الصعود والليتورجيّة الأبديّة

 

 

 

الصعود والليتورجيّة الأبديّة

 

        كان "نهر الحياة النابع من عرش الله والحمل" (رؤ 22/ 1) ينساب مكتومًا في انسياب الأزمنة، أزمنة وعد الله وطول أناته. و"لمّا بلغ ملء الزمان" (غل 4/ 4)، زمان التجسّد، دخل نهر الحياة في عالمنا واتّخذ  بشريّتنا. وعند "ساعة" الصّليب والقيامة، تفجّر هذا النهر من جسد المسيح المحيي وغير القابل للفساد، وأصبح ليتورجيّة. وبذلك بدأ زمان جديد داخل "هذا الزمان"، حيث يخوض الموت بعد هزيمته الحاسمة، معركته على كلِّ الجبهات، وحيث ينفذ فصح الربّ إلى أعماق الإنسان والتاريخ: هذه هي "الأزمنة الأخيرة".

 

        وكما أنّ "ساعة يسوع" هي، ومن دون انفصال، ساعة الصّليب والقيامة، كذلك هو "الوقت" الذي افتُتِحت فيه "الأزمنة الأخيرة" هو، وبلا انفصال أيضًا، وقت صعود الربّ وفيض روحه القدّوس. لا يجب البحث عن العلاقة التي توحّد بين هذه "الساعة" وهذا "الوقت" في تسلسلهما الزّمنيّ - لأنّ ذلك يعني البقاء في دائرة الزمان المائت - بل في تدفـّق الطاقة الإلهيّة-الإنسانيّة التي صار فيها نهر الحياة ليتورجيّة. في الواقع، مات يسوع، وقام "مرّة وإلى الأبد". وهذا الحدث يحمل الآن التاريخ كلّه ويخترقه. ولكن، منذ أن صعد يسوع بناسوته إلى عند الآب وأفاض موهبة روحه القدّوس، لا يزال يُظهر ويُحقـِّق الليتورجيّة. ليس إلّا فصح واحد، ولكن طاقته القويّة تُفيض وتنتشر في صعود وعنصرة دائمين.

 

سرّ الصعود

         من المؤسف جدًّا أن يكون معظم المؤمنين لا يُدركون صعود الربّ على حقيقته ولا يقدّرونه حقّ قدره، وذلك مرتبط ارتباطـًا وثيقـًا بعدم إدراكهم وتقديرهم لسرِّ الليتورجيّة. إنّ قراءة سطحيّة لخاتمة الأناجيل الإزائيّة وللفصل الأوّل من أعمال الرّسل يمكن أن تترك عن الصعود انطباع الرّحيل. في نظر القارئ غير المستنير، الذي لم يستولِ عليه الرّوح، يبدو الصعود مثل صفحة قلبت، يعود بعدها ليفكّر بيسوع في صيغة الماضي: ماذا قال الربّ وماذا فعل. لقد أعيدَ ختم القبر بعناية، وطـُمِرَ الينبوع في الرّمل، وعدنا "نبحث عن الحيّ بين الأموات"، ورجعنا إلى حياتنا العاديّة، الأخلاقيّة حينًا، والطقسيّة حينًا آخر، مثل صِديقيّ العهد القديم... إنّ "وقت" الصّعود هو مفرق حاسم، فهو نهاية لا مفرَّ منها، نهاية علاقة مع يسوع لا تزال خارجيّة كلّيًّا. ولكنّه، بنوع خاصّ، افتتاحٌ لعلاقةِ إيمان جديدة كلّيًّا، ولزمنٍ جديد هو ليتورجيّة الأزمنة الأخيرة.

 

        يبدو حدس الأجيال المسيحيّة الأولى، حتّى مطلع الألف الثاني، مثار إعجاب لنا ومصدر غذاء: فمسيح الصّعود هو الذي يزيّن القبّة الدّاخليّة الرئيسيّة في معظم الكنائس. وعندما يجتمع شعب الله ليُعلن ويُصبح جسد المسيح، يكون المسيح فيما بينهم. فهو الرأس، وهو يجتذب جسده ليأخذه إلى الآب ويحييه بالرّوح القدس. وهكذا تبدو أيقونوغرافيّة الكنائس خلال هذه الحقبة، في الشرق كما في الغرب، وكأنّها امتداد لسرّ الصعود على أبعاد الكنيسة كلّها. فالمسيح، سيّد الكلّ، الضابط الكلّ، هو "الحجر الذي رذله البنّاؤون" (مت 21/ 42): بارتفاعه على الصّليب، ارتفع إلى حضن الآب ليصبح معه، بناسوته المحيي، ينبوع نهر الحياة. في قبّة صدر الكنيسة: المرأة وابنها (رؤ 12). وفي رؤية واحدة: العذراء التي تلد، والكنيسة في البرية. أمّا في صدر الكنيسة، فملائكة الصعود أو بعض التعبيرات الأخرى عن ظهورات الرّوح القدس. وأخيرًا، على جدران الكنيسة، الحجارة الحيّة: جموع القدّيسين، جماعة "الشهود"، "كنيسة الأبكار" (عب 12أو 23). إنّ صعود الربّ هو حقـًّا المجال الجديد، مجال ليتورجيّة الأزمنة الأخيرة، وليست أيقونوغرافية كنيسة الحجر إلّا رمزها الشفّاف.

 

        وهكذا، فالمسيح بصعوده، بدل أن يختفي، يبدأ على العكس بالظهور والمجيء. فترانيم كنائسنا تنشد له على أنّه "شمس العدل" الطالعة من المشرق. فالذي هو بهاء الآب وصورة مجده، والذي نزل إلى أعماقِ ظلماتنا، يرتفع الآن إلى أن يملأ الكلّ من ضيائه. وبين صعوده الأوّل وصعوده الأخير الذي ينتهي عند قمّة ظهوره الثاني المجيد، تقع أزمنتنا الأخيرة. فالرّب لم يمضِ لكي يرتاح من عمله الفادي، "فعمله" (يو 5/ 17) هو، من الآن فصاعدًا، لدى الآب، وهو بذلك، أقرب إلينا ففي هذا "العمل" الذي هو، "ليتورجيّة الأزمنة الأخيرة". هو "أخذ الأسرى" أي نحن، إلى عالم قيامته الجديد، ووزّع على الناس "عطاياه" أي "روحه" (أف 4/ 7 – 10). فصعوده حركة تدريجيّة "من بداية إلى بداية...".

 

        إنّ يسوع هو، بلا شكّ، عند الآب. ولكن، إن قصرنا هذا الصعود على اللحظة التاريخيّة التي حصل فيها، نكون قد نسينا، وبكلّ بساطة، أنَّ يسوع والبشر، بعد ساعة الصّليب والقيامة كيان واحد: لقد صار ابن الله ابنًا للبشر لكي نصير أبناء الله. فالصعود عمل تدريجيّ إلى أن "نصير هذا الإنسان الكامل ونبلغ القامة التي تحقق ملء المسيح" (أف 4/ 13). فحركة الصعود لن تكتمل إلّا عندما يتمّ اجتذاب جميع أعضاء جسد المسيح إلى عند الآب، وإحياؤهم بروحه. أوليس هذا هو معنى جواب الملاكين إلى "الرّجال الجليليّين": "ما لكم قائمين تنظرون إلى السّماء؟ فيسوع هذا الذي رُفِعَ عنكم إلى السّماء سيأتي كما رأيتموه ذاهبًا إلى السَّماء" (أع 1/ 11)، فليس الصعود عرضًا مسبقـًا لما سيحدث في الظهور الأخير، إنّه الطاقة الفصحيّة للمسيح "المالئ الكلّ" (أف 4/ 10)، وهو، على الدوام، "وقت" مجيئه.

 

 

الليتورجيّة السَّماويَّة

        ما هو، إذاً، هذا العمل الذي يفيض فيه المسيح المنتصر على الموت حياته؟ ما هي هذه الطاقة التي بها، الآب والإبن القائم من بين الأموات "يعملان دائمًا" (يو 5/ 17)؟ إنّها ليتورجيّة الينبوع، وفيها يعمل الآب مع "الكلمة المتجسّد"، في ناسوته المحيي، لكي يتفجّر نهر الحياة: إنّها الليتورجيّة السّماويّة. وبحسب تعبير الرسالة إلى العبرانيّين "رأس الكلام في هذا الحديث إنّ لنا عظيم كهنة هذا هو شأنه، جلس عن يمين عرش الجلال في السَّماوات، خادمًا للقدس والخيمة الحقيقيّة التي نصبها الربّ لا الإنسان" (عب 8/ 1). هذه الليتورجيّة الأبديّة بمعنى أنّ جسد المسيح يبقى منزّهًا عن الفساد – لا تَحُول ولا تزول. بل العكس هي التي تجيز هذا العالم إلى مجد الآب، في فصح عظيم متزايد القوّة.

 

        لم يكن كشف هذا السرّ ممكنًا إلّا مع اقتراب اكتماله وانقضائه. وهذا هو معنى السِفر الأخير من الكتاب المقدّس، سِفر الرؤيا، الذي يعني "اعتلان سرّ المسيح" الكلّيّ. أمّا نحن الذين في الأزمنة الأخيرة، فإنّ هذا السفر يكشف لنا عن الوجه المخفيّ من التاريخ. وأيًّا تكن الإفتراضات المتعلّقة بتأليف السفر، فاللافت هو أنّ الرؤية الإيمانيّة تمتدّ فيه دائمًا وتتطوّر على مستويين. فكما هو الحال في الأيقونات، يبدو أوّلا ً وكأنّنا أمام مستوى سفليّ (الأرض) ومستوى علويّ (السّماء). ولكن لا يخدعنا ذلك. ففي الحركة الدراماتيكيّة الخاصّة بالأزمنة الأخيرة، هذان المستويان هما متداخلان الواحد ضمن الآخر. والمستوى الأكثر ظهورًا منهما يكشف كرنفال الموت الذي يقوده "رئيس هذا العالم" الخفيّ فهو يدخلنا إلى قرب ذاك الذي في يده مفاتيح الموت. وما يعاش هنا وهناك هو الليتورجيّة.

 

        وإذا كانت الليتورجيّة تتضمّن، حتى في الكلمة التي تعبّر عنها، مظهرًا جوهريًّا من مظاهر العمل والطاقة، فالليتورجيّة السّماويّة تكشف لنا عن أصحاب الأدوار الرئيسيّة في هذا الحدث: المسيح والآب، الرّوح القدس، الملائكة وكلّ ما هو حيّ، شعب الله -  الذي هو منذ الآن في الحياة التي لا تعرف الفساد، في المحنة الكبرى - رئيس هذا العالم والقوّات التي تعبده والمستعبدة له. الليتورجيّة السّماويّة هي رؤيويّة بالمعنى الأصلّي لهذه الكلمة: أي إنّها "تكشف" وتعلن كلّ شيء في الوقت الذي تكلّمه وتحقـِّقه. فعندما يكون "الحدث" ههنا، تصبح النبوءة "رؤيويّة".

 

 

الرجوع إلى الآب

"وإذا بعرش قد نصب في السّماء، وعلى العرش قد جلس واحد. (رؤ 4/ 2). في قلب الليتورجيّة، عند الينبوع، ها هو، أخيرًا، الآب! إنّه الينبوع، بالطبع، في الدهور الأزليّة ومنذ بدء الزمان. "هو ينبوع الحياة، وينبوع الخلود، وينبوع كلّ نعمة وكلّ حقّ". وهو الينبوع الذي كان يبحث عنه الآباء عندما كانوا يحفرون الآبار، والينبوع الذي كان الشعب يتركه ليحتفر لنفسه آبارًا مشقـَّقة لا تُمسك الماء، والينبوع الذي اجتذب المرأة السّامريّة، والينبوع الذي كان يسوع على الصّليب عطِشًا إليه... ولكن، حينئذٍ لم تكن الليتورجيّة قد وُجدَت بعد.

 

فعندما أصبحت الحياة المتفجّرة من القبر ليتورجيّة، أصبح بالإمكان، أخيرًا، الإحتفال بها: وحينئذٍ بدأ النهر يعود إلى ينبوعه، إلى الأب. في حركة العودة هذه، يبتدئ الإحتفال بالليتورجيّة السّماويّة. فطاقة العطاء التي التزم فيها الآب كلّيًّا منذ البدء، هذا الحبّ الممزّق الذي فيه بذل ابنه وروحه، هذه "التجرّدات" التي كان يجري فيها نهر الحياة منذ الخلق والوعد والتجسّد، حتّى على الموت على الصّليب والوضع في القبر، كلّ هذه المسيرة الطويلة الأمينة الصّبورة، مسيرة محبّته، هذا "التقليد الإلهيّ المقدّس"، ستنفجر كلّها أخيرًا في ثمرتها. فالليتورجيّة هي هذا الجزر اللامحدود، جزر الحبّ الذي فيه صار كلّ شيء حياة. لقد زُرِع كلّ شيء بمجّانيّة كلّيّة، وهذا هو الزمن الأبديّ، زمن الحمد والشكر. "لأنّ إلى الأبد رحمته!".

 

"لو كنتِ تعرفين عطيّة الله!" لو كنّا نعرف أن ندخل مجّانًا من "الباب المفتوح على السَّماء" (رؤ 4/ 1) إلى فرح الآب! لأنّ الليتورجيّة هي الإحتفال بفرح الآب. هو الذي كنّا نخافه مثل آدم الذي اختبأ بعيدًا هربًا من وجهه (تك 3/ 8)، هو الذي لم نكن نعرفه على حقيقته مثل الإبن الشاطر وأخيه في المثل (لو 15/ 1)، هو الذي كنّا نهمس في الغمام باسمه الذي يُنطق به: "أنا هو" (خر 3/ 14)، أخيرًا، أصبح باستطاعتنا أن نتعرّف إليه، أن نعرفه، هو الذي هو "كائن وكان وسيأتي" (رؤ 1/ 4)، وأن "نعبده بالرّوح والحق، لأنّ مثل هؤلاء العباد الصادقين يريد الآب" (يو 4/ 23).

 

الفرح الذي يجده الآب عندما نقبل بأن يعثر علينا هو بالذات زخم الغبطة والإبتهاج الذي ينعش ويحيي الليتورجيّة على الدوام. كيف لا يندهش الآب ويغتبط، وهو الينبوع، عندما يرى أنّ الإنسان قد صارَ هو أيضًا ينبوعًا يجيب إلى عطشه الأبديّ؟

 

هذه هي الحقيقة، أبعد من الأمثال التي يُلمح فيها يسوع إلى هذه الغبطة وهذا الإبتهاج - "يكون الفرح في السّماء بخاطئ واحد يتوب..." (لو 15/ 3) -  هذه هي الحقيقة، الآن: الفرح الأبديّ، فرح الآب بعودة ابنه الحبيب. لقد خرج منه ابنًا وحيدًا، وها هو يعود إليه بالجسد حاملاً أبناء بالتبنّي: "هاءنذا والأبناء الذين وهبتني" (عب 2/ 13). فرح الآب، الذي لا يوصف ولا يعبّر عنه، أخذ شكلا ً وتجسّد في هذه الوجوه المتعدّدة التي تعبّر عن وجه الإبن الحبيب. أجل، لِفرح الينبوع أن يتفجّر وأن يغنّي وأن يترجّع كما الأصداء والنغمات المتعدّدة والفريدة، على ما تؤتيه النِعمة المجانيّة الصرف. "هكذا يفرح ملائكة الله..." (لو 15/ 10).

 

"مجد الله أن يحيا الإنسان". منذ "الساعة" التي تمجّد فيها ابن البشر (يو 12/ 28)، بدأ الآب يتمجّد. وسيتمجّد من الآن فصاعدًا "بلا انقطاع". لا لأنّه "اختصر كلّ شيء في المسيح للتسبيح بمجد نعمته" (أف 1/ 13-14) فحسب، بل لأنّ أبناء جددًا بالتبنّي، آتين من المحنة الكبرى، يولدون في كلِّ لحظة لفرحه. هذا التمجيد، تعبّر عنه اللغة الليتورجيّة في الكنائس منذ نشأتها، بكلمة يعاد اكتشافها في هذه الأيّام: "الدوكسولوجيّة" (التعبير عن المجد). والليتورجيّة، جوهريًّا، أي في الاحتفال الينبوعيّ بها هي تمجيديّة. والمدهش هو أنّ الذي تنبثق منه طاقة العطاء أزليًّا يظهر الآن طاقة قبول: فهو يقبل من جميع الخلائق التي صارت مماثلة لابنه الحبيب الجزْر المتهلّل، جزر نهر الحياة. إنّ الإحتفال بالليتورجيّة الإلهيّة هو في هذا المدّ والجزر الدائميّ التجدّد في الشركة الثالوثيّة التي فيها تشترك كلّ الخليقة: الملائكة القائمون أمام وجهه، والأحياء، و"الأزمنة" كلّها (رؤ 4/ 4-11).

 

ذلك بأنّ الآب لا يحتفظ بهذا الفرح عندما يقتبله، بل يجعله يتفجّر ويتدفّق من جديد، في مزيد من الحبّ والحياة. وهكذا، فالليتورجيّة الإلهيّة هي الإحتفال بهذه المشاركة التي كلّ واحد فيها هو للآخر كلّيًّا. سرّ القداسة صار أخيرًا ليتورجيّة لأنّه مقتسَم ومتشَارَك فيه. وهذا الإحتفال، في تفجّره وامتداده، تغمره القداسة الساطعة: "قدّوس، قدّوس، قدّوس..." إنّه إحتفال عبادة (رؤ 4/ 8).

 

 

سيّد التاريخ

إذا أدركنا أنّ صعود المسيح هو جزْر نهر الحياة العائد إلى ينبوعه، وهو الكلمة التي ترجع إلى قلب الآب بعد أن أنجزت مهمّتها (أش 55/ 11)، أمكننا أن ندرك كيف تلتقي الصور الكتابيّة، خصوصًا في سِفر الرؤيا، لتكلّمنا عن الليتورجيّة السّماويّة تحتفل بالحدث الدائم المستمرّ، حدث رجوع الإبن، والكلّ (أي كلّ الناس وكلّ شيء) فيه، إلى بيت الآب. إنّه العيد، المائدة، الوليمة، العرس، عرس الحبيب وعروسه الكنيسة. صحيح أنّه لم يتمّ كلّ شيء بعد، ولكن حدث التاريخ حاضر هنا، في قلب الثالوث. ولأنّ هذا الحدث قد أصبح واحدًا مع الآب، لذلك فقد أصبح ينبوعًا.

 

هذا العهد عند الينبوع يعبّر عنه سِفر الرّؤيا في رمزه المركزيّ: "الحمل". "ورأيت بين العرش والأحياء الأربعة وبين الشيوخ حملا ً قائمًا كأنّه ذبيح..." (رؤ 5/ 6). المسيح قام (قائم)، ولكنّه يحمل علامات مروره في موتنا (ذبيح). عمله الحاسم في الليتورجيّة السّماويّة، هو أن يأخذ السفر المختوم من يمين الذي على العرش استوى. وليس لأحد غيره أن يفتح السفر ويفضّ أختامه (رؤ 5). وحده، يسوع، بانتصاره على الموت، يحقـِّق الحدث الذي يكتب التاريخ ويفكّ ألغازه. خارج فصحه كلّ شيء عبث ومحال. لبعض الناس أن يكتبوا التاريخ،  ولغيرهم أن يتوهّموا أنّهم صانعوه. وحده الذي يملأ الزمان من ملئه، باستطاعته أن يكشف "معنى التاريخ" بتمزيقه حجاب الموت والكذب. فهو معنى تاريخنا، لأنّه حدث التاريخ الأوحد، لأنّه سيّد التاريخ.

 

وهذا يعني أنّ ليتورجيّة الصعود ليست عيد حصاد التاريخ الذي مضى فحسب، بل عيد التاريخ الذي نعيشه الآن أيضًا: الحدث الفصحيّ يحمل في طيّاته باستمرار ثمرته الأبديّة. ذلك أنّ سيّد التاريخ لا يزال الفارس "الأمين"، "الصادق"، الذي "يقضي ويحارب بالعدل"، "عليه رداء مخضّب بالدّم"، "واسمه كلمة الله" (رؤ 19/ 11). والليتورجيّة هي امتداد انتصاره في معركة الأزمنة الأخيرة. "لا تخف، أنا الأوّل والآخر، أنا الحيّ: كنتُ ميتًا وهاءنذا حيّ أبد الدهور. بيدي مفاتيح الموت والجحيم (رؤ 1/ 17-19). الليتورجيّة السّماويّة هي مخاض الخليقة الجديدة لأنّ المسيح يحمل تاريخنا في أحشاء الثالوث الأقدس. وبهذا، فإنَّ سيّد التاريخ في كلّ لحظة هو خادم "جسده"، وخادم أصغر واحد من إخوته: يدعوه ويغذّيه، يشفيه وينمّيه، يصفح عنه ويجدّده، يحرّره ويؤلّهه، يكشف له مدى حبّ الآب له شخصيًّا وكما هو، ويزداد اتّحادًا به لكي يقوده إلى اكتماله في الملكوت.

 

إنّ طاقة المسيح هذه في الليتورجيّة السّماويّة تختصرها الرّسالة إلى العبرانيّين بكلمة تعبر فيها عن الحدث الفصحيّ كلّه: يسوع هو كاهننا الأعظم. "هاءنذا والأبناء الذين وهبهم لي الله" و"لمّا كان الأبناء شركاء في اللحم والدّم، شاركهم هو أيضًا فيهما مشاركة تامّة ليكسر بموته شوكة ذاك الذي له القدرة على الموت، أي إبليس، ويحرّر الذين ظلّوا طوال حياتهم في العبوديّة مخافة الموت... فحقّ عليه أن يكون مشابهًا لإخوته في كلّ شيء ليكون عظيم كهنة رحيمًا مؤتمنًا عند الله (عب 2/ 13-17)، "فصار لجميع الذين يطيعونه ينبوع خلاص أبديّ" (عب 5/ 9). و"هو قادر على أن يخلّص الذين يتقرّبون به إلى الله خلاصًا تامًّا لأنّه حيّ دائمًا ليشفع لهم" (عب 7/ 25). فإذ "جاء عظيم كهنة للخيرات المستقبلة... فإنّه دخل القدس مرّة واحدة... بدمه، فحصل على فداء أبديّ". (عب 9/ 11-12). "فعل ذلك مرّة واحدة، حين قرّب نفسه (عب 7/ 27).

 

في أيقونوغرافيا الصعود، يمسك يسوع بيسراه سفر التاريخ ولكنّه، أيضًا، يبارك بيُمناه. ولأنّ الحمل واحد مع الآب، فهو ينبوع البركة: به ومنه يتدفـّق نهر الحياة. ذلك أنّنا، ومنذ الآن، قائمون في الليتورجيّا الأبديّة، فتيّارها يحملنا، بفارغ صبرٍ متزايد، نحو تمامها وانقضائها. لأن في قلب الليتورجيّا السّماويّة يتصاعد أنين هو أنين الشهود "الذين سفكت دماؤهم في سبيل كلمة الله "والذين يصرخون بأعلى صوتهم من تحت المذبح" حتّام، أيّها السيّد القدّوس الحقّ، تؤخّر الإنصاف والإنتقام لدمائنا من أهل الأرض؟ (رؤ 6/ 9).

 

فالتاريخ لم ينته في الصّعود، ولكنّه يمتدّ ويتواصل إلى أن يبلغ تحرّره النهائيّ: لقد فـُـتحت "الأزمنة الأخيرة". وكلّ مرّة يفض فيها الحمل أحد أختام كتاب التاريخ، تتردّد الدّعوة إيّاها: "تعال!" ما هو إذاً عجيج المياه العظيمة في قلب الخليقة جمعاء، الخليقة التي تئنّ من آلام المخاض في جسد الإنسان وحتّى في أعماق قلبه؟ (رو 8/ 22-27). المدّ والجزر في الليتورجيّا السّماويّة لا ينفكّان يحملان العالم إلى ينبوعه، فيتفجّر نهر الحياة في "تجرّده" النهائي: في الرّوح القدس.

 

 

"ليتورجيّة الينبوع"

الأب جان كوربون

 

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية