أعجوبة شفاء الأبرص

 

أعجوبة شفاء الأبرص

 

في مطلع الأسبوع الثاني من الصَّوم تَضَع الكنيسة أمام أعيُنِنا أُعجوبة شفاء الأبرص إنَّما في صُلْبِ مَدرسة الإيمان التي تتناول حياتنا برُمَّتِها... إنَّ قصَّتَنا مع الله هي قصَّة هذا المريض، المنبوذ. الجميع أَعرَضَ عنه ولكنَّ الله برحمَتِه، أَشفق عليه ومَدَّ إليه يَدَه ولَمَسَه ولَم يَعتَبِره نَجِسًا كما كانت تَفعَل شريعة موسى. كلُّ ذلك أتى جوابًا على إيمان الأبرص وثقته برحمة الله وقدرته.

 

من خلال هذا المَشْهَد تَبدو لنا يَد الله معنا حتّى في حالة ضُعفِنا وسقوطنا في الخطيئة. وهي أبدًا مُمتدَّة لشفائنا. كلُّ مرَّةٍ نَعرف أَنْ نَكتَشِف مَرَضَنا ونَشعُر بحاجَتِنا إلى اللهِ فنَثِق برحمته ونَصرُخ إليه بإيمان طالبين منه العون.

 

في العهد القديم إجراءات مُهمَّة بالنّسبة إلى البَرَص...

 

سِفْر الأَحبار يُورِد لنا شريعة طُهور الأبرص: البَرَص كان يُعَدُّ في شريعة موسى نجاسة وثمرة خطيئة وابتعادًا عن الله. لذا، عندما كان يَحصُل أبرصٌ على الشّفاء، كان عليه أن يعرضَ نفسَهُ للكاهن فيفرض عليه هذا الأخير، مراسِم التِّطهير.

 

عند مار بولس يَندَرِج في مَفهُوم الموت والشّفاء منه في مَفهُوم القيامة... أَمَّا الرِّسالة إلى أهل رومة، فإنَّها تُشبِّه الخطيئة بالموت والشّفاء منها بالقيامة من الموت. هكذا البَرَصُ موتٌ والشّفاءُ منه لا يَقلُّ إعجازًا عن القيامة من الموت، وهو من خصائص الله. وبما أنَّكم تبرَّرتُم من الخطيئة بالمسيح، فعليكم أن تَسلُكوا في جدَّة الحياة (روم 6/ 12 - 19).

 

أمَّا الإنجيل فيُشير إلى أنَّ التّوبة، والإقرار بالخطأ، واللّجوء إلى رحمة الله، هي السُّبُل للحياة والبرارة.

 

إنّ السَّبيل للحصول على رحمة الله وخلاصه هو الصَّوم، والصّلاة، وأعمال البرّ، والتّوبة الصّادقة، التي تُقبل بنا للإعتراف بخطايانا، والإقرار بها، واللُّجوء إلى رحمة الربّ. من هنا تُركِّز قراءات هذا الأسبوع برمّتها، على طهارة القلب وعمل الخير والصَّوم والصَّلاة والتقشُّف. والصَّوم يَقوم بأنْ تَحرِم ذاتك لتُساعِد الآخر، وأن تجوع لتُشبِع فمًا جائعًا.

 

في ذهنيَّة العهد القديم، البَرَص عقوبة من الله ونبذ من الجماعة وفصل عنها. لذا فالأبرص كان يُعتبر نجسًا وغريبًا عن الجماعة ومخالطته تدنـِّس. والخطيئة بمفهومها اللاّهوتيّ غربة عن الله وانفصال عن الجماعة. وشفاء الأبرص كان بمثابة بعث من الموت إلى الحياة، وعمل منوط بالله وحدَه وبقدرته، كما قيامة الموتى. ويُعتَبَر شفاء البرص وقيامة الموتى من علامات إقتراب الملكوت والزَّمن المسيحانيّ (متّى 10/ 8 و11/ 5) يلزم أن يُبرهن عن توبته بحركة خارجيَّة ظاهرة.

 

المسيح يَشفي الأبرص جسدًا بعد أن شفاه نفسًا، رافضًا أن يَعتبره دنسًا، ولكنَّه طلَبَ منه الذَّهاب إلى الكاهن وتقديم كفّارة عن طهوره، حسب ما أمَرَ موسى لكي يَستعيد إنتماءه إلى الجماعة المؤمنة. فالأبرص وإنْ شُفِيَ، هو بحاجة إجتماعيًّا لشهادة من الكاهن أي السّلطة الرّوحيَّة، لإثبات شفائه وإعلان طهوره وإمكان عودته إلى شركة الجماعة (لا 14/ 2 - 32).

 

من خلال هذا، يتَّضِح لنا وجها الخطيئة: الوجه الفرديُّ كمعصية حيال الله تـُمحى بالتّوبة بوساطة الكاهن، والوجه الكنسيُّ أو الجماعيُّ، وهذا ما يعوَّض عنه بالتّوبة والإقرار وحلَّة الكاهن ممثـِّلاً الله والجماعة، الذي بحكمه على الخاطئ بالبرارة، يُشير إلى عودته إلى شركة الكنيسة.

 

فالكنيسة تَضَع نُصبَ أَعيُنِنا في بِدءِ هذا الصَّوم المُقدَّس ضَرُورَة التّوبة إلى الله: الشّعور بوطأة الخطيئة، والثّقة برحمة الله، واللّجوء إلى رحمته، على مثال الأبرص مُردِّدين: "يا ربُّ إن شئتَ فأَنتَ قادرٌ أن تُطهِّرنا"... وبذلك نَعيش حياةً جديدةً مُتحرِّرين من الخطيئة، عيش أبناء أحرار لا عبيد أُعتقوا من الخوف والإثم فصاروا عبيدًا للبرِّ والقداسة، فلم يَعودوا تحت النّاموس، بل تحت النِّعمة يَعمَلون بشريعة المحبَّة.

 

هذا ما يَدعُونا إليه الصَّوم. الإستعداد لمَجد القيامة والحياة الجديدة. فالصَّوم كما تقول الرّسالة إلى أهل رومة هو موت مع المسيح ويَقودُنا إلى القيامة معه، لأنَّنا إنْ مُتنا مع المسيح، فسنحيا معه لحياة جديدة، والموت، هنا يَعني موت الخطيئة، فنموت عن الخطيئة بالتّوبة عنها إلى الله. ومن ثمار الصَّوم إكتشاف محبَّة الله ورحمته ورؤية الخطيئة من حيث كونها رفضًا لهذه المحبَّة وجحودًا بها.

 

المطران أنطوان طربيه

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية