الرّموز في القدّاس الإلهيّ

 

 

الرّموز في القدّاس الإلهيّ

 

 

الرّموز في القدّاس الإلهيّ

 

 كلّم يسوع الجموع بالأمثال والرموز، مستعملًا صورًا من الطّبيعة ومن حياة الإنسان، ورموزًا ومصطلحات لكي ينقل إلينا ويُفهمنا الحقائق المختصّة بملكوت الله. نقرأ في إنجيل القدّيس متّى: «إزدحم عليه جمعٌ كبير، فكلّمهم بأمثال على أمور كثيرة» (متى 13: 2-3). في الواقع، نجد في الأناجيل الإزائيّة، متى ومرقس ولوقا، ثلاثين مثلًا.

أمّا يوحنّا فيقدّم تعليم إنجيله في فنٍّ أدبيّ قريب من الأمثال، مع استعمال صوَر من الطبيعة وحياة النّاس، مثل «الكرمة والأغصان» (يو15: 1-10) لكي ينقل إلى فهمنا الكنيسة السرّ والشركة والرسالة، ومَثَل الحظيرة والخراف والراعي والذئب (يو10: 1-16) لينقل إلى فهمنا علاقته بكلّ إنسان وبالبشرية جمعاء، ومفهوم السّلطة في الكنيسة، وعلى صورتها كلّ سلطة في العائلة والمجتمع والدّولة. 

 

  الليتورجيّا، من حيث هي عمل الخلاص الذي يمتدّ عبر الأعمال الطقسيّة والعلامات السرّيّة، هي ملأى بالرموز. ذلك أنّ الرمز يدلّ إلى أمر آخر، غير الذي نراه. تستعين الليتورجيّا بالرموز لكي تصل بها إلى الحقيقة التي لا تُرى، ولكي يتمكّن مَن هم على إيمان واحد أن يتواصلوا فيما بينهم. اللّيتورجيّا بامتياز هي ذبيحة القدّاس المعروفة باللّيتورجيّا الإلهيّة، والمؤلّفة من قسمَين أساسيَّين: ليتورجيّا الكلمة التّعليميّة واللّيتورجيّا القربانيّة أو الإفخارستيّة. يتكوّن بناؤها من مصطلحات ورموز ترتبط كلّها بشخص يسوع المسيح والثالوث وتدبيره الخلاصيّ. فالرّمز والمصطلح هما العلامة الخارجيّة التي تشير إلى المرموز إليه ومن خلالها تنتقل الجماعة المؤمنة من المفهوم المادّي إلى الحالة الرّوحيّة، ومن العلامات الحسيّة إلى حقيقة ملكوت الله.

قبل الدخول في مفاهيمهما وأبعادهما الرّوحيّة واللاهوتية والكنسيّة، يجدر بنا، من أجل مشاركة فيها فاعلة وواعية، أن نشرح عناصرها القربانيّة ورموزها ومصطلحاتها، فيكون احتفالنا اللّيتورجيّ مُثمرًا.

 

الصليب

 الصَّليب هو الرّمز الأساس للحياة المسيحيّة والاحتفال الليتورجيّ. هو رمز الانتصار على الموت بالحياة التي منحنا إيّاها الرّبّ يسوع، ورمز القربان وتقدمة الحمل النقيّ المذبوح لأجل فدائنا وخلاصنا؛ هو نبع الغفران وراية السّلام وعلامة المصالحة بين جميع الشّعوب الذين جعلهم واحدًا.

الصّليب في التّقاليد المسيحيّة الأولى، لا سيّما في اللاهوت الأنطاكي السّرياني، هو علامة الحضور الإلهي، يرافق كلّ الإحتفالات اللّيتورجيّة: في القدّاس وفي سائر الأسرار والرّتب الطّقسية. من الصّليب تنبع الحياة اللّيتورجيّة وتأخذ سائر الرّموز كامل معانيها.

إنّنا نحثُّ الجميع على رسم إشارة الصّليب في الإحتفالات اللّيتورجيّة وخارجها، بشكل واضح وبخشوع. وندعوهم، وبخاصة الوالدين المؤتمنين على نقل وديعة الإيمان، لرسم إشارة الصليب في بيوتهم، قبل تناول الطعام وبعده، وفي مختلف مرافق الحياة اليوميّة، فيعيشوا دائمًا في حضرة الله؛ لأنّنا بإشارة الصّليب نستحضر الثالوث الأقدس الآب والإبن والرّوح القدس، ونلبس قوّة من العلاء (لو 24/ 49)، لأنّ الصَّليب قوّة الله (1قور1: 18)، وقوّة الكنيسة، وهو فيها بمثابة الصّارية في السفينة، على ما يقول المكرَّم البطريرك أسطفان الدّويهي، إلى جانب جسد المسيح ودمه؛ وهو الجسر الذي نعبر عليه من دُنيانا إلى السّماء، كما ننشد في ليتورجيّتنا المارونيّة.

 

الشموع والأنوار

 تعود رتبة إضاءة الشّموع والأنوار في أصلها إلى ليتورجيّا القبر المقدّس في أورشليم، وترتبط رمزيّتها بأنوار القيامة وفرح الإشتراك بالأسرار المقدّسة.   ويرى المكرَّم البطريرك أسطفان الدّويهي، في الشّموع المُضاءة، حضور المسيح نور العالم، وعلامة الإيمان الذي ينير حياتنا، والرّمز لمواهب الرّوح القدس. وعن استخدام الشمع العسلي على المذبح يقول أنّه رمز الطّهارة والنّظافة. ويضيف: "كما أنّ الشّهد تجمعه النّحلة من عامّة الزّهور، هكذا الخادم الذي يوقده أمام جسد الرّبّ يجب أن يحوي جميع الفضائل". تضاء الشّموع في القدّاس وفي كلّ الرّتب الطّقسيّة والصّلوات الجماعيّة، لا سيّما عند المساء إذ ترتبط رمزيّتها أساسًا بالمسيح الذي ينير ظلمات العالم بقيامته المجيدة مصدر كلّ استنارة. 

 

الكأس والصّينية، والصّمدة والغطاء- النّافور

 الكأس والصينيّة عنصران أساسيّان في خدمة الذبيحة الإلهيّة. من رموز الكأس أنّها تدلّ على القبر والصينيّة على الحجر الذي وُضع على بابه؛ كما يُشار بالكأس إلى الصّخرة التي تفجّرت منها ينابيع الخلاص فأروت الشعب العطشان، والصينيّة إلى السَّلّ التي وضع فيها موسى خبز الحياة الذي أعطاه الله لشعبه في البريّة. ترمز "الصمدة" التي تُهيّأ عليها القرابين إلى الكفن الذي لُفّ به جسد الرّبّ في القبر، والنافوران الصّغيران لتغطية الكأس والصّينية، يرمزان إلى المنديل الذي لُفّ به رأس الرّبّ. والنّافور الكبير الذي يُغطيّ الكلّ يرمز إلى مجد الرّبّ وإلى احتجابه تحت شكلَيّ الخبز والخمر.

 

البخور

 يرمز البخور إلى المسيح الذي "بذل نفسَه لأجلنا قربانًا وذبيحةً لله طيّبةَ الرّائحة" (أف5: 2). فصار تعبيرًا عن الصّلاة التي نرفعُها لله: «لتُقَم صلاتي كالبخور أمامك» (مز 140: 2)، وعن صلوات القدّيسين، كما جاء في رؤيا يوحنّا: "رأيت الأربعة والعشرين شيخًا يقدِّمون جاماتٍ من ذهب ممتلئةً بخورًا وهي صلواتُ القدّيسين" (رؤيا 5: 8).

يُقدَّم البخور لله  إكرامًا وصلاة. لذلك يقولُ الكاهن عند وضع البخور في المبخرة مبارِكًا: "لمجد الثّالوث الأقدس وإكرامه"؛ وعندما يُبخّر المؤمنين، فليحنوا رؤوسهم، ويرفعوا بقلوبهم صلاةَ تمجيد وشكر لله لأنّه، بصلاة الغفران، نقّاهم من خطاياهم وقدّسهم له. فلا يجوز، في أي حالة، عدم استعمال البخور، حسب ما يقتضيه الاحتفال الليتورجيّ، وتجنّب ما يخالف ذلك.

يُشار بالمبخرة إلى السيّدة العذراء التي قبلته في حشاها البريء من الدّنس ولم تحترقْ من حرارة لاهوته. وبسلاسل المبخرة يُشار إلى الأقانيم الثلاثة المتساوية في الجوهر والقدرة والجودة. وبالحلقة التي تجتمع بها السلاسل، إلى الطّبيعة الإلهيّة الواحدة بثلاثة أقانيم. أمّا في كيفيّة التبخير خلال الإحتفالات الليتورجيّة، يجب، توحيدًا للعمل اللّيتورجي في كلّ كنائسنا المارونيّة، التقيّد بإرشادات الكتب الطّقسيّة، محافظةً على الرّمزيّة والمشاركة الواعية.

 

اللّباس اللّيتورجيّ وألوانه

   يرمز اللّباسُ اللّيتورجي الى "الإنسان الجديد الذي نلبسه والذي خُلق على مثال الله في البرّ وقداسة الحقّ" (أف4/  24)، وإلى الإستعداد  للإحتفال بنقاوة الفكر والقلب، وإلى السّلطان الكهنوتيّ الذي منحه الرّبّ لرسله "لتمجيد الثالوث الأقدس وبنيان الكنيسة". يشرح المكرَّم البطريرك الدّويهي معاني اللّباس كما يلي: الكتونة ترمز إلى البرارة والنّقاوة؛ الزّنّار إلى الجهوزيّة للخدمة كالمسيح الذي ائتزر بمنديل وطفق يغسل أرجل التّلاميذ (يو13: 4-5)؛ المنصفة ترمز إلى خوذة الخلاص والتأمّل في الأمور السّماويّة ومعرفة الأسرار، وإلى إكليل الكهنوت وإكليل الشّوك، وإلى تجسّد إبن الله الذي أخفى ألوهيّته وأخذ صورة العبد وجاء إلى العالم وهو مُحتجَب بمنديل النّاسوت؛ البطرشيل، حسب اللّفظة اليونانيّة «بتراكليون»، يرمز إلى الخضوع لكلام الرّبّ وحفظ وصاياه بحسب قوله: "نيري طيّب وحملي خفيف" (متى 11: 30)، ويرمز إلى سلطان الكهنوت. الغفّارة – البدلة ترمز إلى المحبّة التي تعمّ جميع الفضائل، واتّحاد الإيمان، وحلول الرّوح القدس من العلاء، وفضيلة الحقّ والبرّ. يرتديها الكاهن كعلامة لمحبّة المسيح التي يشهد لها بمحبّته الرّاعوية. 

يرمز اللّباس اللّيتورجيّ إلى البُعد النّهيويّ- الإسكاتولوجيّ فهو لباس الجسد الممجَّد الذي يتكلّم عنه بولس الرّسول: «لا بدَّ لجسدنا الفاسد أن يلبسَ عدم الفساد، ولجسدِنا المائت أن يلبسَ عدم الموت» (1كور15: 53). وهو المسكن الجديد الذي يتكلّم عليه أيضًا: «إذا نُقضَ مسكننا الأرضيّ، فلنا في السّماوات مسكنٌ من الله، بيتٌ لم تصنعه الأيدي، أبديّ» (2كور5: 1).

إنّنا نوجب، احترامًا للمسيح رأس الأحبار، على الكاهن المحتفل بالقداس، أبرشيًّا كان أم راهبًا، أن يقيمه بكامل اللّباس الكهنوتيّ المارونيّ، وعلى الكهنة المشتركين أن يلبسوا البطرشيل فوق الجبّة أو العباءة عند الحاجة. ويمنع وضع البطرشيل على الكليرجمان. 

 

  أمّا الألوان اللّيتورجيّة فلا يوجد في تقليدنا الأنطاكي الماروني تحديد واضح حول استخدامها، لكن في الوقت عينه، ومن خلال المقارنة مع الطقوس الشّرقيّة والغربيّة، نرى أنّ اختيار الألوان يتجّه نحو نظرة موحَّدة ترتكز على معنى الزّمن اللّيتورجي، وتأخذ بُعدًا طبيعيًّا جماليًّا.

فعملًا بالإرشادات الطّقسيّة العامّة تسعى لجنتنا البطريركيّة إلى تحديد الألوان الطّقسيّة على النّحو التالي: في زمن تجديد وتقديس البيعة وما يتبعه من أزمنة الميلاد المجيد، فالألوانُ المقترحة تتراوح بين الأبيض الذي يرمز إلى الحياة، وصولًا إلى الألوان الذهبيّة المُضيئة ؛ وفي زمن الدنح اللون الأحمر لأنّه يرمز إلى عنصرة الرَّبّ، بحلول الرّوح القدس عليه في نهر الأردن ؛ وفي زمن الصّوم الكبير وهو زمن التّوبة وتجديد الإيمان، يبرز اللّون اللّيلكي – الموف ؛ أمّا في الأسبوع الفصحيّ وهو الأسبوع المؤسّس للحياة اللّيتورجية في الكنيسة، فتتبدّل الألوان بحسب الاحتفالات الفصحيّة: اللّيلكي خلال مطلع الأسبوع، الأبيض أو الذّهبي في خميس الأسرار، القرمزيّ أو الأحمر السمّاقي يوم الجمعة العظيمة لأنّه يوم الشّهادة والاستشهاد ؛ وفي هذا اليوم يُجرَّد المذبح من الأغطية رمزًا ليسوع المُنزَل من على الصّليب والموضوع في قبر، وهكذا تدخل الكنيسة إلى سبت النور، يوم الإنتظار لبزوغ فجر القيامة. في هذا السبت، يُحتفَل برتبة الغفران إستعدادًا لعيد القيامة بالجبّة والبطرشيل الأبيض رمز الغفران والمصالحة، وعند انتهاء الرّتبة يلبس المذبح لباس العيد.

يوم الأحد الذي يبدأ ليتورجيًّا السبت مساءً، تُزيَّن الكنيسة بالشموع والزّهور وتُختار الألوان الفارحة كالذهبي والأبيض. في زمن العنصرة، يُختار اللّون الذهبي كما اللّون الأحمر رمزًا للألسنة الناريّة. يُختار في أعياد الشّهداء اللَّون الأحمر أو القرمزي، وفي أعياد القدِّيسين اللّون الأبيض ومشتقّاته، وفي الأعياد المريميّة الأبيض يتخلّلُه الأزرق.

 

 عناصر القرابين في القدّاس: الخبز والخمر والماء

  هذه الموادّ الثلاث هي من إرادة المسيح. هو أخذ الخبز وحوّله إلى جسده، والخمر وحوّلها إلى دمه. فكما الخبز المادّي يقيت الإنسان لكي يعيش، هكذا الربّ جعل خبز جسده غذاء روحيًّا للنفوس وعربونًا للملكوت الأبديّ. وكما تفرّح الخمرة قلب الإنسان كذلك يفرح مَن يغتسل من خطاياه بدمّ المسيح. أمّا الماء الذي سال مع الدّم من صدره المطعون بالحربة (يو19: 34)، فتمزجه الكنيسة بالخمر في كأس القدّاس، لإعلان الحياة الجديدة المكتملة في سرّ الفداء، وكعلامة الاتّحاد به.

 

البطريرك – الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي

 

المركز الدائم للتنشئة المسيحية macro-max rebound mazar
CMS x