التجلّي

 

التجلّي

التجلّي

 

لو كنّا نستطيع أن نفهم أنَّ سِرَّ الأزمنة الأخيرة ليس نظرة فكريّة، بل هو مأساة الإنسان والعالم الخفيّة، لو كنّا نستطيع أن نرى وأن نتعرَّف إلى تجرّد الرّوح في الكنيسة مُفسِّخًا نواة الموت الذي تحجَّرت فيه قلوبنا وتيبّست آلامنا، لو كنّا نصمّم على فتح الهوَّة التي نحن فيها على الملء الممنوح لنا، لما كانت الليتورجيّة لنا مثل سراب أو استراحة أو مجرّد ذِكرى، بل كانت تصير لنا ينبوعًا، فتتفجّر فينا، وتجعلنا نولد من جديد في الإسم الذي نتلهّف شوقـًا إليه.

 

"ماران أتا!  تعال يا ربّ!" (1 قور 16/ 22)، هذا الهتاف الذي كانت تطلقه الجماعات المسيحيّة، والذي فيه يترجّع أنين الرّوح والعروس (رؤ 22/ 17) لا يحنو على عالمنا الجهنّميّ كالتشفّع، بل يتصاعد من أعماقنا كتمزّق ورجاء. فأزمنتنا الأخيرة يحملها الإنتظار المحبّ المتلهّف إلى الربّ يسوع، لأنّ في الليتورجيّة بدأ زمن المخاض والولادة. فكلّ كائِنٍ بشريٍّ سواء أدرَكَ ذلك أم لم يُدركه، مكوّنٌ في العلاقة مع الإبن الحبيب المتجسّد، ولكن يهتزّ بفعل الحنين الذي يشدّه إلى هذا الرَّبِّ عينه، الذي ينتظر مجيئه في المجد. فحركة الليتورجيّة العميقة تمتدّ من جسد يسوع المصلوب والقائم من الموت، نحو الجسد "الكلّي"، جسد المسيح الممجّد.

 

ذلك لأنَّ فيض التعاطف الإلهيّ لا يُمكن أن يستولي على موتنا ويوصِل حبَّه إلينا إلّا إذا تجسّد فينا. فـ"في جسده" يجيء "الكلمة" دائِمًا ليُخلّص البشر، لا في مجيئه الأوّل الجسد، وفي مجيئه الثاني المجيد فحسب، بل في زمن التجرّد الذي نعيش فيه أيضًا.

إنّ الليتورجيّة الأبديّة التي يحتفل بها يسوع في صعوده، والتي تتجسّد في كنيسته، تدخل إلى عالمنا الفاني لتبعث فيه الحياة. إلّا أنَّ مكان هذا اللقاء ومحوره النورانيّ هما دائمًا جسد المسيح.

فكيف يقدر هذا الجسد المعبود، الحيُّ عند الآب، أن يأتي إلينا ويلبس حالتنا المائتة فيصبح لنا ينبوع الحياة؟

 

العلّيقة الملتهبة

 

لقد استشفَّ موسى هذا السرّ في الظهور الإلهيّ الذي افتتحَ الحدث الرمزيّ للفصح (خر 3/ 1-6). إسم الرّبِّ القدّوس يسوع عُهِدَ به مغمغة إلى ذاك الذي "عاين الله"، لا كتعليم لاهوتيّ، ولا بانخطاف خارج الجسد، بل بعلامة في منتهى البساطة: علّيقة ملتهبة. علّيقة! يوجد منها الآلاف على هذه  التلال شبه الصحراويّة. وعلّيقة تشتعل، ليست كذلك بالمشهد النادر في جوار المخيّمات. ولكن المذهل في الأمر هو أن هذه العلّيقة الملتهبة لا تحترق. فقال موسى في نفسه: "سأدور لأرى هذا المشهد العجيب كيف أنّ العلّيقة لا تحترق". حينئذٍ حصل الوحي المذهل: لقد تقدّم ليرى، فسمع أحدًا. كان يريد أن يعرف ماذا، فسمع صوتًا يناديه باسمه. ومن خلال العلامة التي رآها، انكشف له سرّ الله وسُلّم إليه: الفائقُ الإدراك، المختلف عن الكلّ، الذي يحترق في قلب المشهد، إن هو إلّا التعاطف الإلهيّ الذي يسكن في بؤس شعبه ومذلّته.

 

هذا الحضور هو حضور شخصيّ. فالقدّوس لا يُغني، بل يتغلغل بناره في كلِّ ما هو كائن. والإنسان هو أرضه المُقدّسة التي يسكنها المجد الإلهيّ بقدر ما يقترب منها الخلاص. ولكن الشعلة التي تحرقنا ولا تُغنينا لا يُمكن أن تدركها نظراتنا الأولى، وحتّى الأعمق منها. فهي تُكتشَف عندما تُعطى، وتُعرف عندما تُقتَبَل. وليس جسدنا هو الذي يحول دون رؤيتها، كما كان يعتقد الثنائيون القدامى، بل غياب المجانيّة والحبّ، أي موتنا. فهنا كلّ شيء مجّانيّ: إن في النار المعتلنة أم في القلب المقتبل.

وهنا كلّ شيء حياة. والشعلة السريَّة عينها تشتعل في الحدث وفي قلب الإنسان في آن، ووحده القلب الذي يقتبلها، تُصبح فيه النارُ نورًا.

 

لمّا حلَّ ملء الزّمان وأتى النور شخصيًّا إلى العالم، عندها أخذ الذي كلّم موسى جسدًا، وسكن فيما بيننا "جسد الكلمة" هذا حبلت به العذراء مريم، وتكوَّن في أحشائِها بقدرة الرّوح القدس، ومنها وُلِدَ. وقد دلَّ عليه يوحنّا المعمدان: هذا هو حمل الله، الفصح الحقيقيّ، والخادم المتألّم. ولكنّ رجالا ً ونساءً مثلنا اقتربوا منه، فإذا "المشهد العجيب" الذي ظهر في سيناء قد صار "عجيبة"، كما تسمّيه الأناجيل الإزائيّة، و"آية"، كما يسمّيه الإنجيل الرابع: الكلمة المتجسّد هو العليّقة الملتهبة الحقيقيّة. و"كانت قوّة تخرج منه وتشفيهم جميعًا (لو 6/ 19 ومر 5/ 30). هذه الطاقة، طاقة الكلمة وسط ضجيجنا، والنّور وسط ظلماتنا، والحياة وسط موتنا، إن هي إلّا النار المنبعثة من العلّيقة.

 

مَن يقترب منه يلمس جسده ولكن هذا الجسد هو "جسد إلهيّ". مَن ينظر إليه يرى مائِتًا مثله، ولكن هذا المائت هو "وجه الحياة" الحقيقيّ، هو إنسان حقّ وإله حقّ. شعلة ألوهته لا تحرق ناسوته، بل تُنيره من الداخل وتتجلّى من خلاله. وأعماله "المدهشة"، وعجائبه، تشهد منذ الآن، من خلال حالته المائتة، عن الطاقات التي ستشّع بقيامته من جسده الذي لا يعرف الفساد. فبعجائبه، يَظهر يسوع على أنّه السرّ العظيم الوحيد، سرّ الله للإنسان وسرّ الإنسان لله.

 

وهكذا، ففيما كان يسوع، ذات يوم، راكبًا السّفينة مع تلاميذه (مر 4/ 35-41)، وصلوا إلى عرضِ البحر. وبينما كانوا يجذ ِّفون، أخذه النعاس فنام. لم يتظاهر بالنوم، بل نام فعلا ً لأنّه إنسان حقيقيّ. أخذه التعب، التعب البشريّ والتعب الإلهيّ السرِّيّ الذي يتكلّم عنه الأنبياء (أش 7/ 13). وفجأة هبّت عاصفة على البحيرة، فأخذت الأمواج تندفع على السفينة حتّى كادت تمتلئ. حينئذٍ، ومثلما فعل موسى، "اقترب" التلاميذ من يسوع: "يا معلّم، أما تُبالي أنّنا نهلك؟". وكيف يقلق؟ وفي وسط العاصفة، في ناسوته، هو الذي كلّ شيء بيده. إلّا أنّهُ، وبحركةٍ لم تأخذ كلَّ معناها إلّا بعد قيامته، "استيقظ" و"قام"، ومن شفتيه البشريَّتَين، هو الكلمة الذي يدعو كلّ شيءٍ من العدم إلى الوجود، زجر الرّيح وقال للبحر: "أصمت! إخرس!" فسكنت الرّيح وهدأتِ الأمواج وحلّ سكون عظيم.

وسط هذه العاصفة، لم نعد عند فجر الخليقة، ولكنّنا في الزمن المأسوي، زمن خلاص الإنسان. فالطاقة الإلهيّة لم تعُد تعمل بمفردها، بل في جسد المسيح. فهي تعمل في "طاقة مشتركة" مع الإنسان. لذلك، فيسوع هو سرّ هذه الطاقة المشتركة الأعظم، لأنّ حبّ إلهنا، وهو يعمل من أجلنا، يستدعي تعاوننا، أي إيماننا. وهذا الإيمان كان موجودًا ولو بشكلٍ خجول في قلب التلاميذ القلق. فهؤلاء القليلو الإيمان كانوا خائفين. وإن كان يسوع قد قال لهم "أين هو إيمانكم؟"، فلكيّ يحرِّر إيمانهم من الخوف وينمّيه. حينئذٍ استولت عليهم الدّهشة، وفيها يتمدّد الإيمان لينفتح على الحضور الإلهيّ، فقال بعضهم لبعض: "من ترى هذا؟...".

 

كانت المناسبة آنذاك عاصفة على بحيرة طبريّا. أمّا اليوم، قد تكون المناسبة مختلفة وجديدة في كلِّ لحظة، ما همّ، المهمّ هو الحدث المُعاش في ذلك الوقت، وفي اليوم الحاضر، من قِبل الكلمة والناس. وهكذا الحدث هو دائمًا في جسده. وسواء أكان في ملء الزمان أم الآن، أي في الأزمنة الأخيرة، فجسد الرّب يسوع هو السرّ الذي يُعطي الحياة للبشر. ولكي نقتنع بذلك ونتشبّع منه، علينا أن نتسلّق بعدُ جبلا ً، حيث سيتِمُّ الظهورُ الإلهيّ في العلّيقة الملتهبة.

 

 

التجلّي

 

تعمَّد الإنجيليّون الإزائيّون أن يرووا هذا "المشهد العجيب" على أنّه قمَّة رسالة يسوع. ونحو هذه القمّة تتصاعد اندهاشات الظهورات السّابقة وتساؤلاتها – "مَن تُرى هذا؟، ومَن أنا على حدِّ قولكم أنتم؟" – ومن هذه القمّة تنطلق المسيرة إلى الفصح الأخير في أورشليم. كانت العجائب تسبق طاقات المسيح القائم من الموت وتعلنها، إلّا أنّ التجلّي هو الظهور الإلهيّ الذي يكشف معنى هذه الطاقات. أكثر من ذلك، فالتجلّي يحقـِّق منذ الآن ما ستُجريه هذه الطاقات في جسدنا المائت، أي تأليهنا.

 

يقع التجلّي في قلب الإنجيل تاريخيًّا وتأليفيًّا، وذلك بسبب واقعيّته السرّيَّة: فناسوت يسوع هو مصدر تأليه الإنسان. المسيح إنسان حقّ! ما معنى ذلك؟ ليس الإنسان إنسانًا لأنّه "في جسده"، كما يظنُّ الثنائيّون، بل، وبحسب الوحي الكتابيّ، "لأنّه جسده"، أي كلّ عضويُّ متماسك. ولأنَّ الكائن البشريّ هو جسده، فهو، على صورة إلهه، في علاقة مع الأشخاص الآخرين، مع الكون، مع الزمان، مع ذاك الذي هو كمال الشركة. فمنذ أن أخذ الكلمة جسدًا، صار في علاقة "بشريّة" مع الآب ومع سائر البشر بحسب كلّ هذه الأبعاد: فنار نوره تلهب العليّقة كلّها، وناسوته كلّه "مُسِحَ" "فيه حلّ ملء اللاهوت حلولاً جسديًّا" (قول 2/ 9)... ويُضيف بولس: "وفيه تكونون كاملين" (قول 2/ 10).

 

ماذا جرى إذاً في هذا الحدث المفاجئ؟ ولماذا تراءى "الجمال العابر" الذي لا يُدرَك، للحظة، في جسد الكلمة؟ هناك قناعتان يمكنهما إرشادنا: أوّلا ً، التبدّل أو "التحوّل"، بحسب نقل التعبير اليونانيّ، لا يختصُّ بيسوع. فالنّص الإنجيليّ وتفاسير الآباء واضحة: المسيح تجلّى، لا بأخذه ما لم يكنه، بل بإظهاره ما هو لتلاميذه الأخصّاء: "ففتح أعينهم، وصاروا مُبصرين بعد أن كانوا عميانًا". فالتغيير حصل عند التلاميذ أنفسهم، وهذا ما تثبته القناعة الثانية: هدف التجلّي، المطابق لهدف كلّ التدبير المُعلن عنه في الكتاب المُقدَّس، هو خلاص الإنسان. وكما هو الحال في العُلّيقة الملتهبة، الكلمة "تراءى" أي "سَمَحَ بأن يُرى". في جسده نورُه الإلهيّ، وذلك لا ليُعلِن أو ليُعلّم، بل ليُحيي وليُخلّص. فهو يكشف عن ذاته بإعطاء ذاته، ويُعطي ذاته ليُحوّلنا فيه، ليحوِّلنا إليه، ليُصيّرنا إيّاه.

 

ولكن، إن كان الإقتراب من السرِّ مسموحًا بعد خلع نعلَيّ الفضول وحبِّ المعرفة المتطفّل، فلماذا اختار يسوع هذه اللحظة، وهذين الشاهدين (موسى وإيليّا)، وهؤلاء الرُّسل الثلاثة (بطرس ويعقوب ويوحنّا)؟ ما هو الأمر الذي كان يعيشه داخل قلبه البشري، وهو الإبن المشغوف بالآب والمشغوف بنا؟ قبل ذلك ببضعة أيَّام كان بطرس قد استنار من الداخل وتعرّف في يسوع إلى المسيح إبن الله الحيّ. كان يسوع حينئذٍ قد شرع في إزاحة السّتار عن النهاية الوشيكة: إنّه سيتألم، ويُقتل ويقوم من بين الأموات. بين هذا الإعلان الأوّل وبين الإعلان التالي، يأخذ يسوع المبادرة بالصعود إلى الجبل. فيبدأ، منذئذ، ظهور التجلّي عبر "ما لم يقله" الإنجيليّون: إنّ يسوع، من بعد أن أنجز التعليم المهيِّئ للفصح، صمَّمَ على السّير نحو تحقيق فصحه. وهو، في كلِّ كيانه، وبكلِّ "جسده" مستسلم لمشيئة الآب المحِبَّة، وإليها ينضمُّ وبها يتّحد كلّيًّا. وهكذا، فكلُّ شيء بعد الآن سيكون ترجمة لهذه الـ"نعم" غير المشروطة المعبِّرة عن محبَّة الآب، حتّى معركة النزاع الأخيرة التي سيُدعى التلاميذ الثلاثة أنفسهم لمعاينتها.

 

يجب علينا، بدون شكّ، أن ندخل في سرِّ هذا الانضمام الحبّي إلى مشيئة الآب، لكي نفهم أنَّ التجلّي ليس مجرّد الكشف عن نور الكلمة أمام أعين الرُّسُل، بل هو اللحظة المركزيّة الكثيفة التي اتّحد يسوع فيها، وفي كلِّ كيانه، بمحبّة الآب وتعاطفه. في هذه الأيّام الحاسمة يظهر، أكثر من أي يوم مضى، شفافـًا أمام نور محبّة ذاك الذي يسلّمه إلى أيدي البشر من أجلِ خلاصهم. فإذا ما تجلّى يسوع حينئذٍ، فلأنَّ الآب فجَّرَ فيه فرحه. فتألّق نوره في جسده المتعاطف هو مثل تهلّل الآب الذي يجيب على هبة ابنه الوحيد. ومن هنا كان الصوت من الغمام: "هذا هو ابني الحبيب! الذي عنه رضيت، فله اسمعوا!" (متى 17/ 5).

 

ونفهم اندهاشَ موسى وإيليّا: وكِلاهما كانا استشفـَّا قرب المجد الإلهيّ المتحرّق إلى تخليص البشر. وها هما يتأمّلان هذا المجد في جسد ابن البشر. "إنّي قد رأيتُ مذلّة شعبي... وسمعت صراخه... وعلمت بآلامه... فنزلت لإنقاذه..." (خر 3/ 7) "أجبني يا ربّ أجبني...، إنّي غرت غيرةً للرَّبِّ إله القوّات، لأنّ بني إسرائيل قد تركوا عهدك..." (1 مل 18/ 37؛ 19/ 10). كلُّ هذا لم يعد كلمات إلهيّة أو كلمات بشريّة بل "الكلمة" بذاته في ناسوته: لا وعدًا وانتظارًا، بل حدثـًا. "أمّا الحقيقة فهي جسد المسيح" (قول 2/ 17). وبإمكان موسى وإيليّا أن يتركا مغارة سيناء دون أن يغطـِّـيا وجهيهما، فهما يتأمّلان ينبوع النور في جسد الكلمة.

 

أمّا التلاميذ الثلاثة فقد غمرهم، للحظات، ما سيُعطى لهم أن يقبلوه ويفهموه ويعيشوه اعتبارًا من العنصرة: النور المؤلـِّهِ المنبعث من جسد المسيح، الطاقات المتعدِّدة الأشكال، طاقات الرّوح المُعطي الحياة. وما جعلهم، في ذلك الوقت، ينقلبون على وجوههم هو أن "هذا" ليس "الله مع البشر" فحسب، بل "الإله – الإنسان": لا شيء يمكن أن ينطلق من الله ليصل إلى الإنسان، أو من الإنسان إلى الله، إلّا بجسد المسيح: والقناعة الأخرى سيشهد لها بطرس في رسائله، ويوحنّا في كلِّ كتاباته، وهي إنّ المشاركة في حياة الآب المنبعثة من جسد المسيح هي على مقدار إيمان الإنسان. في نور الإيمان هذا الذي أضاء عيون البشريّة تكمن جدّة التجلّي. فبفضلها، يمكنهم عندما يقتربون من جسد يسوع، أن "يلمسوا بأيديهم كلمة الحياة". (1 يو 1/ 1).

 

بعد اليوم، لم يعد من مسافة بين المادّة والألوهة: ففي جسد المسيح أصبح جسدنا في شركة مع سيّد الحياة، من دون امتزاج ولا انفصال. فما دشّنه الكلمة في تجسّده، وأظهره منذ عماده في عجائبه، نلمحه في التجلّي يتطوّر وينمو، وهو أن جسد الرّبِّ يسوع هو السِّرُّ المعطي البشرَ حياة الله. وعندما تقبل بشريتنا الإتّحاد بناسوت يسوع، تشترك حينئذٍ في الطبيعة الإلهيّة (2 بط 1/ 4)، وتتألّه. وهذا هو معنى تدبير الخلاص كلّه. وما اللليتورجيّة إلّا اكتمال هذا التدبير. وتأليه الإنسان هو اشتراكه في جسد المسيح.

 

 

الليتورجيّة الأسراريّة

 

نفهم الآن لماذا يرى التقليد المقدّس الثابت لدى الكنائس الشّرقيَّة في سِرِّ التجلّي الحدث الذي هو ينبوع الليتورجيّة الأسراريّة. فليس جسد يسوع علامة حضور الله فقط، مثل علّيقة سيناء، ولا مستوعب الألوهة الجامد، كما يتخيّله نساطرتنا اللاواعون: إنّه (سرّ بالمعنى الأسراري)، إنّه "مسيح" "مسحته" الطبيعة الإلهيّة في وحدة الإبن الشخصيّة ولأنّ ناسوت يسوع هو "بنويّ" في كلِّ أحاسيس كيانه وكلِّ قبول محبّته، يمكنه أن يأخذ بشريتنا بحركاتها وسكناتها، وبجراحاتها وآلامها، لكي يبعث فيها حياة الآب. فطاقات جسد المسيح المؤلّهة ستطالعنا بعد اليوم في كياننا كلّه، في "جسدنا". فكيف يكون ذلك؟ يأخذ الرَّبُّ إحدى حقائقنا الجسديّة: ماء، خبز، خمر، زيت، رجل أو إمرأة، قلب نادم، فيضمّها إلى جسده المتنامي ويُشركها في إشعاعه المُحيي. وما نسمِّيه "أسرارًا" هو، في الواقع، أعمال جسد المسيح المؤلّهة في بشريتنا نفسها. وفي ملء الواقعيّة الرّوحيّة، وهذه الطاقات هي، في ملء الواقعيّة الرّوحيّة، أسراريّة، وإلّا لا يكون بإمكانها أن تؤلّهنا، فنحن لا نستطيع أن نقتبل روحه إلّا لأنّه يأخذ جسدنا.

 

وبمعنى ما، لم يكن بوسع يسوع خلال حياته الأرضيّة أن يصل إلى ملء نضوج قدرته المؤلّهة، لأنّه كان محدودًا في علاقته، وليس جسده هو ما كان يحدّه، بل كون جسده قابلا ً الموت. ومذ انتصاره على الموت، أُزيلت هذه الحدود وتلاشت. وبهذا المعنى، يمكن القول أن جسد المسيح قد بلغ بالصّليب والقيامة ملء أسراريَّته، فصار "أسراريًّا" كلّيًّا. يقول القدّيس أمبروسيوس: إنّ المسيح بصعوده إلى السّماء قد عبر إلى أسراره الإلهيّة، أي إلى طاقاته الأسراريّة. هذا "العبور" هو عبور "فصحه". وهكذا، فإذ هو "أسراريّ" منذ التجسّد، يصبح جسد المسيح، بقيامته وصعوده، أسراريًّا كلّيًّا، وبدون أي حدود. فهو بعد الآن وإلى الأبد، سرّ شركة الله والبشر، سرّ اتّحاد الله بالبشر.

 

قد يتخيّل بعض الناس أنّ المسيح، سرّ خلاص البشر، هو هناك في الأعالي، بينما الكنيسة، وهي سرّ آخر هي "هنا" على الأرض، كما أنّ هناك، إلى جانب ذلك، أسرار الكنيسة، يُحتفل بها من وقت إلى آخر. هذه الصورة المغلوطة هي أحد أسباب الطلاق بين الليتورجيّة والحياة. لا، ليس إلّا جسد المسيح الواحد، السرّ العظيم الوحيد. والروعة التي ينبغي ألّا نتوقـَّف عن اكتشافها وإعادة اكتشافها هي أن هذا الربّ الذي أشرَكَ تلاميذه الثلاثة في نورِهِ المؤلّه، عندما كان جسده  لا يزال في حالته القابلة للموت، يواصل الآن، وبقدرة أكبر بما لا يُحَدّ، تأليهَ البشر، في جسده الذي هو الكنيسة. فلو لم يكن جسده يشترك في حالتنا المائتة، فكيف كان لنا أن نشترك في ألوهيّته؟ وهذا الجسد المُحيي هو الكنيسة.

 

فالكنيسة، بالفعل، هي حالة "التجرّد" التي يُعطي فيها جسد الكلمة الحياة للعالم، إلى أن يُباد الموت نهائيًّا وكلّيًّا (1 قور 15/ 26). فالرّب، منذ صعوده، لا يزالُ يُجري بين الناس نهرَ الحياة، أي الليتورجيّة، في جسده الذي هو الكنيسة، وهكذا يتمُّ التجلّي اليوم. إنّ مفارقة الأزمنة الأخيرة مُركّزة في الحدث الدّائم والدينامي، حدث تجلّي المسيح: وفي هذا الحدث تتحقـَّـق الليتورجيّة الأسراريّة.

 

ذلك لأنّ بين التجلّي على جبل ثابور واليوم، هناك حدث القيامة، تفجُّر المجد، الرّوح القدس. فبفضل تجرّد الرّوح في الكنيسة، أمكن للإيمان، حتّى في ضعفنا بالذات، أن يستتيقظ، ولعيوننا أن تتفتّح، للتعرّف إلى الرّبّ وتتحوَّل فيه وإليه. فلم نعد بحاجة إلى الغمام لنسمع الآب ونقترب من يسوع: فبشريّة الكنيسة هي الجسد الذي فيه يعتلن الربّ ويعمل، لأنّ بشريّتنا وناسوته صارا، في الرّوح القدس، جسدًا واحدًا.

 

ها هو إذاً جسد المسيح، سرُّ خلاص البشر وسرُّ مجد الله. والليتورجيّة تجعلنا نحيا في الكنيسة تجلّي هذا "الجسد الكلّي" المتنامي، في اتّحادٍ محوِّلٍ يصير فيه الإنسانُ إلهًا. فإذا اعتمدنا الحدس التقليديّ الذي يعتبر الليتورجيّة "طاقة شعب الله"، فعلى هذا الضوء بالذات، يمكن أن نفهم الليتورجيّة، لا كطاقةٍ تنبثق من الكنيسة إلى جانب المسيح أو بعده، بل كسينرجيّة الله والإنسان الممنوحة في الرّوح القدس إلى كنيسة المسيح، وهذه السينرجيّة هي اتّحاد بلا اندماج، والتقاء طاقة العطاء بطاقة القبول، ولقاء عذريّ فائق القدرة بين مجانيتين. وعندما تستولي هذه السينرجيّة(1) على بشريتنا، لا تبقى البشريّة مجرَّدَ لحمٍ ودم، ولا فريقـًا اجتماعيًّا، ولا مجموعة بنيات، بل "تصير" شعبَ الله، جسدَ المسيح. وهذه الصيرورة هي بالذات حدث التجلّي.

 

فما هي إذاً هذه القدرة الفائقة الطبيعة المنبعثة من جسد الرّبّ، والتي يمكننا أن نشترك فيها ضمن حقيقتنا الإنسانيّة وواقعنا البشريّ منذ الآن؟ ما هي هذه الطاقات المؤلّهة التي تحوَّل، في الليتورجيّة، جسدَنا الحقير لتجعله على صورة جسده المجيد (في 3/ 21)؟ هذا ما بقي أمامنا أن نكتشفه لنقتبل ليتورجيّة الينبوع.

 

-------------------------------------------------------------

1)- السينرجيّة (Synergie) : هي الطاقة المُشتركة أو الفعل المُشترك أو الطاقات المتكاملة غير المنفصلة.

 

"ليتورجيّة الينبوع"

الأب جان كوربون

 

macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية