أعجوبة شفاء الأعمى

 

 

 

أعجوبة شفاء الأعمى

 

أُعجوبة الأعمى هي الأعجوبة الأخيرة التي تختتم الشّفاءات التي قامَ بها يسوع، كما تَختَتِم مرحلة التَّحضير للدّخول إلى أورشليم. وقد جَرَت على أبواب أريحا بعدما إجتازها يسوع وهو صاعِد إلى أورشليم. وفي سياق زمن الصَّوم المُقدَّس تأتي هذه الأعجوبة كخاتمة للشّفاءات التي تَوَقَّفْنا عليها في الآحاد السّابقة. وكلُّها تُشير إلى شفاءاتٍ جسديَّةٍ ونفسيَّةٍ، من شأنها أن تَضَع الإنسان في جوٍّ خلاصيٍّ. في العجائب السّابقة لم يَسمَح يسوع للذين شفوا بأن يتبعوه، كما في وَضع الأبرص والنّازفة والمُخلَّع الذي أَمَرَه بأن يَعود إلى بيته. أَمَّا هذا الأعمى الذي شُفي وأبصر، على الرّغم من قول يسوع له: "إذهب، إيمانُك خلَّصَك"، فإنَّه يَتبَع يسوع في الطريق. سنتوقَّف معًا حول معنى هذا الشّفاء مُرَكِّزين على بعض العناوين:

 

1- التّلميذ المَجهول: طيما بْنُ طيما الأعمى الذي أبصر، هو بالنّسبة للكثيرين مثله أيِّ مريض آخر تعافى ونال الشّفاء من يسوع. ولكن، مَن يَذهب إلى أبعد من الأعجوبة ويَكتشف الرّموز من خلال الكلمات والتّعابير، يُدرِك أنَّ الأعجوبة توحي بحقيقة أُخرى هي الأَهَمُّ بالنّسبة للإنجيليِّ. إنّها حقيقة التّلمذة ليسوع. فالإنجيليُّ يُعرِّف عن طيما باسمه واسم أبيه مثلما عرَّف عن التّلاميذ الأُوَل؛ أندراوس وسمعان ويعقوب ويوحنّا ابنَي زبدى. وهو جالس على الطريق يَستَعطي كما كان لاوي في بيت الجباية. النّاس يُعرِّفون عن يسوع بأنَّه النّاصريُّ، أمَّا بالنّسبة إلى الأعمى فهو ابن داود، وهو اللَّقَب المسيحانيُّ ليسوع. واعترافه به هنا شبيه بإعتراف بطرس في قيصريَّة فيلبُّس (مر 8/ 29). وعندما دعاه يسوع طرَحَ رداءَه ونَهَضَ آتيًا إليه، كما فعَلَ التّلاميذ عندما تركوا شباكهم وتَبِعوا يسوع. وعندما سأله يسوع: "ماذا تُريد أن أصنَعَ لك؟" أجابَ: "رابُّوني، يا مُعلِّمي". بهذا اللَّقب يَعترف الأعمى بيسوع مُعَلِّمًا له ويُعلِن إنضمامَه إلى جوق التّلاميذ. وهذا ما يُشير إليه الإنجيليُّ في النّهاية "أبصرَ لساعته وانطلق في الطريق". وهذا يَعني أنّه إتَّبَعَ يسوع كتلميذ له. فالطريق تعني طريق يسوع أو نهجه الإيمانيِّ. هكذا أشارَ المؤمنون الأَوَّلون لإيمانهم الخاصّ، كما يُرِد ذلك في كتاب أعمال الرّسل عندما زوَّدَ رؤساء الكهنة شاول برسائل إلى دمشق "حتّى إذا وَجَدَ أُناسًا على هذه الطريق"، والتَّعبير هو ذاته: طريق أو طريقة يسوع. فالأعمى طيما بْنُ طيما هو تلميذٌ مؤمنٌ بيسوع مثلَه مثل بقيَّة التّلاميذ.

 

 

2- عناد المؤمن: هذا التّلميذ المؤمن عنيد في إيمانه، يُريد أن يُبصِر ليتبع يسوع. هذه الإرادة عَبَّرَ عنها بكلِّ وُضوح عندما سأله يسوع فأجابَ: "رابُّوني، أَن أُبصِر". عناده جعله يَزداد صراخًا "يا ابن داود ارحمني" عندما حاول النّاس إسكاته. فهناك دائمًا مَن يَنزعِج بسهولة خصوصًا من الضّعفاء والمساكين إذا صَرَخوا واستغاثوا وكأنَّ يسوع لم يأتِ من أجلهم. وقفة يسوع واهتمامه بالأعمى كانا كافيَيْن ليُغيِّرا موقف النّاس منه. بدأوا يُخاطبونه بلغة يسوع: "ثِقْ" كما كلَّم يسوع تلاميذَه في البُحيرة: "ثِقوا، أنا هو" (مر 6/ 5) "وانْهَضْ" كما قال يسوع لمُخَلَّع كفرناحوم (مر 2/ 9 - 11). إنَّها تعابيرٌ إيمانيَّةٌ تدلُّ على عُمقِ الإيمان الذي يربط الإنسان بالله، وعلى الرّجاء بقيامةٍ تُغيِّر حالة الإنسان من شقاءٍ ومرضٍ وموتٍ إلى صحَةٍ وحياةٍ. عناد الأعمى المؤمن ووقفة يسوع غيَّرا موقف الجمع. عدَم إيمان الكثرة لم يَنتصِر على إيمان الفرد، بل هو الذي إنتصر وجعل الكثرة تتبنَّى في الكلام معه لغة إيمانيَّة.

 

عبَّرَ هذا الأعمى أمامنا عن قوَّة الإيمان، كما قال له يسوع: "اذهب، إيمانك أحياك". ونحن مدعوُّون معه لنرى في يسوع مُعلِّمنا الخاصّ "رابُّوني" ولنعبِّر بقوَةٍ عن إيماننا به. فقوَّةُ الكنيسة ليست بكثرة عدد المسيحيّين، بل بحضور شهود الإيمان فيها. إنَّ موقفهم العنيد بإعلان يسوع مسيحًا وربًّا، وعدم تأثُّرهم بفتور الكثيرين، هو الذي سينتصر. المؤمن هو كالنبيُّ في العهد القديم، مدعوٌّ إلى أن يُقاوِم ضلال الشَّعب فيردَّ الشَّعبَ إليه ولا يرتدَّ هو إليه. ففي زمن الصّيام نحن مدعوُّون لإتِّخاذ مواقف إيمانيَّة واضحة وصريحة وغير متردِّدة، ولو كان كلُّ ما ومَن حولنا مُتردِّدًا وربَّما مخالفًا لنا.

 

 

3- إتِّباع يسوع: لساعته أبصر وانطلق في الطريق

إنطلق طيما في الطريق الذي يسلكه يسوع. البصر أعطى إتِّجاهًا لإيمانه. أَصبَحَ إيمانه منوَّرًا وديناميكيًّا. فانطلق في الطريق "مَن أرادَ أن يتبعني فليزهد بنفسه ويَحمل صليبه ويتبعني" (مر 8/ 34) هذا ما كان قاله يسوع لتلاميذه وللجمع عند بَدء مسيرته باتّجاه أورشليم، وبعدما أعلن لهم عن آلامه وموته وقيامته. وها هو تجاوز أريحا وأصبح على باب المدينة المؤدّي إلى الطريق الصّاعد إلى أورشليم، حيث إلتقاه طيما فأبصر. على هذا الطريق إنطلق طيما، إذًا، مُتَّبِعًا يسوع مُتَتَلمِذًا له. إنَّه طريق الألم والموت والقيامة.

 

على هذا الطريق يَدعونا يسوع اليوم أيضًا لإتِّباعه. طريق المؤمن مثل طريق مُعلِّمِه، مَحفُوف بالآلام والصَّليب والموت ولكنَّه يؤدِّي إلى القيامة. ففي هذا الأسبوع الأخير من الصَّوم تَدْعُونا الكنيسة لنُكمِّل جهوزيَّتِنا الإيمانيَّة ونقتدي بطيما ونتبَع يسوع فنفهم سرَّ آلامه وصلبه وموته. لا شيء مُنفَصِل عن واقِع حياتنا، بل هو كتعبير أقصى لهذا الواقع. والتّلميذ المؤمن بالقيامة يَقدِر أَنْ يَحمِل صليب الحياة، بكلِّ ما فيها من آلام وموت، ليبلغ مع المسيح الغلبة على الموت بالقيامة.

  

الآباتي بولس تنّوري

 

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية