الرسالة وليتورجيّة الأزمنة الأخيرة

 

 

 

الرسالة وليتورجيّة الأزمنة الأخيرة

 

يمكننا أن نأخذ بكلِّ الإعتبارات اللاهوتيّة والرعائيّة الإرساليّة، إلّا أنَّ سرَّ الرِّسالة لن يستولي على حياتنا ما لم يَتُبْ قلبُنا ويُحرَثْ ويُرَوَّ بالتعاطف الإلهيّ. فينبغي أن يسكُنَنا هذا التعاطف. فالليتورجيّة المُعاشة تبدأ بإحيائِنا عند مستوى القلب، بالصّلاة المتواصلة، ثمَّ تنفذ إلى طبيعتنا ونشاطِنا وعلاقاتنا. وكلّما زادت في تأليهنا أصبحت حياتُنا "عملَ الله". وكلّما زادت الشركة الإلهيّة في إحياءِ علاقتنا، أصبحنا الكنيسة. فالليتورجيّة، إذاً، تُمَدِّد الكنيسة وتوسّعها إلى مساحة إنسانيّة من التعاطف الإلهيّ. وعند ذلك الحد من النضوج، يمزِّق سرُّ الليتورجيّة المحتفَل بها والمُعاشة قلبَ الكنيسة مثلما مزَّق الحُبُّ قلبَ الآب، والرّوحُ قلبَ المسيح المحتضر على الصّليب. وحينئذٍ يَفيضُ التعاطف على العالم. وهذه هي الرّسالة.

 

قبل أن نُعيدَ النظر في كلِّ شيء، لندخُلْ في السرّ. وقبل أن نطرح المسائلَ ونُعالجها، فلنتعلّم التأمّل. إنَّ المسائِلَ المخصبة للرسالة تظهَر وتُحَلّ في وحدة السرّ. فهي ليست في وضع الرّسالة في مواجهة الليتورجيّة أو في المفاضلة بينهما، المر الذي لا معنى له إطلاقـًا. كما أنّها ليست في وضع الواحدة منهما إلى جانب الأخرى، كما لو كان الأمر يتعلّق باختصاصيْنِ من اختصاصات الكنيسة، واحدٍ داخليّ وآخر خارجيّ. وحتى إذا أمكن التمييز عمليًّا، في تاريخ الكنائس المُعاش، بين الاحتفال بالليتورجيّة وبين الرّسالة، فإنّ الأسئلة التي تُطرح تتعلّق أوّلا ً بما نعمَلـُهُ منها. فمن جهّة، لماذا لا تتفتّح الليتورجيّة بتاتًا، أو لا تتفتّح إلّا قليلاً، في ثمرة المحبّة التي هي الرّسالة؟ ومن جهّة أخرى، لماذا يستثمر المسيحيّون كلَّ هذا السخاء والعبقريّة على هامش الليتورجيّة والرّسالة الأساسيّة في الكنيسة؟ هذان هما، على ما يبدو، السّؤالان الأوليّان اليوم. أمّا الأسئلة الباقية المتعلّقة بكيفيّة الرّسالة وطرقها، فهي ليست سوى لأزمة تُعيدُنا إلى الينبوع.

 

والحال أنَّ ينبوع الليتورجيّة، الماءَ الحيّ الذي يَسقي المعمّدين، يوقِظ عطش أبناء الله المُشتّتين. فالرّوحُ نفسه يحيي "شعبَ الله" ويئنُّ في قلب "الأمم". كنّا قد تامّلنا في ليتورجيّة الأزمنة الأخيرة، ثلاث سينرجيّات كبرى لدى الرّوح والكنيسة: السينرجيّة التي تكشف المسيح، وتلك التي تُحوِّلُ كُلَّ شيء وكُلَّ الناس إلى جسده، وتلك التي تُفيض شركتَه. وكنّا قد التقينا هذه السينرجيّات من جديد، متمايزة، ولكن غير منفصلة، طوال بحثنا حول الليتورجيّة المُتفل بها والمعاشة. والحال إنَّ هذه السينرجيّات هي التي تلهِم من الداخل كلَّ حركة الرّسالة، وهذا ما سنراه. فنهر الحياة، عندما يؤتي الثمر الذي من أجله يتفجّر من الآب والحمل – وهذه هي رسالته – تَحمِله دائمًا التيّارات عينها. فالكنيسة لا تتغيّر في كيانها عندما تحتفل بالليتورجيّة وعندما يحيا أعضاؤها هذه الليتورجيّة، بل تبقى هي هي، ولكنّها تصبح بشكلٍ آخر. وكذلك الأمر في رسالتها، فهي ليس لها وجهٌ تُديرُهُ إلى الله، وآخر إلى البشر، فرسالتها في الأزمنة الأخيرة هي أن تكون وجهَ الله البشريّ الذي يمكن للناس أن يروا فيه الوجه الذي عنه يبحثون، وفي الضوء عينه، وجهَ البشر الذي يعكس مجدَ الله (2قور 4/ 6).

 

 

سرّ الرسالة الفصحيّ

 

عندما تحتفل الكنيسة بالليتورجيّة الأبديّة تتسلّم رسالتها وتتعلّمها. المرسلون الأوائل، أي الرُّسل، عاشوا ذلك وكتبوا عنه سفر الأعمال. أمّا اليوم، فإنّ الرّوح القدس يطبع معنى هذا الإختبار في جسد الكنيسة. فهو المُعطى كلّيًّا، وهو مَن لا ينفكُّ يسوع يُرسله بلا انقطاع، وهو يَجذُبُ ويأخذ معه في تجرّد رسالته الجسد الحيَّ، جسد ذاك الذي هو المرسَلُ الأوّل من قِبَلِ الآب. وهو الذي يَعمل في قلب جميع البشر انطلاقـًا من هذا المركز الذي منه يفجِّر الآبُ والمسيحُ فيض تعاطفهما: الكنيسة.

 

لا تُفهَم رسالة الكنيسة إلّا في سرِّ الأزمنة الأخيرة. فهي آخر أزمنة تدبير الخلاص في هذا العالم. إنّها قدرة الربِّ الناهضِ من الموت والجاذبِ إلى الآب كلَّ البشر بتعاطف روحه الذي يُفيضه عليهم. إنّ سرَّ الصّعود إلى السَّماء هو الزخم الإلهيّ الذي يحمل معه عالمنا. هذا الصعود الكلّي القدرة، حيث ابتدأت الليتورجيّة الأبديّة، لا ينفكُّ ينتزع البشر من سلطان الظلمات ليُجيزَهم إلى نور الآب. ما يتمّ أسراريًّا في الليتورجيّة المحتفل بها يَفيضُ في الرّسالة ليتورجيّة ً كاملة، ليتورجيّة الكنيسة. السرُّ الفصحيّ عينه يُقتبَل هنا في ملئه، ويَفيض هناك بوفرة. وفي الفصح ذاته تتجلّى الكنيسة في سيِّدها، فتسطع بنور جسده المحيي. فالليتورجيّة المحتفَل بها وليتورجيّة الرّسالة هما وقتان من أوقات الحبّ ذاته: فكيف نحبّ إخوتنا إن لم نقتبِلْ ذاك الذي يحبّنا أوّلا ً؟ نحن أمام حركتين من السرّ الفصحي عينه: "أنتم جماعة المَلِك الكهنوتيّة... للإشادة بآيات الذي دعاكم من الظلمات إلى نوره العجيب" (1بط 2/ 9).

 

والإحتفال الليتورجيّ هو بالطبع وقتٌ مكثـَّـفٌ حيث تُحيي كلُّ جماعة كنسيّة وعيَها لرسالتها. ولكنّه، على الأخصّ، الوقتُ الذي فيه تُسَلّمُ إليها رسالتُها، لا كتوصية أو تعليمات، بل في سرِّها بالذات. فهناك يودِعُ الكلمةُ ذاتهُ إلى كنيسته ككنز في آنية من خزف (2قور 4/ 7) مُستودِعًا الكلمة َ في قلبه، ومالئًا إيّاها من روحه، وباذِلا ً لها جسده. عندئذٍ، تتمكّنُ الكنيسة من أن تردِّدَ لكلِّ الناس "الكلمة" الذي تحفظه مطبوعًا فيها، وتعطيهم الرّوح، إذ تبذل ذاتها لأجل حياتهم، فتكون "الملكوتَ فيما بينهم".

 

إنَّ عمل فصح المسيح العظيم يصبح في الرسالة عملَ كنيسته. أوليسَ هذا هو معنى الليتورجيّة الكامل كفعلِ شعبِ الله وحيويته وعمله الإلهيّ؟ ولئن كان شعب الله يصبح في الإحتفال الليتورجيّ جسد المسيح، فإلامَ يسعى في رسالته إلّا لأن يصيرَ المسيحُ كلّاً في الكلّ؟ ولكن الليتورجيّة على الأخصّ تُعلّمُه، بالعمل، المعنى الوحيدَ الذي لا يلتوي ولا ينثني، معنى هذا "النشاط الرّسولي": "من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا"، في الزخم والإندفاع عينها لِـ"حمدِ نعمتِه السنيّة" (أف 1/ 6). إنّ إنحطاط معنى الرسالة التمجيديّ يترافق غالبًا مع إنحطاط المعنى الإلهيّ لخلاص الإنسان. ففي يسوع المسيح تتّحد هاتان الغائيَّـتان، المتميِّزتان من دور إنفصال، في شخص الكلمة، وتُستقطبان بينبوع نورٍ واحد: الآب. إنّ "مجد الله هو الإنسان الحيّ، وحياة الإنسان هي رؤية الله... لأنّ مجد الإنسان هو الله، ولكن نقطة إلتقاء طاقة الله وحكمته وقدرته هي الإنسان". ومجد الله عينه هو المجد الوحيد الذي جاء الكلمة ليُرمِّمَه ويُحييه باتّخاذه بشريّة الإنسان ليؤلـِّهَ الإنسان، هذه هي الديناميّة الفصحيّة في رسالة الكنيسة.

 

والحال إنّنا نتعلّم كيف نحيا فصح الرِّسالة هذا عندما نتمّه في الإحتفال الليتورجيّ. وهذا يصحّ على الأخصّ عندما تأخذنا السينرجيّة الأسراريّة إلى قلب الأنافورة الإفخارستيّة، في التذكار والاستدعاء. فهنا يُدرَكُ الإنسان في الحالة التي ينتظِر فيها أن يخلـَّص. وهذا هو معيار إصالة تعابير الرّسالة. ففي الليتورجيّة، نحن نلتقي الإنسان حيث يلتقيه الله، حيث صار المسيح خادمًا للبشر. فيسوع، في حالته المائتة، لم يقُمْ بأي خدمة إجتماعيّة، حتى عند تكثيره الأرغفة. فخدمتُه إلهيّة، وهي تتحقـَّقُ في الليتورجيّة وفي الرسالة، بتخليصه الإنسان حيث يبحثُ عن إلهه، في الجوع والعطش، وقد جرّحه الموت.

 

فالمسيح، خادم البشر لأجل خلاصهم، يعلّمنا التجرّد نفسه في الإحتفال الليتورجيّ كما في الرّسالة. خدمة الليتورجيّة هذه، هي، إجتماعيًّا، بلا جدوى، وهي لا تُحدِثُ أيَّ تغيير في أي بنية. إلّا أنّها إنسانيًّا، أي في حقيقة الإنسان الجوهريّة، الخدمة الأرفع، خدمةُ التعاطف المؤلـِّه. فالإحتفال الليتورجيّ يجعلنا نعيش فصحَ البشر في المسيح، هذا الفصحَ عينَه الذي نحن في الرسالة خدَّامه. إذا كنّا قد فهـِمنا أنّ الإستدعاء الإفخارستيّ هو مركز التعاطف، حيث تتفجَّر طاقاتُ الكنيسة، فباستطاعتنا أن نفهم كيف تُظهـِر الرِّسالة التعاطفَ الإلهيّ الذي يُخلـِّص البشر، وتُشركهم به.

 

 

الرسالة ظهور التعاطف الإلهيّ

 

في الأنافورة الإفخارستيّة، يصبح فصحُ يسوع من أجل جميع البشر فصحَنا. بيد إنّه، إن كان بعض الأعضاء يفرحون حينئذٍ لكونهم ينتقلون إلى الحياة، فكيف لا يتألّمون في الوقت نفسه إزاء مَن لا يزالون في قبضة الموت؟ في ليتورجيّة الكلمة، يُعلَن لنا المسيحُ المخلّص، ونحن نجيب بالقبول الإيمانيّ. إلّا أنَّ جوابنا قد يصبح خيانة ً لذاك الذي ارتضى أن يُسلـَمَ إلينا، إذا لم نُعلِنْه بدورِها للآخرين ونُبشِّرْهم به. فالرِّسالة هي إعلان المسيح أمام العالم من خلال كلِّ ما نحن عليه: جماعة كنسيّة، كلام، شهادة، عطاء حياة.

 

الرِّسالة هي، أوّلا ً وجوهريًّا، ظهور المسيح الإلهيّ من خلال كنيسته بصفتها جماعة محبّةٍ جديدة. والكنيسة ليست سلسلة عالميّة للدعاية الإنجيليّة، ولا مجموعة فروع ٍ لجمعيّة تلاميذ يسوع، إنّها جِدَّة شركةِ الرّوح القدس بين البشر. فأن يكون الحُبُّ المُستحيلُ حاضِرًا ههنا كحدثٍ واقعيّ ممكن، فهذه هي البُشرى التي تُعلـَنُ بمجرَّد وجودها. فالله الحيّ ليس له مقدّمة أو تعريف: فهو "هو"، و"هو يأتي". وهكذا هي الكنيسة، حدث المحبّة الإلهيّة بين البشر. فإن لم تُصبح ما هي باقتبالها الرُّوحَ القدس الذي يجعل منها جسد المسيح، فهي لا تعود سوى واحدة من المجموعات الإجتماعيّة – الثقافيّة. وعندئذٍ، إذ ينقطع المسيحيّون، عن ليتورجيّة الينبوع، يلجأون إلى الدعاية. ولكن، إذا كانت الكنيسة المحلّيَّة جماعة محبّة، فقد يُمكن للناس أن يرفضوا هذه البشرى المبلبلة عن حبِّ الله لهم، إلّا أنّهم لا يمكنهم ألّا يرَوها. فالرسالة كظهورٍ إلهيّ، هي أوّلاً سرُّ النور هذا (يو 13/ 35).

 

وانطلاقـًا من ذلك، الكنيسة هي أيضًا مجيء الكلمة. فكلّ واحد في الكنيسة، من جهّته، يتلقّى، بعماده وتثبيته، بعض مواهب هذه النبوّة الجديدة: تحقيق مجيء كلمة الله بين البشر، أو "التبشير بكلمةِ الله" (قول 1/ 15). فـ"الكلمة" "يتابع مهمّته" (2تس 3/ 1) شرط أن نحمله وننقله كما هو دون تحريف أو تزييف أو عبث (1تس 2/ 3 و2قور 2/ 17). هذه المهمّة أو الرّسالة هي المسيح المصلوب والقائم من بين الأموات. فهو الذي من خلال وبمقدار شفافيتنا، يدعو البشر حيث هم: أي في الظلمات، ومن نورٍ إلى نور. لأنّه يَفهمُهم، إذ هو وَحدَه صديقٌ للبشر ومحبٌّ للبشر، ويَعرِف أن يوبِّخهم ويشذ ِّبهم ليُحرّرهم. فيسوع ليس ديماغوجيًّا ولا متعصِّبًا، إنّه صفاء مجد الآب ونقاوته. وهو يتكلّم بواسطتنا "كمَن له سُلطان" لا كمُعلّقٍ أو كمُفسِّر، فحقيقة ما يقوله تتلاقى مع الواقع، وهذه البداهة يمكن أن يتعرَّف إليها القلب البسيط المستقيم ويعترف بها. إنّه الوحيد: الإنسانيّ حقـًّا، لأنّه يعرف في ناسوته ما هي معركة الخاطئ، وما هي حرِّيَّة أن نحيا الإنسان إلهيًّا. لذلك فكلامنا، وهو علامة سرّه الإلهيّ، ليس خطابًا عن الله ولا قواعد أخلاقيّة للإنسان، بل هو الكشف عن أنَّ الإنسان محبوب ومدعوّ لأن يصير إلهًا، لأنَّ الآب أحبَّهُ أوَّلاً ولأنَّ الابن صار إنسانًا. وهذه الكلمة تزداد حقيقةً وواقعيّةً إذا ما حوَّلتنا نحن أوَّلاً وألـَّهتْنا شخصيًّا.

 

وإذا كانت الكنيسة هي التي تعلن الإنجيل بواسطتنا، فذلك يفترض أن نلتزم نحن بذلك بكلِّ كياننا. ولا يمكن للرِّسالة أن تكون إلّا شهادة. فيسوع هو الشاهد الأوحد على حنان الآب وشقاء الإنسان. ولكنّه شاهدٌ أمينٌ لأنّه يحقـِّقُ في ذاته وعد الآب من أجل جميع أولاده: أن تُسترجَع عظمتهم الإلهيّة وتتجدَّد في الابن الحبيب. لقد كان يوحنّا "السَّابق" الإصبع التي تدلّ على الكلمة في تواضع بشريّته. وكذلك الكنيسة، الآن، أي في الأزمنة الأخيرة، فهي، في الرّوح القدس وباشتراكها في تجرّد الكلمة، "السابقة" للربِّ على عتبة مجيئه الثاني المجيد. ولكنّها لا  تدُلّ على المسيح وتظهره وكأنّه خارِجَها، فيوحنّا كان صديقَ العريس، أمّا هي فإنّها العروس بالذات. إنَّ سرَّ الشهادة، المقتصرَ غالبًا على المظاهر، يستلزم الشفافيّة بشكلٍ رهيب. فالشهادة لا تُرتجَل. بل تتطلّب علاقة حميمة طويلة مع كلمة الحياة ومع شقاء البشر وموتهم الذين إليهم يأخذنا الربُّ في إثرِه: وذلك يستلزم تعاطفـًا دائم التفجّر، تعاطف العذراء مريم.

 

وأخيرًا، تكتمل رسالة الكلمة، في الاستشهاد، هذا الشكل الحاسم من أشكال الشهادة. وكيفيّة الإستشهاد وصُوَرُه لا تَهُمّ، ولكن رسالة الكنيسة لن تكون رسالة المسيح والرّوح القدس إذا لم يكن الإستشهاد نهايتها. "فما لك وذلك؟ أما أنت فاتبعني" (يو 21/ 22). لا يُمكننا أن نكون شهودًا لذاك الذي سمعناه وتأمَّلتْه عيوننا ولمسته أيدينا، إلّا إذا طهَّرتنا نارُ روحه حتى مماثلتِنا التامة به. فمن استدعاء عمادنا إلى استدعاءات إفخارستيّاتنا، هي النار عينها التي تعمل فينا لكي يتمَّ عمل الحياة في إخوتنا. إن لم تلاقِ رسالتنا المضايقات فنحن أنبياء كذبة. والحال، إذ نحن مُرسلون لكي نكون مع البشر، فلا يمكننا أن نكون معهم ومن أجلهم ما لم نكن مثل المسيح: علامة َ تناقض، آية ً مُعرّضة للرفض" (لو 2/ 34) لكشف خفايا القلوب. المحنةُ التي نعانيها لأنّنا "مسيحيّون" (1بط 4/ 16) هي خَتمُ خدمةِ الكلمة، واكتمالها في صمت الحبِّ المُعطي الحياة بعد أن أعطى "الزرعَ غير الفاسد" للحياة الأبديّة (1بط 1/ 23). وهكذا تَتُمُّ في الليتورجيّة الأبديّة الرِّسالة التي ابتدأت في ليتورجيّة الكنيسة. ففي الإستشهاد يَبلغ التعاطفُ منتهى الحبّ.

 

 

الرسالة عنصرة الأزمنة الأخيرة

 

ليست رسالة الكنيسة متقطّعة، أي من حين إلى حين، كما أنَّ حبَّ الآب لا يزال وسيبقى لكلِّ إنسان. إلّا أنّنا لا نستطيع دائمًا التبشير بذاك الذي نتأمّله، ولا مساعدة إخوتنا باستمرار على أن يتحرَّروا في الرّوح القدس. وإذا لا نقدر في كلِّ لحظة على كسر الخبز الذي إليه البشرُ جائعون، ولا على نشر المسحة التي تشفي كلَّ جرحاتهم، فماذا سنعمل؟ بعضهم يعودون إلى شباكهم. وآخرون يسكنهم تعاطف سيِّدهم إلى حدٍّ لا يستطيعون معه أن يتركوا الكنيسة وحيدةً في زمن مخاضها وولادتها. أوَليس من تحمِله هو الذي يريد أن يُصبح كلّاً في الكلّ؟ حينئذٍ تعود الرسالة إلى الينبوع لكي لا تنقطعَ عن التفجّر. ذلك أنّ ليتورجيّة الرّسالة في الصلاة القلبيّة لا تنضُبُ أبدًا.

 

فكهنوتُنا، كهنوت الكلمة والحبّ، الكهنوت النبويّ والملوكيّ، يتغذ ّى في الاستدعاء الإفخارستيّ على نارٍ لا تنطفئ أبدًا. والليتورجيّة القلبيّة تجد فيه دائمًا بعض الجمر لتشتعل الصلاة من جديد في شعلة الإستدعاء واندفاعه. فالصّلاة القلبيّة، في شركة خفيّة مع أنين القدّيسين المنبعث من تحت مذبح الليتورجيّة الأبديّة، هي المكان الذي يفيض منه الرّوح بلا انقطاع على جميع البشر. والرّوح القدس، في هذه العنصرة المتواصلة، عنصرة الأزمنة الأخيرة هو، على حدِّ قول القدّيس باسيليوس: "مكانُ القدِّيسين". لقد كان الأمر كذلك منذ فجر ملء الأزمنة. سرّ الفيض هذا، ابتدأت رسالتُهُ، لدى الرّوح القدس، مع العذراء مريم. فمنذ أن حبلت بكلمة الآب، مَضَت "مسرعة" إلى نسيبتها أليصابات. وإذ تَنشُدُ السّلام، ها هي تُعطيه: فيستولي الرّوحُ على أليصابات ويملأها، فيرتكضَ الجنين في أحشائها. وهكذا الكنيسة، حتى وهي غيرُ نافعةٍ للعالم، فهي دائمًا في رسالة، في "زيارة" عند البشر. في قلب الكنيسة، هي استدعاءُ رسالتها الدائمة.

 

والصّلاة الدائمة على هذا النحو هي عطيّة ٌ تندرج في ختم هبة الرّوح التي "ثبـَّـتَ" عمدَنا. وعندما تنكشِفُ الصلاة بدعوةٍ شخصيّةٍ، وتستولي على الكيان كلّه وعلى الحياة كلّها، تُصبحُ هذه الموهبة َ التي لن يكون لها أبدًا إسمٌ قانونيّ مُلائم في الكنيسة: الحياة الرّهبانيّة. إنّها موهبة العذريّة الممنوعة للكنيسة. والذين يتوحَّشون بها يُسلِمون للرّوح القدس، ربِّ المستحيل، كلَّ ما ينتظر في الإنسان أن يتحقـَّق بفعل الإنسان: الإرادة، السُّلطة، المُلكيّة. لذلك، فانتظار كلِّ شيء من الرّوح القدس هو حركة الإستدعاء الولى في الصّلاة القلبيّة. والحياة الرّهبانيّة هي الموهبة الخفيّة، القائمة في الخطوط الأولى للمعركة الأخيريّة، التي تحمل كلّ رسالة الكنيسة. وهي أن نكون الحبّ في قلبِ الكنيسة، بحسب تعبير القدّيسة تريزيا الطفل يسوع.

 

إنّ إحدى أيقونات الكنائس الشرقيّة، التي بدات إعادة إكتشافها من قبل كنائس الغرب الشقيقة، تعبّر بدقّة فائقة عن سرِّ الكنيسة المُصلّيّة في عنصرة، في الأزمنة الأخيرة: إنّها أيقونة "الدييسيس" (Disis) (معناها: صلاة، طلبة). المسيح في المركز، يمسك بيُسراه سفر التاريخ (الحمل المصلوب والقائم)، وبيُمناه يبارك العالم (فيض الرّوح القدس): ذلك لأنَّ في الصعود، دائمًا، يَظهرُ سرُّ الرِّسالة ويتحقـّق. ومن هنا هناك، يبدو يوحنّا  المعمدان والعذراء مريم، بأيديهما المفتوحة والمبسوطة، فهما ليسا سوى صلاة وابتهال وتضرُّع وأنين. فوالدة الإله حاضرة دائمًا، هي كنيسة زيارة الله للبشر. إلّا أنَّ يسوع الذي تحمله، ويوحنّا الذي امتلأ من الرّوح القدس، هما الآن في الليتورجيّة الأبديّة. "طوبى للتي آمنت..." (لو 1/ 45) هذه هي تطويبة الكنيسة، لأنّ تعاطفها لا يمكن إلّا أن يحمل ثمرته الأبديّة.

 

 

ليتورجيّة الينبوع

الأب جان كوربون

 

 

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية