الرّوح القدس في اللّيتورجيّا المارونيّة

 

 

 

الرّوح القدس في اللّيتورجيّا المارونيّة

 

مقدّمة

الرّوح القدس هو الربّ المُحيي والقدّوس والمكمِّل - في الجماعة اللّيتورجيّة المحتفلة - الخلاص الذي هو جوهر كلِّ إحتفال ليتورجيّ.

 

كلّ اللّيتورجيّات المسيحيَّة ومنها المارونيّة، تمتاز بذكر دور الرّوح ولا سيَّما في إطار الإحتفال اللّيتورجيّ الذي بطبيعته الأساسيَّة هو ثالوثيّ؛ فتدبير الرّوح هو الزّمن الثالث في هيكليَّة التدبير الإلهيّ حيث الزّمن الأوَّل هو تدبير الآب والزّمن الثاني تدبير الابن والزّمن الثالث تدبير الرّوح الذي يجعل من الإحتفال اللّيتورجيّ حدثًا آنيًّا وحاضرًا وفاعلاً ومثمرًا في حياة الكنيسة المصلِّية.

 

في هذا المقال، لا نستطيع أن نتوقَّف على كلِّ المواضيع اللّيتورجيَّة في الطّقس المارونيّ بل نُحدِّد موضوعَين وهما الإحتفال بالقدّاس والإحتفال بالمعموديَّة.

 

 

1- الرّوح القدس في القدّاس

 

أ- الإطار الثالوثيّ لصلاة الإفخارستيَّا

قبل أن نتوقَّف على "صلاة إستدعاء الرّوح القدس" في القدّاس، لا بُدَّ من أن نرسم إطار هذه الصّلاة في سياق صلاة الإفخارستيّا والتي ترتكز على الثالوث الأقدس في إطار الإحتفال بسرّ الفصح المجيد، سرّ موت الربّ وقيامته الذي تعيشه الكنيسة في القدّاس.

صلاة الإفخارستيّا في النّافور الماروني تبدأ بما يُسمَّى "الحوار الإفخارستيّ" أي "محبَّة الله الآب ونعمة الابن الوحيد وشركة وحلول الرّوح القدس ...". وتنتهي هذه الصّلاة بالمجدلة الختاميَّة أي "فيتمجَّد بنا وبكلِّ شيءٍ إسمُكَ المُبارَك..." والتي بدورها تتبع إستدعاء الرّوح والطلبات.

إنَّ هيكليَّة هذه الصّلاة هي ثالوثيَّة. فالكنيسة التي تحتفل بالإفخارستيّا = الشّكر، ترفع إلى الله الآب "صلاة شكر"، وهذا ما فعلته عبر التاريخ متمِّمة وصيَّة الابن: "إصنعوا هذا لذكري". الإحتفال الإفخارستيّ هو ذبيحة روحيَّة، ذبيحة شكر من خلالها تشترك الكنيسة إشتراكًا فعليًّا بموت الربّ وقيامته من بين الأموات. هذا الحدث الخلاصيّ الذي تحقّق "مرَّة واحدة ودائمة" في الزمن، يتواصل في إحتفالات الكنيسة وبخاصّة في صلاتها الإفخارستيّة.

 

 

لماذا تشكر الكنيسة في صلاة الشّكر هذه؟

إنّا نشكر الآب أوَّلاً لأنّه خالق وثانيًا لأنّه مخلِّص وقد حقّق هذا الخلاص بابنه الوحيد الذي أرسله في ملء الزمن متجسِّدًا بالرّوح القدس من العذراء مريم؛ أتى وعاش مع الإنسان ودبَّر كلَّ شيءٍ لخلاص الإنسان.

فبعد أن نكون قد ذكرنا عمل الآب نصل إلى عمل الابن في ذروته أي العشاء الفصحيّ حيث تعيش الكنيسة من جديد مع ربّها وسيِّدها الفصح، ملتئمة حول المائدة المقدّسة ومُعلنة موته وقيامته من بين الأموات، وصعوده إلى السّماء. والكنيسة تواصل الإحتفال بالشّكر هذا في مسيرتها على الأرض متوجّهة نحو الملكوت، حتّى نهاية الأزمنة حينما يأتي المسيح ليكون الديّان العادل والمحبّ.

ونصل في صلاة الإفخارستيّا إلى عمل الرّوح ودوره الفاعل في الإحتفال وفي الجماعة التي تشترك بالإفخارستيّا. وهنا تطلب الكنيسة من الآب أن يُرسل الرّوح القدس والمُحيي على الجماعة وعلى القرابين. وهذا الرّوح يكمِّل في حياة الجماعة، أي الكنيسة، الخلاصَ الذي هو موضوع الإحتفال؛ الرّوح يُحقّق في الجماعة من خلال الثّمار الرّوحيَّة نعم القيامة.

 

 

ب- صلاة إستدعاء الرّوح في النوافير المارونيَّة

قبل أن ندخل في تفاصيل صلوات إستدعاء الرّوح في النوافير المارونيّة، لا بدَّ لنا من أن نرسم الهيكليَّة الأساسيَّة الثّابتة لهذه الصلاة والتي تعكس إستدعاء الرّوح في النّمط الإنطاكي المعروف بنوع خاصّ في الطّقوس التالية: المارونيّ، السّريانيّ، البيزنطيّ.

يطلب الكاهن من الله:

1- أن يرسل الرّوح القدس علينا (= على الجماعة) وعلى القرابين المقدّمة.

2- وليجعل هذا الخبز وهذا الخمر جسد المسيح ودمّه بقوَّة الرّوح.

3- وليُحقّق الخلاص لأولئك الذين يشتركون بهما من خلال المناولة.

 

لنقم بجولة على النوافير المارونيّة ولنكتشف الميزات والخصائص اللاهوتيَّة لكلِّ إستدعاء للرّوح، ضمن هذه الهيكليَّة الثابتة والمشتركة في كلِّ النوافير.

 

أنطلق من نافور الإثنيّ عشر، وهو من أقدم وأعرق الصّلوات الإفخارستيّة في كنيسة أنطاكيّة، لا بل هو النّافور النموذجيّ في إختبار هذه الكنيسة للقدّاس. يعود تاريخ هذه الصّلاة إلى مطلع القرن الرّابع.

 

أوَّلاً: النصّ

الشمّاس: ما أرهبها ساعةً أحبّائي، ينحدر فيها الرّوح الحيّ القدّوس من ذرى الأعالي السّماويّة، ويحلّ على هذا القربان الموضوع هنا لتقديسنا، فلنقف مصلّين خاشعين ولنهتف ثلاثًا قائلين:

(ينحني المحتفل ويرفرف براحتيه ثلاثًا فوق الأسرار قائلاً): إرحمنا يا ربّ، إرحمنا، وأرسل إلينا من سمائك روحك المُحيي، وليرفّ على هذا القربان ويجعله جسدًا محييًا، ويسامحنا ويقدّسنا.

المحتفل: إستجبنا يا ربّ، إستجبنا يا ربّ، إستجبنا يا ربّ، وليأتِ روحك الحيّ القدّوس ويحلّ علينا وعلى هذا القربان. (يقبّل المذبح). الشّعب: كيرياليسون، كيرياليسون، كيرياليسون.

المحتفل: (ينهض ويرسم إشارة الصّليب على الأسرار، قائلاً): فيجعل بحلوله هذا الخبز + جسد المسيح إلهنا. آمين. والممزوج بهذه الكأس دم المسيح إلهنا. آمين.

لكي تكون لنا هذه الأسرار لمغفرة الخطايا وشفاء النّفس والجسد وتوطيد الضّمير، فلا يهلك أحدٌ من شعبك المؤمن، بل أهّلنا أن نحيا بروحك، ونسير بالنّقاوة، ونرفع إليك المجد الآن وإلى الأبد. آمين.

 

 

ثانيًا، الخصائص اللاهوتيَّة

تطلب الكنيسة من الآب أن يرسل من السّماء روحه المُحيي عليها؛ وليرُفَّ على القربان ويجعله جسدًا مُحييًا ويسامح هذه الجماعة الإفخارستيَّة ويقدّسها.

إذًا، من خلال الفعل "ليأتِ"، تطلب الكنيسة من الآب أن يرسل الرّوح، فيحلَّ على الجماعة أوَّلاً، ثمَّ على القرابين. نحن أمام نوعان من الإستدعاء.

الأوَّل على الجماعة: حتّى تنال الرّوح فيكمِّل فيها هذا الخلاص ويجعله خلاصًا معيوشًا في حاضرها؛ الرّوح يحوّل الجماعة ويجعلها أعضاء أكثر حياة وأكثر إتّحادًا بجسد المسيح الذي هو الكنيسة.

والإستدعاء الثاني هو على القرابين. وعندما نقول على القرابين، هذا لا يعني أنّها لم تكن مقدّسة بل يعني ذلك حتّى يكتمل فيها يتمِّم فعل التقدّيس الذي إستند إلى ذكر العشاء الفحصيّ أي ذكر موت الربّ وقيامته، من خلال كلامه الذي ما زالت الكنيسة تقوله وفيه يعطي المسيح ذاته للعالم، خبز حياة وخمر بركة؛ إنّه يقدِّم جسده ودمه على المذابح من أجل حياة العالم.

فالرّوح الذي تستدعيه الكنيسة في صلاتها الإفخارستيّة هو الذي يتمِّم في الجماعة والعالم مشروعَ التقديس؛ إنّه يُكمِّل ذبيحة الشّكر التي ترفعها الكنيسة إذ يُطهِّر قرابين الكنيسة جسد ودمّ الربّ يسوع المسيح.

بعد إستدعاء الرّوح على الجماعة والقرابين. وبعد الصّلاة على الخبز والخمر، نرى أنَّ الصّلاة تطال الجماعة المصليَّة كي تنال ثمار المشاركة في الأسرار المقدّسة. فتكون هذه الأسرار "لمغفرة الخطايا وشفاء النّفس والجسد وتوطيد الضّمير..." فتحيا هذه الجماعة بالرّوح وتسير بالنّقاوة وتواصل التّسبيح والتّمجيد.

إذًا نرى في هذا المقطع من الإستدعاء البُعد الرّوحيّ والحياتيّ التي تُجسِّدَه الجماعة المصليَّة كنتيجة لهذه العنصرة التي تعيشها في القدّاس.

 

وما نراه بعد صلاة الإستدعاء هو الطّلبات. وبصورة مختصرة الطلبات هي صلاة الكنيسة من أجل أحيائها والرّاقدين فيها من مختلف الفئات؛ وما وجود الطلبات بعد إستدعاء الرّوح إلاّ لإظهار عمل الرّوح في الكنيسة التي تصنع الإفخارستيّا والتي تُذكر في الإحتفال القربانيّ؛ الطلبات هنا هي إمتداد لإستدعاء الرّوح، هذا الرّوح الذي يأتي ويحلّ ويحوِّل كنيسة المسيح كي تكون بوحدة وبشركة وسلام دائم للآب على عطيّته التي لا توصف.

 

في هذا الإطار اللاهوتيّ لصلاة الإستدعاء، نرى أنّ نافور مار بطرس يركّز على البُعد الأدبيّ والرّوحي من خلال ذكر "الرّوح الذي يعضد ويسامح" الكنيسة. والمؤمنون الذي يشتركون بالأسرار المقدّسة يتنقّون نفسًا وجسدًا ويمنحون الحياة الأبديّة. نرى هنا بُعدًا جديدًا وهو البعد الإسكاتولوجي (النهيويّ) للإستدعاء.

 

وإذا توقّفنا على نافور مار يعقوب، نلاحظ تطوّرًا وشرحًا للاهوت الرّوح القدس، من خلال صلاة الإستدعاء. تتوجَّه الصّلاة إلى "الآب الضابط الكلّ"؛ تطلب منه الكنيسة أن يرسل روحه القدّوس و"الرّبّ المُحيي والمساوي له وللإبن في الجوهر"؛ وهنا نجد صدى للجدل اللّاهوتيّ حول ألوهيَّة الرّوح القدس؛ وما نجده في النصّ هو براهين لاهوتيّة وإعترافات عقائديّة بالرّوح الذي هو إله ويساوي في الألوهة الآب الابن.

 

وبعد ذلك يتابع النصّ بذكر تدبير الرّوح من خلال مراحل التاريخ الخلاصيّة، فنقرأ: "الذي (الرّوح) تكلّم في التوراة والأنبياء وفي العهد الجديد، ونزل في شبه حمامة على ربّنا يسوع المسيح في نهر الأردنّ، وعلى الرّسل القدّيسين في شبه ألسنة من نار". إذًا، هذا النّافور الذي يتميَّز بتطوّره اللاهوتيّ الرّائع عبر مراحل التدبير الخلاصيّ بمجملها، يذكر تدبير الرّوح في العهدين متوقّفًا على حدث الأردنّ وحدث العنصرة. واللّقاء الإفخارستيّ الذي تصنعه الكنيسة هو إمتداد لحدث الأردنّ وحدث العنصرة اللذين يرتكزان في نهاية الأمر على حدث يسوع المسيح الفصحيّ: موته وقيامته من بين الأموات. وثمار الرّوح التي نراها في نصّ مار يعقوب تطال من جهّة الجماعة المشاركة ومن جهّة أُخرى الكنيسة حتّى "تثبت على صخرة الإيمان" وهي في مسيرتها إلى الملكوت.

 

ونافور مار يوحنّا الرّسول وفي المناخ الإستدعائي عينه لكلّ النوافير، يتميَّز في ذكر "الأكاليل". الرّوح هو الذي يُكلّل الرّسل والقدّيسين والشّهداء، هؤلاء الذين أصبحوا قربانًا مع قربان الكنيسة. وهنا نرى اللّحمة اللاهوتيّة بين القربان الأسراريّ والقربان الكنسيّ اللذين في كلتا الحالتين قربان واحد يُرفع مع الابن إلى الآب ويكلّل بالرّوح القدس.

 

من جهّة نافور مار مرقس البشير، وبالخطّ الإستدعائي عينه لنافور مار يعقوب، يركّز على تدبير الرّوح ويدخله في تاريخ الخلاص. هذا الرّوح "يكمّل" الخلاص في الجماعة المحتفلة.

يقول النصّ: "فليكمّلنا، نحن أيضًا بفيض نعمتك، فنصبح آنيةً مختارة تليق بخدمة وقارك".

الفعل "كمّل" مرتبط بدور الرّوح القدس في الإفخارستيّا وأيضًا في تاريخ الخلاص.

 

الجماعة التي تنال الرّوح في القدّاس هي إمتداد لجماعة العنصرة وثمار هذه النعمة هي الخدمة التي تؤدّيها الكنيسة في العالم ومن خلالها توصل إرادة الآب إلى البشر.

وثمار المشاركة في الأسرار المقدّسة تطال الجماعة في حياتها على الأرض وأيضًا في "قيامها بدالّة أمام منبر الديّان" في نهاية الأزمنة. وهذه الثمار يكون لها مفعول في حياة الكنيسة ورسالتها.

 

أمّا النافور مار كسيسطوس فنراه يركّز على إنبثاق الرّوح من الآب الأزليّ، والمساوي للابن في الجوهر.

وهنا تشديد على البعد اللاهوتيّ للإستدعاء، وثمار المشاركة في الأسرار تجعل أبناء الكنيسة ينعمون مع الربّ ويرفعون إليه المجد إلى الأبد.

 

نستنتج من خلال عرض النوافير المارونيّة أنّ الرّوح القدس يأتي ويحلّ على الجماعة وعلى القرابين من أجل أن يقدّس الجماعة ويحوّلها ويجعلها شركة محبَّة ونعم من أجل أن يحفظها في مسيرتها نحو الملكوت.

إذًا نعرف إستدعاء الرّوح ببُعديه: الإكليزيولوجي (الكنسي) والإسكاتولوجي (النهيويّ). هذا الإستدعاء يرتكز على صلاة الإفخارستيّا أي شكر الكنيسة المرفوع إلى الآب من أجل الخلاص الذي يُحقّقه الربّ ويكمّله عندما يأتي ثانية بالمجد.

هذا الإستدعاء يحوّل الجماعة فتصبح أكثر فأكثر جماعة قربانيَّة، إفخارستيّة لا داخل الإحتفال وحسب بل أيضًا في الحياة اليوميَّة.

 

 

2- الرّوح القدس في رتبة المعموديّة

الرّوح القدس يحتلّ في رتبة المعموديّة المارونيّة مكانة هامّة فنرى في كلّ أقسام الرّتبة ذكرًا للرّوح ودوره. لسنا هنا في صدد معالجة كلّ الرتبة بل سنتوقّف على ما يلي:

أ- الحسّاية (صلاة الغفران)

أوّلاً: النصّ

"... أيّها الإله الذي صار إنسانًا بمحبّته، وإتّلد في الجسد، بدون زواج، إتّلادًا لا يُدرك، من البتول القدّيسة لكي يُقرّب البشر من التّبنّي لوالده، فيجعلهم أبناء لأبيه بالماء والرّوح؛ يا مصوّر الأجنّة في الأحشاء، الذي صار جنينًا بإرادته ليُجدّد صورة آدم التي شاخت وبليت بفساد الخطيئة تجديدًا بنار الكور السّليم الرّوحاني الذي هو المعموديّة؛ أيّها الغير المحتاج الذي أتى وتعمِّد ليقدّس مياه الأردنّ بحنانه، يا ابن العظمة الذي حنى رأسه أمام يوحنّا المعمدان، والآب يصرخ من العلاء كالرّعد: هذا هو ابني الحبيب الذي به إرتضيت، والرّوح القدس قد نزل وحلَّ على رأسه بشبه جسد حمامة، والقوّات الرّوحانيّة قائمة بالخوف والرّعدة...".

 

ثانيًا: الخصائص اللاهوتيّة

نلاحظ من خلال هذا النصّ اللاهوتيّ الذي يرتكز على حدث الابن وبخاصّة حدث الأردنّ، أنّ عمل الابن يسوع المسيح هو أن يقرّب البشر إلى الآب فيصبحوا أبناء معه هو ابن الآب السّماوي. تحقّق مشروع التبنّي هذا بالماء والرّوح، أي من خلال المعموديّة التي هي "الكور الرّوحاني" والتي من خلالها تتجدّد صورة آدم في كلّ معمّد، هذه الصورة التي جدّدها آدم الثاني يسوع المسيح بمعموديّة الصّليب حيث جرى من جنبه دمّ وماء.

 

الرّوح يحقّق التبنّي في الذين يُقبلون إلى المعموديّة. وهكذا مثلما نزل وحلّ على رأس الابن بشبه جسد حمامة، هكذا ينزل الرّوح ويحلّ على الإنسان. وهذا الأخير يصير إبنًا مع الابن يسوع ومثله؛ إبنًا ممسوحًا بالرّوح القدس، إبنًا يُعلن عنه بصوت الآب كما في الأردنّ. ففي المعموديّة يلبس المُعمّد حلّة ووسم الرّوح القدس المُحيي ويصبح إبنًا مبرّرًا.

 

 

ب- صلاة إستدعاء الرّوح

أوّلاً: النصّ

"... أُطرد يا ربّ، قوَّة العدو المارق من هذا الماء، وممّن يعتمد به، ومن هنا المكان، وأحلّ فيه قوّة الرّوح القدس. وعوض أحشاء أُمَّنا حوّاء التي ولدت بنين قابلين الموت والفساد، لتلد أحشاء هذه المعموديّة بنين سماويّين غير قابلين للفساد، وكما أرفّ الرّوح في تكوين البريّة على المياه فولدت الحيوانات والزحافات من كلّ جنس، فليُرفّ الرّوح القدس على هذه المعموديّة التي هي أحشاء روحانيّة، وليحلّ فيها وليقدّسها فتلد عوض آدم التّرابي آدمًا سماويًّا، وليتغيَّر من يعتمد بها تغييرًا ثابتًا، وليتحوّل من الجسد إلى الرّوح، وممّا يرى إلى ما لا يُرى، وبدل نفسه الضعيفة فليحلّ فيه الرّوح. (ويركع) إستجبني يا ربّ، إستجبني يا ربّ، إستجبني يا ربّ، في هذا الوقت. (وينهض) وليأت يا ربّ، الرّوح القدس وليحلّ في هذا الماء، وليطرد منه كلّ قوّة العدو وليملأه قوّة لا تقهر، وليباركه + ويقدّسه + ويجعله + مثل الماء الذي جرى من جنب الابن الوحيد على الصّليب، فيتنقّى ويتطهّر من إعتمد به ويلبس لباس البرّ، ويتوشّح وشاحًا سماويًّا، ويتمنطق بدرع الإيمان في وجه سهام الشرّير".

 

تُستهلّ هذه الصّلاة بدعاء لطرد الشرّير من عنصر الماء الموضوع هنا للتقديس أي حلول الرّوح القدس عليه. يتمّ بفعل الرّوح التحوّل الذي يُحقّقه الرّوح في جرن المعموديّة. وفي إطار "الولادة الجديدة"، تشبّه المعموديّة بالحوَّاء الجديدة التي "عوَض أحشاء حوّاء الأولى" التي ولدت بنين قابلين الموت. تلد أحشاءُ حوّاء الثانية بنين سماويّين أي أبناء الله.

 

وهنا يأتي النصّ على ذكر تدبير الرّوح في تكوين الخليقة الأولى وأيضًا في المعموديّة بكونها مجسَّدة للخليقة الجديدة؛ وهكذا تلد المعموديّة آدمًا سماويًّا عوض آدم التّرابي؛ وهكذا يتمّ التّغيير والتحوّل من الجسديّ إلى الرّوحيّ ومن المنظور إلى اللّامنظور ومن العبد إلى ابن الله بفضل هذه الولادة الجديدة التي تتحقّق بفعل الرّوح القدس.

 

وتتابع صلاة إستدعاء الرّوح، فيطلب الكاهن من الله أن يرسل الرّوح وليباركه ويقدّسه "ويجعله مثل الماء الذي جرى من جنب الابن الوحيد على الصّليب فيتنقّى من اعتمد به ويلبس البرّ ويتوشّح وشاحًا سماويًّا ويتمنطق بدرع الإيمان في وجه سهام الشّرير".

 

نرى في هذا الإستدعاء صدى لحقيقة الكنيسة التي ولدت من سرّ الفداء وكيف أنّ الرّوح يتابع من خلال المعموديّة ولادة الكنيسة من خلال المعمّدين بالماء والرّوح. أبناء الكنيسة الذين تعمّدوا يتوشّحون الوشاح السّماوي أي أصبحوا من أبناء الملكوت.

 

 

خاتمة

في نهاية هذا المقال نوجز ما يلي:

1- في القدّاس يتمّ إستدعاء الرّوح على الجماعة وعلى القرابين وذلك ببُعدَين أساسيين وهما البُعد الإكليزيولوجي أي حياة الجماعة التي تعيش ثمار المشاركة بالأسرار وهي المصالحة والمحبَّة؛ والبعد الإسكاتولوجي وهو الحياة الأبديّة التي زرعت في الجماعة الإفخارستيّة بحيث إنّ إحتفالها هو إحتفال الحياة.

 

2- الرّوح القدس يأتي ويحلّ ويحوّل الجماعة الإفخارستيّة إلى أعضاء أكثر إتّحادًا بجسد المسيح.

 

3- الطلبات التي فيها نذكر الكنيسة هي إمتداد لإستدعاء الرّوح الذي يحوّل أكثر فأكثر هذه الكنيسة المصليّة والمشاركة بسرّ الخلاص.

 

4- الرّوح في المعموديّة هو الذي يُحقّق مشروع التبنّي مع الابن يسوع المسيح الذي أعلن الآب عنه في الأردنّ أنّه الابن الحبيب.

 

5- الرّوح يحقّق في المعمّدين الولادة الجديدة من خلال أحشاء المعموديّة التي تلد بنين للملكوت.

 

6- الرّوح في إحتفال الماء وإحتفال الخبز يتواصل في حياة الكنيسة ورسالتها في العالم؛ يجدّدها ويجعلها العروس النقيَّة وهي تسير نحو يوبيلها بالرّوح الآب مع عريسها يسوع المسيح.

 

 

الخوري يوسف سويف

 

 

 

    

 

     

  

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية