القيامة: تفجّر الليتورجيّة

 

 

القيامة: تفجّر الليتورجيّة

 

        "لمّا انقضى السبت" (مر 16/ 1) -  وقد انقضى نهائيًّا هذا الرمز الدوري في زمننا الفاني - أصبح بإمكان حاملات الطيب أن يذهبن إلى القبر "عند طلوع الفجر" (لو 24/ 1). لقد طلع الفجر، فجر الخليقة المحرَّرة من الموت، فجر، "اليوم" الذي لا مساء له. "لماذا تبحثين عن الحيّ بين الأموات" (لو 24/ 5). المسيح قام، حقـًّا قام! ومن هنا بدأ كلّ شيء.

 

        الحياة تفجَّرت من القبر أصفى مِمَّا كانت حين فاضت من الجنب المطعون بالحربة، وأكثر إحياءً مِمَّا كانت حين خرجت من أحشاء العذراء مريم. فعند القبر، حيث لا يزال ينتهي عطش الإنسان، جاء عطش الله ليُلاقي عطش الإنسان. لم يعد العطش هو الذي يبحث عن الينبوع فحسب، بل هو الينبوع الذي أصبح عطشًا وتفجَّر فيه. "أعطيني لأشرب... أنا عطشان" (يو 4/ 7 و19/ 28): كان نهر الحياة في حالة "تجرّد" في جسد يسوع الفاني. إلّا أنّه بدخوله إلى موتنا، صار بإمكانه أن يتفجَّر من أرضنا في جسد المسيح غير القابل للفساد. ويبقى القبر رمز منتهى الحبّ حيث اقترن الكلمة بجسدنا. ولكن القبر لم يصبح بعد مكان جسد الربّ: "إنّه ليس ههنا" كما يُصِرّ الإنجيليّون الإيزائيّون على تأكيده. لقد صار القبر الفارغ بداية العهد الجديد، عهد القيامة. الآن التقى مدّ الفصح وجزره. ففي المسيح القائم من بين الأموات، الكلمة المتجسّد هو الإنسان الحيّ، والإنسان صار ابن الله. وفيه اكتمل شغف الآب بالإنسان: "أنت ابني، أنا اليوم ولدتك" (مز 2/ 7).

 

        في يوم الولادة هذا، عندما تدفّق نهر الحياة من القبر ليصل إلينا في جسد المسيح غير القابل للفساد، أصبح نهر الحياة "ليتورجيّة". وهو لم يعد ينبع من الآب فحسب بل من جسد الابن المتألّق بمجد الآب أيضًا. وإن كانت مأساة التاريخ كلّها تدور ما بين عطاء الله وقبول الإنسان، فإنّها تبلغ "اليوم" نقطتها الحاسمة، بدايتها الأبديّة. فطاقة الله وطاقة الإنسان التقتا الآن وإلى الأبد. قبول الابن أن يولد أبديًّا من الآب ملأ جسد ناسوته. وبمسحة الحياة الفائقة الغزارة هذه، قام يسوع وأصبح "مسيحًا" كلّيًّا. هذا العهد، هذا الإلتقاء بين طاقتيه الإلهيّة والبشريّة هو الذي جعل المسيح القائم من الموت ينبوع الليتورجيّة الذي لا ينضب.

 

        قبل ذلك، كان نهر الحياة في حالة "تجرّد" في جسد يسوع الذي كانت تخفيه بشريّته المائتة وتحُدُّه. كان يسوع، مثل آدم الأوّل، "نفسًا حيّة". ولكنّه، بنهوضه من القبر صار "روحًا محييًا" (لو 15/ 45). صار حيًّا في كامل ناسوته، طبيعة وإرادة وطاقة. صار متّحدًا بالآب، ساطعًا في جسده بمجد الله. وبالتقائه واتّحاده بالآب، ساطعًا في جسده بمجد الله. وبالتقائه واتّحاده بالينبوع، صار "معطي الحياة" (يو 5/ 20-26). نهر الحياة يمكنه الآن أن ينبثق من عرش الله ومن الحمل. لقد ولدت الليتورجيّة: وقيامة يسوع هي تفجّرها الأوّل.

 

        لا نتخيّلنَّ هذا الحدث وكأنّه في الماضي. صحيح أنّه حصل في تاريخنا، لذلك فهو حدث لا رمز، إلّا أنّه حصل "مرّة وإلى الأبد". أحداثنا، نحن، تحصل مرّة ولكن ليس إلى الأبد: لأنّها تحصل وتنقضي وتمضي، أي تصبح من الماضي. أمّا قيامة يسوع فهي ليست من الماضي، لأنّها لو كانت كذلك لما كان يسوع قد غلب الموت. لأنّ موت يسوع هو أبعد من ظروفه التاريخيّة التي هي في الماضي، إنّه بذاته موت الموت. فيسوع "بموته أمات الموت". والحدث الذي فيه مات الموت لا يمكن أن يكون من الماضي، وإلّا لما كان الموت قد انهزم وأُبيد. فالزّمن، لأنّه يمضي، هو أسير الموت. ومنذ اللحظة التي يتحرّر فيها من أسر الموت، لا يعود يمضي. إنّ السّاعة التي كان يتوق يسوع إليها "قد أتت وهي الآن حاضرة"، قد أتت ونحن فيها الآن وإلى الأبد: حدث الصّليب والقيامة حدث لا يمضي، حدث حاضر أبدًا.

 

        إنّه الحدث الأوحد في التاريخ. سائر الأحداث كلّها مضت وماتت وستموت. وحده هذا الحدث باقٍ. "فالمسيح، بعدما أقيمَ من بين الأموات لن يموت ثانية (رو 6/ 9). فقيامته ليست إحياءً أي عودةً إلى الحياة مثل قيامة لعازر أو إبنة يائير أو إبن أرملة نائين، فهؤلاء استعادوا حياتهم الفانية وبالنهاية عادوا فماتوا نهائيًّا. أمّا بالنّسبة للمسيح، وله وحده أوّلاً، فالقيامة هي المرور بالموت، وهي، في ناسوته الكامل، المرور، أو بالأحرى العبور إلى ما بعد الموت. فالمسيح اخترق جدار الموت وبالتالي جدار الزّمن المائت. إنّ مجيء كلمة الحياة إلى بشريّتنا، حتّى صميم موتنا، وحدَه يستحقُّ أن يُسمّى حدثـًا. لأنّ به انهارت جدران الموت كلّها وانبعثت الحياة. "فالسّاعة"، التي فيها أعطى الكلمة، بصرخة عظيمة، نفحة حبّه من أجلِ أن يحيا الإنسان، هي ساعة لم تعد في الماضي. هي ساعة حاضرة أبدًا وباقية إلى الأبد. هي ساعة تجتاز التاريخ وتحمله.

 

        هذه القدرة التي لم يُسمَع بمثلها، قدرةُ "نهر الحياة" في ناسوت المسيح الناهض من الموت، هي بذاتها الليتورجيّة. ففيها تكتمل وعود الآب وعهوده جميعًا (أع 13/ 32). ومن تلك "الساعة"، لا تزال شركة الثالوث الأقدس تفيض في عالمنا وتغمر زمننا بملئها. من تلك "الساعة"، صار تدبير الخلاص ليتورجيّة.

 

        ومن هذا المنظور، تصبح العلاقة بين الاحتفال والحياة مسألة ثانويّة. فما هو أوّليّ هو علاقتهما كليهما بحدث الفصح المتفجّر في كلّ حدث. ففي المسيح الحيّ، الذي "ليس هو ههنا"، بل قد قام من بين الأموات ممسكًا بمفاتيح الموت ومالئًا الكلّ، أصبح قلب الله وقلب الإنسان مثل نبضتين بهما ينبض قلب التاريخ. وهنا يتفجّر الينبوع.

 

 

"ليتورجيّة الينبوع"

الأب جان كوربون

 

 

 

macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية