ إنسان وللشهادة والتبشير بإنجيل الملكوت.

"في الأيّام الأخيرة أفيضُ مِن روحي على جميع البشر، فيتنبّأ بنوكم وبناتُكم ويرى شبابُكُم رؤًى ويحلمُ شيوخُكُم أحلامًا. وعلى عبيدي، رجالاً ونساءً، أفيضُ مِن روحي في تلكَ الأيّام فيتنبّأون كلّهم".

 

 

4- ولدت الكنيسة من الرّوح القدس في يوم الخمسين، وارتبطت به في عملها ونموّها وتعليمها وشهادتها.

وعرفت رسالتها على أنّها جماعة مبشّرة وشاهدة. لقد أعلن الربُّ يسوع:

"ستنالون قوّة متى حلّ الرّوح القدس عليكم وتكونون لي شهودًا في أورشليم وفي كلِّ اليهوديّة والسامرة وإلى أقاصي الأرض" (أعمال الرسل 1/ 8). وقد شدَّد الرسول بولس على أهميَّة موهبة الرّوح القدس التي تؤهّل للرسالة وتقوّي شهادتنا وتجعلها صريحة وشجاعة، من جهّة.

وعلى مدى الارتباط القويّ بين الحصول على "قوّة الرّوح القدس" وبين حلول المسيح في قلوب المؤمنين للحصول على ملء الله كجماعة، "كنيسة" من جهّة أخرى.

 فمنح الرّوح الرُسل قوّة ليكونوا للمسيح شهودًا إلى أقاصي الأرض أمام الملوك والأمم والشعوب. أتاح لهم إمكانيّة التبشير بالإنجيل، بالبشرى السّارّة وسرّ المسيح وتعليمه. إنّ الرّوح القدس هو الباراقليط والمعزّي والشفيع والمحامي. إنّه مرشد ومعلّم ومذكّر ومُعطي قوّة للإنتصار على الشرّير. هو مصدر حياة روحيّة، حياة التبنيّ الإلهيّ والتبشير بالمسيح القائم من بين الأموات.

 

وقد قال القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفمّ: "إذا لم يكن الرّوح القدس حاضرًا معنا فلن تكون هناك كنيسة".

 

 

5-  في الخدم الطقسيّة لعيد العنصرة، لا تحتفل الكنيسة فقط بعيد حلول الرّوح القدس على التلاميذ أو عيد تأسيس كنيسة المسيح، بل تمجّد الثالوث القدّوس في الليتورجيا، فنحتفل برتبة السجود.

 لذا تستقبل الكنيسة فعل الرّوح القدس وهي ساجدة. كانت العادة قديمًا في عهد الرسل أن يقرأ المصلّون صلوات السجدة وهم وقوف. ولكن جاء في التقليد الكنسيّ بأنّه تعود فكرة السجود ركوعًا إلى ما حدث مع البطريرك مكاريوس الأنطاكي. بينما كان يتلو الطلبات هبّت ريح عاتية، كما حدث في علّيَّة صهيون يوم عيد الخمسين، فخرَّ المصلّون ساجدين. وعندما وقفوا هبّت ثانية فسجدوا. ثمّ قاموا ليكمِّلوا الصلاة وقوفًا فهبّت الريح مرّة ثالثة، فسجدوا فهدأت. فرأوا فيها علامة بأن الله يريد أن تؤدّى هذه الصلوات في حالة ركوع.

 

ومنذ ذلك الحين، تبنّت الكنيسة هذه الرتبة ركوعًا. بينما يرى البعض بأن السجود يعود إلى قول المسيح يسوع في لقائه مع السامريّة: "ولكن تأتي ساعة وهي الآن حاضرة، حيث الساجدون الحقيقيّون يسجدون للآب بالرّوح والحقّ.. الله روح والذين يسجدون له فبالرّوح والحقّ ينبغي أن يسجدوا". (يو 4/ 24).

 

 

6- استفاض آباء الكنيسة في كتاباتهم عن معنى السجود.

قال القدّيس باسيليوس الكبير: "كلّ مرّة نسجد فيها إلى الأرض نشير إلى كيف أحدرتنا الخطيئة إلى الأرض وحينما نقوم منتصبين نعترف بنعمة الله ورحمته التي رفعتنا من الأرض وجعلت لنا نصيبًا في السّماء".

 

 وقال القدّيس يوحنّا الدلياثي: "السجود أمام الله في الصلاة دلالة على محبّة المؤمن لله، وموت النفس عن العالم وإدراكها سرّ الحياة الجسديّة".

 

وقال القدّيس مار اسحق: "كلّما استنار الإنسان في الصلاة كلّما شعر بضرورة ضرب المطّانيّات وأهميّتها ويحلو له الثبات... كلّ ما يرفع رأسه ينجذب من فرط حرارة قلبه للسجود لأنّه يحسّ بمعونة قويّة في هذه الأوقات ويزداد فرحة وتنعمًّا".

 

 

7- تحدّثنا السجدات الثلاث عن موضوع الرّوح القدس.

في السجدة الأولى، نرى في صلاة السيد المسيح من أجل التلاميذ والمؤمنين به مجد الرّوح القدس.

 

في السجدة الثانية، نلمس وعد الله لنا بإرسال الرّوح القدس.

 

 وفي السجدة الثالثة تحلّ بركات الرّوح القدس المشبّهة بالماء الذي يعطيه الربّ يسوع.

 

 في صلوات السجدة يُحرقُ البخّور لأنّه في يوم الخمسين انتشرت رائحة الرّوح القدس الذكيّة بين التلاميذ وملأت العالم كلّه بواسطة عملهم الكرازيّ.

 

مع الإشارة إلى أنَّ البخور يرمز إلى وجود الله في المكان، لأنَّ رائحة البخور هي رائحة الربّ كما يقول سفر الأناشيد "ما دام الملك في مجلسه أفاح ناردين رائحته". وكما ذكر سفر الرؤيا "ملاك وقف عند المذبح ومعه مجمرة من ذهب وأعطى بخورًا كثيرًا لكي يقدّمه مع صلوات القدّيسين جميعهم على مذبح الذهب الذي أمام العرش" (رؤ 8/ 3).

 

 

 

خاتمة

يا مريم العذراء، يا مَن مكثتِ مع الرسل في العلّيَّة، وبصلاتِكِ معهم جذبتِ نار الروح على الكنيسة الناشئة، أعطينا نعمة الاستمرار والمثابرة على التوسّل حتى تتأجّج نار الرّوح عينها في قلب إخوتنا وفي قلب الكنيسة الجامعة.

 

الخوري جورج فارس

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية