الرّوح القدس والشّهداء في أناشيد البيت غازو الماروني

 

 

 

 

 

الرّوح القدس والشّهداء في أناشيد البيت غازو الماروني

 

 

الحبّ هو إحدى العلامات الفارقة المهمّة التي تُميِّز الشّهيد المسيحي عن باقي الشّهداء، حبُّ الله وحبّ الإنسان حتّى لو كان هذا الإنسان مضطهدًا وجلاّدًا، حبّ يبذل نفسه على مثال المسيح.

 

هذا الحبّ هو إشتراك في الطبيعة الإلهيّة من خلال عطيّة الرّوح القدس. لذا فللرّوح القدس دور أساسيّ في حياة الشّهداء ورسالتهم. إبراز بعض من ملامح هذا الدّور ممكن أن يساعدنا جميعًا كمؤمنين مدعوّين للشّهادة للمسيح، على تعميق علاقتنا بالرّوح القدس ليصبح من خلاله إتّحادنا أكبر بالثالوث الأقدس وتصبح شهادتنا أكثر فعاليّة حتّى ولو لم ندعَ إلى المضي بها حتّى بذل الدمّ كمَن سبقنا من الشّهداء القدّيسين. فالرّوح هو الذي يخصب حياتنا وشهادتنا بالثّمار التي تدوم.

 

سأحاول في هذا البحث الصّغير إبراز دور الرّوح القدس في حياة الشّهداء من خلال أناشيد البيت غازو الماروني. في البداية سأتوقّف على رمزين من رموز الرّوح في التقليد السّرياني، من ثمّ اُبيِّن حضور الرّوح في الشّهداء وعمله في حياتهم وصولاً إلى ساعة شهادة الدمّ وتكليلهم بالمجد.

 

1- بعض رموز الرّوح القدس

أ- الرّوح أمّ معزية

الرّوح في اللّغة السّريانيّة، كما في اللّغة العبريّة، هو كلمة مؤنّثة. لكن بدءًا من القرن الخامس وبتأثير الحضارة اليونانيّة من جهّة وكردّة فعل على بعض البدع من جهّة أخرى، أخذ الكتّاب المسيحيّون السّريان يستعملون الرّوح كمذكّر عندما يتعلّق الأمر بالرّوح القدس.

 

من الواضح أنَّ هذه الخصوصيَّة السّريانيَّة لم تبق محصورة باللّغة بل  طالت لتشمل اللاّهوت والرّوحانيَّة أيضًا. فالرّوح القدس، بكونه مؤنثًا، أخذ صفة الأمومة في قلب الثالوث الأقدس.

في أناشيد البيت الغازو المارونيَّة نجد إستعمال الرّوح القدس في صيغتيه المؤنّث والمذكَّر دون أن نجد تعليلاً واضحًا وراء كلّ تغيير من صيغة إلى أخرى. ما يهمُّنا من النّاحية الرّوحيَّة هو صفة الأمومة التي ترافق غالبًا صيغة المؤنّث.

 فالرّوح القدس كالأمّ القويّة ترافق بنيها إلى جهاد الدمّ والإستشهاد، وتشجّعهم بحضورها وكلامها ليمضوا قدمًا ودون خوف في الشّهادة للمسيح حتّى نيل إكليل الظّفر:

 إنحدرَ الشّهداء إلى الجهاد

وانحدرَ معهم الرّوح القدس

ومثل أمّ لبنيها،

تشجّعهم وتقول:

ها هو الوقت لكي يُخزى فيه

الشّرير عدوّكم

وهذا هو الوقت لكي تنالوا فيه

أكاليل الظّفر

الآب يفرح بكم

والابن يرسم أسماءكم

وأنا التي إنحدرت من العلى

ألبسكم حلّة المجد

ومع العروس المسيح

للخدر تؤهَّلون

ومن مثل الأُمّ يرافق ويعزّي في أوقات الألم. من هنا، تشبيه الرّوح بالأمّ يبرز لنا بأكثر صورة تعبيرًا دوره كمعزّي ومشجّع ومؤيِّد.

 

ب- الرّوح شراب إفخارستي

 

ربط الرّوح القدس بالخمر له جذوره الكتابيّة، فالقدّيس بولس يطلب من أهل أفسس أن لا يسكروا بالخمر بل أن يمتلئوا من الرّوح، والنّاس ظنّوا الرّسل سكارى في صباح يوم العنصرة. أناشيد البيت غازو طوّرت هذا الرّمز وربطته برمز الكرمة وبالخمر الإفخارستي. فالمسيح هو عنقود الكرمة الذي عُصر على الجلجلة فأروى من خمرة الرّوح أحبّاءَه وذلك يتمّ بشكل خاصّ في الإحتفال الإفخارستي:

عنقود الحياة

ذلك الذي بالرّمح

عصره اليهود

فأروى الشّهداء

فنسوا آلام

ضيقاتهم.

شربوا وأكثروا

من السّلافة

الرّسوليّة

حتّى أنّهم لم

يشعروا بالنّار

ولا تذمّروا منها

في كلّ سرٍّ نحتفل به، وبالأخصّ في سرّ الإفخارستيّا، نعيش عنصرة جديدة وننال الرّوح القدس، عطيّة الخلاص الكبرى، الذي يملأنا قوَّة وجرأة للشّهادة للمسيح حتّى في قلب الصّعاب والإضطهاد.

 

 

2- الشّهداء هياكل الرّوح القدس

ليست شهادة الدمّ وليدة لحظة إضطهاد يستبسل فيها المؤمن ويعلن إيمانه بالمسيح غير عابئ بالعذاب وتهديد الموت، إنّها ثمرة مسيرة نموّ روحيّ تجعل المؤمن متّحدًا بالمسيح من خلال عطيّة الرّوح القدس الذي يملأ كيانه. فأحيانًا نرى أنّ الإستشهاد هو تتويج حياة إيمان بدأت منذ الطفولة:

مدهشة جدًّا تدابيرك

أيّها الشّريف

فأيّ فمٍ يستطيع أن يحكي

عن جميع محاسنك

لأنّك منذ طفولتك أحببت

إبن الله

وجعلت جسدك هيكلاً

ومسكنًا للرّوح القدس

أساس هذه المسيرة هي دعوة خاصّة من الله لبذل الذّات على مثال المسيح الشّهيد الأوَّل.

 ككلّ الدّعوات في قلب الكنيسة، دعوة الإستشهاد تفترض الإختيار المسبق ومسحة الرّوح القدس من قبل الله، والجواب الحرّ والتعاون مع النّعمة والنموّ فيها من قبل الإنسان:

ما أبهى يوم تذكارك

أيّها الشّريف مار فلان

وما أشرف يوم محفلك

في البيع كافّة

في العلى فوق

يفرح الملائكة

ويصفّقون بالأكفّ

ويرتّلون التّسبحة

لذلك الذي اختارك من داخل الحشا

والرّوح القدس ملأك

وفي يوم عيدك تفرح

البرايا كلّها

الأناشيد لا تتكلّم فقط عن تعاون مع النّعمة بل ترى في الشّهداء خدّام للرّوح السّاكن فيهم:

طوبى لكَ يا أبانا، يا مَن صرت هيكلاً

للرّوح القدس

وبك إستراحت، أيّها الشّريف

لأنّك أنت خدمتها.

 

 

3- عمل الرّوح في الشّهداء

إذا كانت الشّهادة للمسيح وعمله الخلاصي هي من مهام الرّوح الأساسيّة بعد القيامة "ومتى جاء المؤيّد الذي أرسله إليكم من لدن الآب روح الحقّ المنبثق من الآب فهو يشهد لي" (يو 15/ 26)، فهذه الشّهادة يحقِّقها الرّوح بأبلغ وجه من خلال هؤلاء الذين يشهدون بدمائهم لحقيقة المسيح. إنَّ التعاون بين المؤمن والرّوح في الشّهادة "فهو يشهد لي وأنتم أيضًا تشهدون" (يو 15/ 26 - 27) يظهر بوضوح في حياة الشّهداء.

 

تظهر لنا أناشيد البيت غازو وعي الشّهداء لأهميّة عطيّة الرّوح القدس "خير لكم أن أذهب. فإن لم أذهب، لا يأتكم المؤيّد. أمّا إذا ذهبت فأرسله إليكم" (يو 16/ 7)، وحاجتهم القصوى له خصوصًا حين تحين ساعة تقدمة دماءهم للشّهادة. لذا فطلب الرّوح القدس الموعود به هو صلاتهم الأساسيّة:

عندما دخل الشّهداء

إلى بيت القضاء، رفعوا عيونهم

إلى السّماء، وهكذا كانوا يقولون

من أجلك نموت

هلمّ لمساعدتنا وخلّصنا

وأرسل روحك القدّوس

هللويا

وليقوّينا

لكن عمل الرّوح في حياة الشّهداء لا يقتصر على ساعة شهداء الدمّ، بل هو يبدأ بإعدادهم باكرًا ليبلغوا إلى هذه الساعة، وله الدّور الكبير في تمجيدهم بعدها. لذا فمن المُمكن أن نوزّع عمل الرّوح على ثلاث مراحل مهمّة من حياة الشّهداء:

 

أ- قبل الجهاد الأخير

 

في هذه المرحلة التحضيريّة، يعمل الرّوح القدس على إنارة قلب وعقل الشّهداء ليروا وجه يسوع الشّهيد الأوّل، فيتأمّلوا فيه مليًّا ويُجذبوا ببهائه فيقتفوا آثاره في بذل ذواتهم:

بعين الرّوح القدّوس

شاهد المختار مار فلان

المسيح معلّقًا على الخشبة

من أجل جنس البشر

فوهب عنقه للقطع

لكي يرث الملكوت معه (المسيح).

 

فالمسيح المصلوب هو قمّة تجلّي جمال الله المحبّة، جمال لا يستطيع الإنسان أن يراه بأعين الجسد بل بأنوار الرّوح القدس. فقد سبق لمار أفرام السّرياني أن شبَّه المسيح المصلوب باللؤلؤة التي تشعّ جمالها عندما تُثقب وتُعلَّق:

 

"طبيعتكِ (اللؤلؤة) تشبه الحمل الصّامت في عذوبته، فإن ثقبها إنسان وأخذها وعلَّقها في أذنه، كما على الجلجة، ترمي أيضًا أشعَّتها الباهرة على النّاظرين إليها. صُوِّر في جمالِك جمال الابن الذي ليس الآلام. المسامير عَبَرَت فيه، الإبرة عبَرَت فيكِ، وإيّاكِ ثقبوا كما يديه ولأنّه تألّم ملك كما في ألمكِ إزداد جمالك... بسبب آلامه زيَّن جماله العلوّ والعمق".

بقيت هذه الصّورة الأفراميّة وغيرها الكثير حيّة في اللّيتورجيّة السّريانيّة وخصوصًا في أناشيد البيت غازو الماروني.

الشّهداء هم من بهرهم جمال المسيح اللؤلؤة المصلوب، فأعدّوا كلّ شيء خسرانًا ليبرحوه.

مثل الحمائم من كواها،

حدّق الشّهداء

فشاهدوا المرجانة

معلّقة في أورشليم

معلّقة على الخشبة

فوق الجلجلة

ويلمع بهاؤها

على الأقطار الأربعة

شاهد الشّهداء أنّها لا تشترى

بالذّهب والفضّة

فاشتروها بدم أعناقهم

الطوبى لهم بما إشتروا

 

 

ب- أثناء الجهاد

ساعة شهادة الدمّ هي ساعة الإنتصار بالنّسبة للشّهداء، فيها يُظهر الشرَّ والحقد أقصى عنفهما، فيما يُظهر الشّهداء قوّة الحبّ المنتصر بالصّليب والقيامة على كلّ قوى الشرّ. فالمعركة بنظر الشّهداء هي روحيّة بإمتياز ولا يمكن الإعتماد فيها على الأسلحة والقوّة البشريّة بل على سلاح الرّوح القدس، روح الحبّ، روح القائم من الموت:

عندما دخل الشّهداء إلى بيت القضاء

أمام الحكّام

سلاح الرّوح كانوا لابسين

من (سلاح) الصّليب

على الإيمان كانت ثابتة ضمائرهم

لأنّهم شاهدوا العذابات والضّيقات

ولم يضطرب قلبهم

إنتصروا على الأرض

وتشرّفوا في السّماء

وها قد جُعلوا

سورًا لنفوسنا

سلاح الرّوح القدس

ليس الشّهداء في داخل النّار

وظفروا بالشيطان

ولم يتراخوا في الجهاد

عمل الرّوح الأساسيّ في الجهاد هو إذًا تقوية الشّهداء:

المجد للآب الذي صرتم هياكل للاهوته

والسّجود للابن الذي من أجله إحتملتم الآلام

الشّكر للرّوح الذي قوّاكم قدّام الملوك

 

إنّه القوّة التي وعد بها المسيح "وإنّي أرسل إليكم ما وعد به أبي. فامكثوا أنتم في المدينة إلى أن تلبسوا قوّة من العلى" (لو 24/ 49) قوّة تتجلّى بالجرأة التي يواجه بها الشّهداء الآلام:

ليس قوّة إلهيّة

الشّهداء وانحدروا إلى الجهاد

واندفعوا معكم الرّوح القدس

ورفّت على أعضائكم

وأخذت الأربح العذب (أريج) قتلكم

وقرّبته إلى ملك الملوك

وهو الذي يرفعهم إلى أورشليم العليّة ليشاركوا الملائكة في اللّيتورجيّة السّماويّة والتّسبحة الدّائمة:

بأجنحة الرّوح يرتفع الشّهداء المباركون

إلى أورشليم السّماويّة مدينة العليّ

بين الملائكة يكونون بلا خوف

وفي أجواقهم يرتّلون التّسبحة

ويصرخون للثالوث ثالوثيًّا قائلين

قدّوس. قدّوس. قدّوس أنت في تذكار محبّيكَ

والرّوح هو من يكلّل الشّهداء يوم إنتصارهم:

بخورات رضى

وقرابين نقيّة

أنتم أيّها الشّهداء

لأنَّ الآب يفرح بكم

والابن يشرّفكم

والرّوح يكلّلكم

هو المُكلِّل وهو أيضًا الإكليل:

أكاليل الشّهداء مضفورة في السّماء

ولا تشبهها الأشعّة

التي على مثال الشّمس

فهي لا تحترق ولا تلتقط وصمة

لأنّها منسوجة بنورٍ بهي

من الرّوح القدس

أمّا من ناحية رسالتهم فالرّوح القدس هو من يُظهر مجدهم لأعين البشر ليكرّموا تذكارهم:

المجد للآب الذي قوّاكم

أيّها الأنبياء والرّسل والشّهداء

والسّجود للابن الذي شرّفكم

وجعلكم سورًا للبيعة

الشّكر للرّوح القدس

الذي عظّمكم في الأقطار الأربعة

كما أنّه يبقى حاضرًا في رفاتهم التي تصبح بفضله ينبوع نِعَم "واليوم ها هي تجري المساعدات من رفاتهم لبني البشر":

ما أطيب أريج رفاتكم

الطوبى للمكان الذي حللتم فيه

لأنّه فيكم يحلّ الرّوح القدس

فيُزيَّح فوق رفاتكم

لتكن صلاتكم

سورًا للبيعة ولأولادها

 

إذا كان الإستشهاد دعوة خاصّة لبعض المعمّدين في ظروف تاريخيّة خاصّة، فالشّهادة للمسيح هي دعوتنا جميعًا.

 

 لكنّ الشّهادة في الظّروف التاريخيّة الأكثر سلامًا لا تخلو من الإستشهاد، لا تخلو من عنف.

 

 إنّه الحبّ الإلهيّ الذي يدفعنا لخلع الأنانيّة وسكب ذواتنا في حياة رسالة وبذل ذات. هذا العنف العذب ما هو إلاّ نار للرّوح القدس الذي يلهبنا من الدّاخل ويسكرنا بحبّ الله وحبّ أبنائه وحبّ خليقته كلّها. فالشّهداء هم قدوة لنا في العيش بالرّوح للبلوغ إلى ملء قامة المسيح.

 

  الخوري جورج أبي سعد

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية