السنة الطقسيّة مسيرة الكنيسة نحو الملكوت

 

 

السنة الطقسيّة مسيرة الكنيسة نحو الملكوت

 

في الأحد الأوَّل من تشرين الثاني من كلّ عام تبدأ الكنيسة المارونيّة سنةً طقسيّة جديدة تعيش خلالها الأزمنة اللّيتورجيّة المقدّسة التي تتعاقب على مدار السّنة. اللّيتورجيّة لها إذًا إيقاعها الخاصّ بها وهو يتكرَّر من سنةٍ إلى أُخرى، ولكنّها تتميَّز بكونها تجعلنا نغوص على الفور في زمن الله، إذ إنَّ السنة الطقسيّة التي نحتفل بها هي الزّمن الذي إفتُتِح بحدث قيامة الربّ يسوع.

 

 

يوم الأحد

قيامة الربّ من بين الأموات هي حدث تمَّ في الزّمن. تقول الأناجيل أنَّ ظهورات المسيح القائم حدثتِ في "اليوم الأوَّل من الأسبوع"، والذي أصبح لاحقًا اليوم الذي يجتمع فيه المسيحيُّون للإحتفال بالإفخارستيّا، ذكرى موت الربّ وقيامته.

 

 ولكنّ مفهوم الزّمن قد تجدَّد مع القيامة، إذ إنَّ الزّمن كما يراه المؤمنون لم يعُد مُجرَّد تعاقب الفصول والدّورات القمريّة، ولكنّه أصبح التاريخ البشريّ وقد دخل فيه الله.

 

إنَّ مركز هذا التاريخ المُفتدى هو الفصح، لأنّنا من أحدٍ إلى أحدٍ نذكر موت المسيح وقيامته، لنغوص تدريجيًّا في سرِّ عمل الله في العالم، هذا السرّ الذي يبقى متجدِّدًا. إنْ تعاقبَ الآحاد يُعطي مسيرتنا إيقاعًا ويُذكِّرنا أن تدخَّل الله لا يزال فاعلاً في حاضرنا اليوم: المسيح هو الآن الخلاص لكلِّ الذين يسمعون كلمته. إنَّ التّذكار الإفخارستيّ الذي تحتفل به الكنيسة يوم الأحد يجعل زمننا البشريّ متجذّرًا في زمن الله.

 

الفصح وعودة المسيح

بالرّغم من أنَّ كلِّ أحدٍ هو يوم القيامة، لقد فرض عيد الفصح السنويّ نفسه تدريجيًّا على مرِّ العصور ليُصبح مركز الرّوزنامة اللّيتورجيّة. إنَّ سرَّ الله الحاضر في التاريخ هو سرٌّ ما برح الإنسان يتعمَّق فيه، والشاهد على ذلك تطوُّر الرّوزنامة اللّيتورجيّة وتكوينها حول أعياد المسيح من جهّة وأعياد القدّيسين من جهّة أخرى: إن كنّا نعود إلى الماضي فلكي نتذكَّر بشكل أفضل المواعيد التي حقَّقها الله في التاريخ.

 

إنَّ قيامة الربّ يسوع، مع الجديد الذي تحمله، توجِّه أجيالاً من الرّجال والنّساء نحو المُستقبل. من هنا نفهم أنَّ الزّمن اللّيتورجيّ ليس زمنًا دوريًّا مقفولاً على ذاته، ولكنّه زمنٌ منفتح على ملكوت الله الآتي. لذلك فالسّنة الطقسيّة تنتهي ببُعد إسخاتولوجيّ قويّ يتمثَّل في عيد المسيح الملك وعيد جميع القدّيسين.

 

الزّمن الطقسيّ طريقنا إلى الملكوت

 

إنَّ الزّمن الذي نعيشه في اللّيتورجيّا له قيمة إسخاتولوجيّة ونُهيويّة لأنَّ الحياة الحاضرة، عندما تُعاش "مشدودة" نحو الله، تستطيع أن تتخطّى الوقت الحاضر لتستبق الأبديّة، وذلك ليس بالإتّكال على جهد روح الإنسان وحده، بل عندما نستقبل بالإيمان يسوع المسيح، الوسيط الوحيد بين الله والإنسان.

 

 

إنَّ تجسُّدَ المسيح غير المفهوم الذي كنّا قد كوّناه عن الزّمن. فالمسيح الذي هو كلمة الله الأزليّ هو أيضًا الكلمة الذي صار بشرًا والذي أخذ على ذاته الحالة الزّمنيّة حتّى الموت جاعلاً من الزّمن الطريق نحو الحياة الأبديّة. فالمسيح هو الطريق وهو في الوقت عينه الهدف، أي أنّنا لا نأتي إلى المسيح إلاّ بالمسيح الذي قال عن نفسه أنّه "الطريق والحقّ والحياة" (يو 14/ 6).

إنطلاقًا من هذه الحقيقة اللاّهوتيّة عن معنى الزّمن والطريق الذي نسلكه في المسيح ومعه نحو إكتمال الزّمن نفهم معنى السّنة الطقسيّة وأهميّة أن نعيشها في الكنيسة من سنةٍ إلى أخرى.

 

البُعد النُهيويّ للأزمنة الطقسيّة

 

إنَّ كلَّ من أزمنة السّنة الطقسيّة يُدخلنا في هذا البُعد النُهيويّ لمسيرتنا في قلب الكنيسة. إنَّ السّنة الطقسيّة تبدأ بأحدَي تقديس وتجديد البيعة للدّلالة على وجودنا في كنيسة تتقدَّس وتتجدَّد بالمسيح أي في قلب جماعة مسيحيّة مدعوَّة إلى القداسة.

 

 ثمَّ ندخل في زمن الميلاد الذي يُحضِّرُنا للإحتفال بسرّ التجسُّد، سرّ دخول إبن الله في تاريخ البشر ليُعيدَ الإنسان إلى حالة البنوَّة التي فقدها بالخطيئة. هذا الزّمن له في ذاته بُعدٌ نُهيويّ لأنّه يدعونا إلى التّفكير بأنّ إبن الله الذي جاء أرضنا فاديًا ومُخلِّصًا سوف يأتي مُجدَّدًا في المجد ليُدخل البشريّة في مجد أبيه ليكون الله كلاًّ في الكلّ.

 

بعد زمن الميلاد المجيد تحتفل الكنيسة بزمن الدِّنح أي زمن ظهور النّور الحقيقيّ للعالم. هذا الزّمن الذي يبدأ بعماد الربّ يسوع في نهر الأردنِّ وبظهوره لإسرائيل بأنّه الحمل الذي يحمل خطايا العالم، يدعونا إلى إستقبال النّور في حياتنا لنُعلِن موقف إيمان صريح منه ونشهد كما نيقوديموس والمرأة السّامريّة وقائد المائة الوثنيّ بأنّنا إذا آمنّا به واعتمدنا بموته وقيامته أصبحنا حقًّا من أبناء الملكوت.

 

 

أمّا زمن الصّوم المقدَّس فهو زمن التوبة والعودة إلى حالة الفردوس الأولى. في هذا الزّمن نرافق المسيح في حياته العلنيّة التبشيريّة لنسأل ذواتنا عن الإيمان الذي يسمح لنا بإتّباع المسيح على طريق أورشليم.

 إنَّ الدّعوة إلى ممارسة الصّوم والصّلاة والصّدقة في هذه الفضائل إعلانًا بأنّ المسيح هو الغاية السُّميا للمؤمن وأنَّ كلَّ ما في الأرض من خيرات يجب أن تقودنا إليه، لأنّه الخير الأسمى وغاية حياة الإنسان.

 

مع أحد الشّعانين ودخول المسيح الملوكيّ إلى أورشليم ندخل في زمن الآلام. في هذا الزّمن نتأمَّل في الحبّ الذي حمل المسيح على وهب حياته لنا على الصّليب. إنَّ التأمُّلَ في آلام المسيح وموته يُدخلنا في سرّ الحبّ الإلهيّ، فنرغب في أن نموت معه عن العالم لتنمو فينا المحبّة الكاملة له ولإخوتنا البشر. فعلى مثال المسيح الذي حقَّق في ذاته مثل حبّة الحنطة التي ماتت لتُعطيَ ثمارًا كثيرة نفهم أنّ حياتنا لا تأخذ معناها كاملاً إلاّ إذا فقدناها لأجل الحياة الأبديّة.

 

بعد الآلام تحتفل الكنيسة بعيد قيامة الربّ يسوع من بين الأموات. هذا الزّمن المؤلَّف من سبعة أسابيع يُعلن حقيقة القيامة كحدثٍ غيَّر وجه التاريخ ويدعو المؤمنين إلى إستقبال هذه البُشرى لحياتهم.

 

 

 إنَّ الجديد الذي يحمله إعلان "المسيح قام، حقًا قام!" هو أنَّ هذه الحياة الجديدة التي تفجَّرت من قبر المسيح يمكنها أن تغيِّر حياة من يستقبلها بالإيمان ليختبر مع المسيح العبور من كلّ أنواع الموت التي تؤلم واقعه إلى قيامة جديدة. فمن خلال الإحتفال بهذا الزّمن تُؤكِّد الكنيسة لمؤمنيها أنَّ حياتهم صارت مُعدَّة للملكوت لأنَّ المسيح القائم من بين الأموات جعل كلّ شيءٍ جديدًا.

قبل عبوره من هذا العالم وعد يسوع تلاميذه بالرّوح القدس المعزّي. إنَّ عطيّة الرّوح القدس للتلاميذ هي ثمرة قيامة الربّ من بين الأموات إذ من خلاله إختبروا أنَّ حياة القائم صارت تسري في حياتهم فبدَّلت ضعفهم إلى قوّة ويأسهم إلى رجاء وخوفهم إلى شجاعة فانطلقوا يحملون هذه البشرى إلى الأقطار كافّة.

 

إنّ زمن العنصرة هو زمن الكنيسة في مسيرتها من قيامة المسيح إلى قيامتها هي مع المسيح بقوّة الرّوح الذي يُفاض على كلّ فرد من أبنائها.

 لذلك، إنّ ما يطبع حياة المؤمن في مسيرته الإيمانيّة هو هذا التطلُّع نحو القيامة كغاية أكيدة تثبِّت خطواته نحو الملكوت. بالإضافة إلى الأزمنة الطقسيّة تضع الكنيسة نُصب عيون أبنائها مثال القدّيسين في قداسة حياتهم وعلى رأسهم القدّيسة مريم والدة الإله ليتذكَّروا في أعيادهم أنّهم بدورهم مدعوّون إلى القداسة. إنَّ عيد إنتقال العذراء إلى السّماء يُحيي فينا الرّجاء بأنّنا مدعوّون مثلها للدّخول في حياة الملكوت وهذا ما يثبِّت خطانا على كلمة الله وعيش الفضائل الإلهيّة.

 

 

خاتمة

إنَّ زمن إرتفاع الصّليب المقدَّس الذي نختم به السّنة الطقسيّة يرمز إلى المرحلة الأخيرة من مسيرتنا الإيمانيّة.

 

ترفع الكنيسة أمامنا الصّليب المُمَجَّد لنعيد من خلاله الربّ الذي إفتدى الكون ولنعيش الإنتظار بسهر العبد الحكيم الذي إذا ما عاد سيّده وجده عاملاً بكلِّ ما أوصاه به. إنَّ السّهر والإنتظار اللّذان يميِّزان هذا الزّمن يجعلان البُعد النُهيويّ حاضرًا في حياة الكنيسة التي تسير نحو الملكوت. غير أنَّ هذه المسيرة لا تتحقَّق إلاّ بالمسيح: فهو الوطن الذي نسير نحوه بكونه المسيح الإله، وهو الطريق الذي فيه نسير بكونه المسيح الإنسان، على حدِّ قول القدّيس أغوسطينوس.

 

 

المونسنيور ميشال عون

 

                 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية