الحدث المعلن: القيامة

 

الحدث المعلن: القيامة

 

الحدث المعلن:  القيامة

شيئًا فشيئًا، سيعتلن حدث السرّ!

       

فعند مجيئه، ولحظة  عماده، كان يسوع قد رأى السّماء تنفتح: فالآب كشف عنه، أنّه ابنه الحبيب، والرّوح القدس ثبَّت شهادته. والآن، عند ساعة اكتمال سرّ الخلاص، ها هو يسوع يفتح للإنسان التائه بعيدًا عن الله جنّة الحياة، "الفردوس" (لو 23/ 43). ذلك بأنّ الينبوع قد صار منذ الآن ههنا.

 

لقد سطع فيض حبّ الثالوث الأقدس في بشريّتنا فالآب منحنا ذاته، عندما أعطانا كلّيـًّا وحيده وروحه. وفي الوقت عينه، بذل يسوع ذاته للآب كلّيـًّا، وبذل لنا روحه، "نفسه": "يا أبتِ، في يديكَ أجعلُ روحي. قال هذا وأسلم الرّوح". (لو23/ 43 ويو 19/ 30). وعندما صرخ "الكلمة" تلك الصرخة العظيمة وأسلم الرّوح، "إنشقَّ حجاب المقدس شطرين من العلى إلى الأسفل" (مر 12/ 37). فبعد اليوم، لن يُعبد الآب هنا أو هناك، "في هذا الجبل أو في أورشليم" (يو 4/ 21)، لأنّ قدس الأقداس لم يعد محجوبًا: إنّه قلب الآب الذي مزّقه الحبّ. فالينبوع الذي تتفجّر منه الحياة حاضر هنا. طاقة الحبّ هنا: لا بالشهادة والوعد، كما في الأردنّ، بل بالصّمت والحقيقة، في "جسد" الابن الحبيب.

 

الصّليب هو أوّل ظهورات الينبوع. ولأنّ يوحنّا قد رآه وتأمّله بعينيه البشريّتين، فهو سيتمكّن، فيما بعد، من الدخول إلى عمق السرِّ في "رؤياه" الأخيرة (رؤ 22/ 1). "لكن واحدًا من الجنود طعن يسوع بحربة في جنبه، فخرج لوقته دمّ وماء" (يو 19/ 34). "المياه تنزل من تحت، من جانب البيت الأيمن عن جنوب المذبح" (حز 47/ 1)، من المذبح الحقيقيّ الذي هو جسد الربّ (يو 2/ 21). فمنذ "ذلك اليوم، يكون ينبوع مفتوح لبيت داود ولسكّان أوراشليم" (زك 13/ 1).

 

"وكان في الموضع الذي صُلِبَ فيه يسوع بستان، وفي البستان قبر جديد لم يكن قد وضع فيه أحد" (يو 19/ 41)، فوُضِعَ يسوع هناك. عند بدء الخليقة، "كان نهر يخرج من عدن فيسقي الجنّة" (تك 2/ 10). أمّا يوم سبت الفصح العظيم، وحتّى فجر "اليوم"، يوم الخليقة الجديدة، فقد طـُمِرَ "الينبوع" في البستان. ومثل أحشاء العذراء مريم عند البشارة، اقتبلت الأرض سيّدها وابنها. في صمت الأعماق، هذه هي "التهيئة" الحاسمة (يو 19/ 42). وقد اكتمل السبت أيضًا في عمل سيّده. فكان عمله الأخير الحؤول دون تحنيط جسد يسوع. فالزمن المائت لم يكن سوى "تهيئة"، وها هو الآن يملأه حدث الفصح.

 

لأنّه، إذ يتوقف كلّ عمل، "لا يزال الآب يعمل" (يو 5/ 17) ليكمل رائعة َ حبّه: جسدَ وحيده الذي حمل خطيئة البشر وأخذ موتهم، فملأه من روحه ليبعثه حيًّا غير قابل للفساد. لا يمكن وصف هذا الحدث. وكلّ أيقونة تجازف بأن تصفه أو تصوّره لن تكون إلّا تزييفـًا تعيسًا. لو كنّا نستطيع أن نتخيّل انبعاث الحيّ من بين الأموات بعد أن غاص في غيابهم، لكان ذلك يعني أنّ جسده لا يزال بمتناول حواسنا، وبالتالي فهو لا يزال عرضة للموت. صمت القيامة هو هنا، وهو أكثر من أي وقت مضى، سرّ الملكوت الآتي. فمن الآن وصاعدًا يسوع "هو"، يسوع كائن، في ناسوته الكامل. لم يعد له مظهر محسوس، لأنّ كلّ مظهر هو من علامات الموت. لذلك فهو لن "يظهر" لتلاميذه كغائب يظهر من حين إلى حين، ولكنّه، وبحسب وضوح المفردات الإنجيليّة ودقّتها، "سيتراءى" لهم، أي سيدعهم يرونه. فشكله لن يتغيّر، سيبقى هو هو، إنّما هم الذين سيرونه "حسبما يستطيعون"، على مقدار إيمانهم. لأنّ المنبعث حيًّا من القبر لم يعد جسد عطش الإنسان فقط، بل إنّه، من الآن وإلى الأبد، جسد ينبوع الحياة.

 

ليتورجيّة الينبوع"

الأب جان كوربون

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية