أرضًا جيِّدة لزرع البشارة

 

 

 

أرضًا جيّدة لزرع البشارة

 

في الأحد الثالث عشر من زمن العنصرة تضعُنا الكنيسة أمام نصوصٍ تركِّز على دعوة كلِّ مسيحيٍّ كي يتجنَّبَ الإنقسام ويكون أرضًا جيِّدة لزرع البشارة... مع الرِّسالة نسأل: "هل نعاوِن الله؟" مع الإنجيل نسأل: "هل نحن "أرضٌ صالحة" للبشارة؟ أم نحن مُنقسِمون كجماعة قورنتُس ما بين "جماعة بولس" وجماعة "أبلُّوس؟".

 

يحفل العهد الجديد بأمثلة وتعاليم تشبِّه الجماعة بالحقل، أو بالبناء وتدعو مَن يُصغيَ إليها ليكون من معاوني الله في زراعة الحقل بأعمال البرِّ والشَّهادة عبر الأعمال التي تُدعِّم أساسات بناء الكنيسة وتُعلي جدرانها.

 

ولكنَّ مار بولس أشارَ إلى أنَّ مكمن الضّعف في الجماعة هو انقسامها حول نسبة المجد إلى مؤسِّسيها بدل التَّركيز على التَّعاون في تتميم المُهمَّة المطلوبة منها وهي مُعاونة الله في زرع وتنمية حقله وفي تدعيم بناء كنيسته.

 

هذا ما يقودُنا إلى التأمُّل في وضعِ جماعاتنا المسيحيَّة اليوم وهي مُنقسِمة لأسباب عديدة، منها السِّياسيُّ ومنها الإجتماعيُّ ومنها حتَّى الرُّوحيُّ... والأسوأ هو أنَّ انقسامَها يؤدِّيَ إلى مُحاوَلَة إلغاء الآخر وفي الحدِّ الأدنى إلى شطبه من حساباتنا... وكلُّ واحدٍ منَّا يَنظُرُ إلى الآخر ليستكشف من جماعة مَن هو؟! وهذا مردَّه إلى أنَّنا نسينا أو تناسَينا أنَّنا يجدرُ بنا أن نكون قبل أيِّ شيءٍ آخر من "جماعة يسوع المسيح"، ومهمَّتنا الأولى هي "معاونة الله". لذا، لا بُدَّ لنا من أن نسأل اليوم الأسئلة التَّالية لنفحص ضمائرنا على ضوئها: هل نعاوِنُ الله في المحافظة على أرواحنا وعلى استعدادها للشَّهادة بالقول والفعل والعمل لخالقها وفاديها؟ هل نعاونُ الله في المحافظة على عائلاتنا وعلى قيَمِها المسيحيَّة؟ هل نُعاوِنُ الله في إدارة علاقتنا بالنّاس على ضوءِ قيَم المحبَّة والغفران والصَّفح؟ هل نُعاوِنُ الله في نشر قيم السَّلام والتَّضامُن؟ وبسؤال واحدٍ ومختصر: هل نعاون الله في كلِّ ما نفعله؟ وهذا ما يريد أن يقدِّمه لنا مثل الزّارِع.

 

مثل الزَّارع من الأمثال التي كثُر التأمُّل بها لأنَّ الربَّ يسوع بنفسه شرحها وبسَّطها ممَّا جعلَ تفسيرها عملاً لا قيمة له لأنَّ معناها أوضحه الربُّ بنفسه. لذا، نركِّز في الكنيسة على طرح أسئلة على ذواتنا على ضوئه لاستخلاص عِبَر عمليَّة من أجل حياةٍ مسيحيَّة أفضل.

 

"الزَّرْعُ هو كلمةُ الله. والذين على جانبِ الطّريق هم الذين يسمَعون، ثمَّ يأتي إبليسُ فينتزِعُ الكلمة من قلوبهم، لئلاَّ يُؤمنوا فيَخلُصُوا". كم من المسيحيِّين يعيشون اليوم على هامش الحياة المسيحيَّة مُكتفين من المسيحيَّة بالاسم أو ببعض الممارسات التَّقويَّة أو الواجبات الدِّينيَّة؟ فيما عدا ذلك، فمسيحيَّتهم شعار أو خانة في بطاقة القيد أو الإنتخاب... أمَّا مُمارسة المسيحيَّة فجسمٌ من دون روح... فهل أنا أو أنت منهم؟

 

"والذين على الصَّخرة" هم المتحمِّسون للقاءات الكبرى والمناسبات والأعياد... يتهافتون إلى رحلات الحجِّ وما شابهها... ولكن في الحياة اليوميَّة، لا تُشكِّل القيَم المسيحيَّة مرجعًا لهم في السّلوك بل ما إعتادوا القيام به من تقاليد أو عادات... فهل أنا أو أنت منهم؟ "والذي وقعَ في الشَّوك هم الذين يَسمَعُون ويَمضون، فتخنُقُهُم الهُمُوم والغنى وملذَّاتُ الحياة، فلا يَنضَجُ لهم ثَمَر". هم الغارقون في همومهم وفي البحث عن القرش ولو كان ضروريًّا... ولكنَّهم يُهمِلون الإستعداد لِما بعد الحياة الماديَّة، ممَّا يفقدهم معنى الحياة يوم يتوقَّفون عن الإنتاج. فهل أنا وأنت منهم؟

 

"أمَّا الذي وقع في الأرض الجيِّدة فهُمُ الذين يَسْمَعُون الكلمة بقلبٍ جيِّدٍ صالِحٍ فيَحفظُونها، ويَثبتُون فيُثمِرُون". الأرض الجيِّدة هي عنوان لنماذج عديدة لمجتمع أفضل: عائلة تحيا إيمانها بصدق. بلدة تسعى لنبذ الخلافات. مدينة تفكِّر بمحتاجيها. وطن يؤمِّن الأمان والكرامة لمواطنيه. رعيَّة تشكِّل جماعة. كنيسة تقرن القول بالفعل. فاليوم نسأل ذواتنا: "ماذا ينقصنا لنكون أرضًا طيِّبة؟".

 

ربِّي وإلهي أيُّها الزّارع تفقَّد زرعك فإن رأيته قد سقط على الشَّوك، أو نمى في الصَّخر، أو على حافَّة الطّريق، فأرجو أن تحمله بحنانك وتزرعه بأرضٍ جيِّدة، فأنت يا أيُّها القادر على أن تُحيي الموتى، ألست قادرًا على إحياء الزَّرع بتغيير تربته؟       

 

الأب طوني غانم