ابتهاج يسوع بالرّوح القدس

 

 

 

إبتهاج يسوع بالرّوح القدس

 

 في هذا الأحد الرابع من زمن العنصرة، تدعونا الكنيسة لاكتشاف هويَّة من أسَّسَها وأرسَلها لتبشِّر بمحبَّة الله الخلاصيَّة لجميع البشر، من دون أيِّ تمييز. فمن خلال ابتهاج يسوع بالرّوح القدس، وصلاته اليوبيليَّة المرفوعة للآب، "ما من أحد يعرف من هو الابن إلاَّ الآب، ولا مَن هو الآب إلاَّ الابن"، نعي أنَّ حالتنا البنويَّة هي الوسيلة الأسلم والأسرع لاكتشاف هويَّة الآب ومحبَّته لنا. وإذا أردنا أن نتعمَّق أكثر في هذا النصّ، وُجِبَ علينا العودة إلى آيات سابقة، لنفهم إطاره العامّ. وهنا نجد التّلاميذ الإثنين والسَّبعين، في حضرة يسوع، يخبرونه عن نجاح الرّسالة التي أوكلها إليهم، ويعبِّرون عن فرحهم بذلك. فإذا بالمسيح يصوِّب موضوع فرح التّلاميذ، كي يجعل منه فرحًا دائمًا، مؤكِّدًا لهم أنَّ موضع فرحهم، يجب ألاَّ يُقتصَر على النّتيجة التي حقَّقوها، أو على السّلطان الذي نالوه من الربِّ، لطرد الشياطين، بل عليهم أن يفرحوا لأنَّ أسماءَهم كُتبت في السَّماء؛ إنَّ الفرح لا يدوم إلاَّ إذا ارتبط بالملكوت السَّماويِّ.

 

من هنا نفهم سبب فرح المسيح ودافِع صلاته العلنيَّة للآب. لكنَّ قراءةً سطحيَّةً وسريعةً بهذا النصّ، يمكن أن تعرِّضنا لخطر سوء فهم المسيح في سياق كلامه عن إظهار الآب للبسطاء ما أخفاه عن الفهماء والحكماء. وكأنَّه يظهر عدائيَّةً ما لفهم البشر وحكمتهم، أو بمعنى آخر، يَظهر المسيح وكأنَّه يُشجِّع على عدم التطوُّر الفكريِّ لدى البشر، الواقع، أنَّ يسوع لم يدن الحكماء والفهماء لحكمتهم، بل قصد بذلك، أولئك الذين جعلوا من حكمتهم وفهمهم غايةً بحدِّ ذاتها، أبعدتهم عن الإيمان بالله باري كلِّ شيء، وأعمَت بصرهم وبصيرتهم عن فهم الخالق وعن حاجات مخلوقاته. أَوَليس التكبُّر مصدر كلِّ علَّة؟ في هذا الإطار نسمع القدّيس بولس الرَّسول في رسالته إلى أهل قورنتُس: "العلم ينفخ، ولكنَّ المحبَّة تبني. فإن كان أحد يظنُّ أنَّه يعرف شيئًا، فإنَّه لم يعرف شيئًا بعد كما يجب أن يعرف! ولكن إن كان أحد يحبُّ الله، فهذا معروف عنده" (1 قور 8/ 1).

 

نلمُس من ناحية أُخرى، في صلاة يسوع دعوة علنيَّة لتلاميذه، بطريقة خاصَّة، ومن ثمَّ لكلِّ مبشِّر، ليكونوا بسطاء بعيدين عن كلِّ كبرياء في عيشهم، فينالوا نعمة إدراك سرِّ الله "فلا ينتفخ أحدٌ لأجل الواحد على الآخر لأنَّه مَن يُميِّزك؟ وأيُّ شيءٍ لك لم تأخذه؟ وإنْ كنت قد أخذت، فلماذا تفتخر كأنَّك لم تأخذ؟" (1 قول 4/ 6 - 7). فما هي إذًا تلك البساطة التي ينادي بها المسيح؟ طبعًا هي ليست نوع من التّصاغر الظاهريِّ، ولا حتَّى التَّنكُّر لقيمة الفرد ومواهبه كما لو كانت عقدة نقص، بل هي وعيٌ تامٌّ لحقيقة أنَّنا لسنا مصدر أنفسنا أو غايتها، واعترافٌ صادقٌ بأنَّنا خليقة بحاجة دائمة لخالقها. فكما اتَّضع هو الخالق وتجسَّد ليرفعنا. علينا بدافع المحبَّة المساهمة في رفع الآخرين.

 

فكما كان المسيح في وحدة جوهريَّة مع الآب، تدعونا الكنيسة اليوم لندخل في وحدة مع الله من خلال انفتاحنا على تعاليمه من جهَّة، وعلى عمل الرّوح القدس في حياتنا من جهَّة أُخرى. عندها نستطيع أن ندعو الآب، على مثال يسوع "أبانا ربَّ السَّماوات والأرض"، فتشملنا الطّوبى التي وعد بها "طوبى للأعيُن التي ترى ما ترَون؟" (لو 10/ 23).   

 

الأب طوني عبّود

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية