الإستدعاءات الأسراريّة

 
 
 
 

 

الإستدعاءات الأسراريّة

 

الإفخارستيّة لنا، نحن الذين في الأزمنة الأخيرة، هي الإحتفال الليتورجيّ الأمثل. فإذا كان سرّ المسيح يَظهر ويُحقـّـق ويُشرَك به في هذه الليتورجيّة الإلهيّة، فلماذا تحتفل الكنائس الرَّسوليّة الأسراريّة بأسرار أخرى؟ هذه الكنائس تعتبر العماد والميرون، ومصالحة التائبين ومسحة المرضى، والزواج والكهنوت، أسرارًا كبرى، ولكن لماذا يوكل الربّ إلى كنيسته علامات عهده هذه، ولماذا يحوّلنا روحه بهذه الطاقات، ما دام جسد المسيح يُعطى كلّيًّا في الإفخارستيّا؟ إنَّ سرَّ الأسرار يُعطينا الجواب.

 

في زمن مخاض جسد المسيح، تحتفل الكنيسة بالإفخارستيّة، والإفخارستيّة تُحقـِّـق وتُكمِّل الكنيسة. ونحن يجوز لنا أن نحتفل بالإفخارستيّة لأنّ شركة الثالوث الأقدس قد أعطيَت لنا، في كياننا الجديد، بالمعموديّة وبختم الرّوح القدس، ولكن أيضًا لأنّ هناك أشخاصًا قد رُسِموا وكُرِّسوا لخدمة الاستدعاء الذي يحقـِّـق الإفخارستيّة. ومن جهّة أخرى يجب علينا أن نحتفل بالإفخارستيّة لأن الشركة الإلهيّة لم تصبح بعد كلّاً فينا، ولا في الكلّ. فجسد المسيح لم يبلغ بعد "القامة التي توافق ملء المسيح" (أف 4/ 13). لذلك، فإنّ اختبار الطاقات الأسراريّة الأخرى يتمّ في حركة النمّو هذه. وفيها تظهر ديناميّة الصعود وصولا ً إلى الظهور الإلهيّ الأخير الحاسم.

 

ولكن ما هو المعنى الخاص بكلِّ من سينرجيّات الرّوح والكنيسة في وحدة الجسد؟ ما هو الرابط بينها وبين الأسرار، ما دامت غير متميّزة عنه؟ من العبث محاولة أن نستنتج من الإفخارستيّة ضرورة الأسرار الكبرى، أو أن نبحث عن إنشائِها القانوني في أسفار العهد الجديد. العكس هو الذي يَظهر بالأحرى ذلك بأنّ المسيح وروحه سَلّما الأسرار إلى الكنيسة إنطلاقـًا من الحياة، بحسب الحاجات البنيويّة والحياتيّة الخاصّة بجسد المسيح المتنامي. فينبغي أن نضع أنفسنا من جديد على مستوى ينبوع هذه الطاقات، لكي نتمكّن من اكتشاف وحدتها وتنوّعها وتناغمها وانسجامها. إذ فيها يؤلّه نورُ التجلّي البشر حيث ينتظرون الخلاص. وعندما يصبح كلّ شيء نورًا تتلاشى الأسرار ويصبح جسد المسيح الحقيقة والواقع إلى الأبد.

 

 

وحدة "الطاقات المشتركة" الأسراريّة وتنوّعها

 

إنّ ليتورجيّة الينبوع موجودة قبل الإحتفالات الأسراريّة. وهي التي تحييها وتجعلها تثمر. والسرّ ليس مجزّأ في ستة أسرار، ولكن جسد الربّ الوحيد يسطع بنور الحكمة الصافية في طاقات متمايزة. وعندما تتّحد هذه الطاقات بطاقات الكنيسة التي تستحثّها وتبعثها، تتكوّن "الطاقات المُشتركة" الأسراريّة، وفي كلٍّ منها يُحتفل بتدبير الخلاص. صحيح أنّه في أصغر حركات القلب المؤمن المستجيب بتواضع وفقر لحبّ سيّده يكون الرّوح القدس وتلميذ المسيح في "طاقة مشتركة". ولكن تدبير الخلاص كلّه لا يكتمل آنذاك. أمّا في الأسرار، فلذلك هو، بلا شكّ، ما يُعاش وما يتحقـّق. فنحن نعيش في كلٍّ من الأسرار حركات فصح يسوع الثلاث، وهي: الآب يبذل لنا ابنه الحبيب، والكلمة يأخذ بشريّتنا وموتنا لكي يُقيمنا معه، والرّوح القدس يُدخلنا في شركة الآب الأبديّة.

 

ومن جهّة أخرى، فإنَّ الإحتفال هو سينرجيّة الرّوح والكنيسة، ككنيسة. ذلك بانّ الروح والعروس هما، في نهر الحياة، متّحدان في التجرّد عينه، حتّى أنّه لا يفيض من مشيئتهما إلّا حبّ واحد. ففي مسحة مريض أو رسامة شمّاس مثلا ً، وهو مثل على احتفال يبدو مقتصرًا على شخصٍ واحد، يعمل الرّوح والكنيسة معًا في عضوٍ واحد من أعضاء جسد الربّ، إنّما لأجل حياة الجسد كلّه. فالسينرجيّة الأسراريّة تتميّز عن السينرجيّات المتعدّدة التي لا توصف، والتي تنعش حياة القدّيسين، بكون الكنيسة، بصفتها هذه، تفيض فيها طاقتها على القبول والإيمان. فهي تسهم، وبصفتها الكنيسة أيضًا، في طاقة البارقليط المُحيية.

 

وأخيرًا، إنَّ الذين يعملون في الليتورجيّة الأبديّة يعملون أيضًا في كلِّ سرّ، مهما كان خفيًّا متواضعًا. فالثالوث الأقدس يُفيض طاقاته المؤلّهة ويتمجّد، وشركة الملائكة والقدّيسين تشترك في خلاص أعضائها الذين لا يزالون في المحنة الكبرى، وتحتفل به في الحمد المتواصل. وماذا نقول عن هذا الحبّ الواسع للمحبّة الإلهيّة: عن شركة الكنائس المرتحلة في هذا العالم؟ فهنا رجل مسكين يَكتشِف من جديد رحمة أبيه السّماويّ، وهنا زوجان يغامران بمستقبلهما في سرِّ الزواج، وهنا كسيحة مجهولة يعيدها زيت حنان الرّوح إلى حياة الرّجاء... كلّ هذه العظائم الخفيّة يحقـِّـقها الرّوح في شركة الكنائس. وبذلك فإنَّ جميع الأعضاء يتألّمون وجميعهم يقومون من الموت، لأنّنا جميعًا  أعضاء بعضنا لبعض.

 

ولكن هذه الشركة لا تذوّبنا في جماعة أو مجموعة مغفلة ذات أيقاعات موّحدة. بل على العكس، فإنّ وحدة الجسد تظهر في تنوّع طاقاته العضويّة. فالرّوحُ والكنيسةُ يعملان في أسرار متنوّعة، بسبب تعدّد الأعضاء وحاجاتهم للحياة الأبديّة ووظائفهم في جسد المسيح. والينبوع الذي لا ينضب في هذه التعدّديّة هو حبّ الآب للبشر، ولكلٍّ منهم كلّيًّا. فكلُّ واحدٍ هو فريدٌ أوحد، لأنّه معروفٌ ومحبوبٌ في الجسد الوحيد، جسد الإبن الحبيب. والسينرجيّات الأسراريّة تعكس كاثوليكيّة حبِّ الآب. وفي حين أنَّ هذا الحبّ يتمُّ في الإفخارستيّا من أجل الجسد كلّه، فإنّه في الأسرار الأخرى، يُبذل لكلِّ واحدٍ بحسب حاجاته وعمره ومواهبه في المسيح. في السرِّ الوحيد الذي هو جسد المسيح، تُشرِك كلُّ سينرجيّة أسراريّة بموهبة من مواهب الرّوح القدس. لذلك فكلّ سرّ يتميّز عن سواه باستدعائه الخاص. في هذا الوقت من الإحتفال ليست الكنيسة سوى "خادمة الربّ" فهي تبتهل إلى الآب لكي يفيض روح يسوع على عضو جسده المقرّب. وحينئذٍ تكون طاقة جواب الحنان والأمانة والنعمة والحقّ. وإذا انتبهنا جيّدًا للإستدعاء الخاص بكلِّ سرّ، نتبيّن أنَّ السينرجيّات الأسراريّة تتوافق حياتيًّا مع ثلاثة من أوقات نموّ  جسد المسيح.

 

 

"ليتورجيّة الينبوع"

الأب جان كوربون

macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية