اللاهوت الكتابي في ألحان "زمن الميلاد المجيد"

 

 اللاهوت الكتابي في ألحان "زمن الميلاد المجيد"

 

اللاهوت الكتابي في ألحان "زمن الميلاد المجيد"

 

       في التقليد الكنسيّ المارونيّ ستّة آحاد ميلاديّة، هي التالية: أحد بشارة زكريّا، أحد بشارة العذراء، أحد زيارة العذراء لأليصبات، أحد مولد يوحنّا المعمدان، أحد البيان ليوسف، وأحد النسبة. هذه الآحاد الستّة تهيّئ "عيد الميلاد" أمّا أحد وجود الرَّبّ في الهيكل، فيتبع، "عيد الميلاد".

       تحتفل الكنيسة، في زمن الميلاد، بحدث تجسّد ابن الله، وتحيا هذا السرّ الحَدَث، كما أوضَحَ الأب لويس خليفة في محاضرته السابقة، في أبعادِهِ التاريخيّة الجوهريّة الثلاثة: الأوّل هو البُعدُ النبويّ العهد قديمي، تتأمّل فيه الكنيسة سرّ تجسّد ابن الله في بيت لحم، إنّهُ حلم البشر والكون أجمع، ورجاءُ الآباءِ القدّيسين، ورؤيا الأنبياء المُلهَمين. شوق كونيّ عانتهُ الشعوب على اختلافِ معتقداتِها وحضاراتها، وعاشَهُ شعب التوراة القديم، بصورة مُميّزة: إنّهُ الوعدُ البِكر، ربطَ الله بالكونِ والإنسان، منذ فجرِ التاريخ، وراح يتجدّد جيلا ً بعدَ جيل، يلفُّ الكون والزمان، من آدَمَ إلى نوح فإبراهيمَ وموسى وداود وإيليّا وأشعيا حتّى ملء الزمان، يوم تحقّق الوعد الأمين، بعدَ انتظار طويل، ورجاء ودعاء حميم: "أ ُقطري، أيّتُها السَّماوات من فوق، ولتَمطـُرِ الغيومُ الصدّيق..." ؛ "ربِّ، ليتَكَ تشقّ السَّماوات وتنزل!".

       أمّا البُعدُ الثاني، فهو البُعدُ التاريخيّ المسيحاني العهد جديدي، تتأمّل فيه الكنيسة تجسّد ابن الله، سرّ عمّانوئيل "الله معنا"، الأقنوم الثاني من عيلة ثالوث السَّماء، يُضحي ابناً في عيلة ثالوث الناصرة، وفي كلّ عيلة! في هذا السرّ العظيم، يظهر وجه زكريّا الشيخ الجليل، على نفحِ طيب المِجمرة، في داخِلِ قدس الهيكل، شاخصاً إلى رؤياه، يكاد لا يُصدّق البشرى (أحد بشارة زكريا) ؛ ويظهر وجهُ العذراء مريم في بيت الناصرة، يغمرها لطف الآب، وتُظللها غمامة الرّوح القدُس، فتنحني مُطيعة للابنِ يحلّ فيها هيكلا ً جديداً (أحد بشارة العذراء) ؛ ويظهرُ وجهُ أليصابات العجوز العاقر، في لِقائِها لمريم الصبيّة العذراء، غمرة حبّ وإيمان، وذوبَ شوقٍ ورجاء، عناقَ أرضٍ وسماء (أحد زيارة العذراء لأليصابات) ؛ ويظهرُ وجهُ يوحنّا الطفل يسبقُ الطفل ربّه، يهلّ في آفاقِ البيتِ الخالي والمُشتاق (أحد مولد يوحنّا المعمدان) ؛ ويظهرُ وجه يوسُف الصدّيق الهائم في حضنِ الهمّ، بين حالمٍ وساهر، يمسحُ ملاك الربِّ عنهُ الهمّ، ويُبدّدُ الشكّ، مُبيّناً له سِرَّ حبل العذراء بعمّانوئيل، فيصيرُ حارساً للطفل وأمّه، كما الكروب على بابِ عدن كان حارساً لشجرة الحياة (أحد البيان ليوسف)؛ وتظهرُ وجوه الأجيالِ القديمة لا عدّ لها، في مسيرتها من عمق الزمن صوب الطفل الإلهيّ العجيب، رجاءِ الأجيالِ وملءِ الزمان (أحد النسبة)؛ وأخيراً يظهرُ وجهُ الطفل يسوع يتفجّر النور من وجهه شَمساً يملأ الكون والزمن رجاءً وخلاصاً (عيد الميلاد). هؤلاء الأشخاص جميعهم نعرفهم بأسمائِهم، منهم الشيخ والعجوز والفتاة والطفل والشّاب والمَلك والأب والأم... يُضفون على عيدِ الميلادِ الطابع الشخصيّ العائليّ المميَّز.

       أمّا البُعدُ الثالث، هو البُعدُ المسيحيّ الكنسيّ النُّهيَويّ الحاليّ، ففيه تتأمّل الكنيسة تواصلَ سرّ التجسّد فيها وفي كلّ مؤمن، بواسطة البشارة والأسرار والليتورجيّا، ليطال كلَّ إنسانٍ في كلِّ مكانٍ وفي كلِّ زمانٍ. البشريّة كلّها، التي كانت في الأمسِ ترى مجد الله من خِلالِ بُرقع موسى، تلقى اليوم الله إنساناً مولوداً من عذراء، وقد رُفِعَ البُرقع عن عيونِها، لترى وتتأمّل في وجهِ الابنِ الطفل العجيب وجهَ الآب المحتجب: "ما كان منذ البدء، ما سمعناه، ما رأيناه بعيوننا، ما أبصرناه ولمسته أيدينا، في شأن كلمة الحياة، والحياة قد ظهرت... كانت عندَ الآب وظهرت لنا..." (يو1/1-2)، وهو ربّنا وإلهنا ومُخلّصنا يسوع المسيح، ابن الله المُتأنّس.

 

1- اللاهوت الكتابي في ألحان صلوات الآحاد الميلاديّة الستّة

 

أ- صلوات المساء:  لقد وضَعَ التّجديد الطقسيّ الحاليّ تَصميماً واضِحاً لجَميعِ الألحان في الفرضِ الماروني الجديد، لا تَصميماً صارماً، بل ليّناً مطواعاً، على النحو التالي:

- اللحن الأوّل: يتألّف من ثلاثة أبيات شعريّة، ذات وزن شعريّ واحد لكلّ لحن، ينطبق عليه انطباقاً تامّاً اللحن السرياني المارونيّ القديم. وهذا شأن جَميعِ الألحان في الفرضِ الجديد. البيتان الأوّلان إخباريّان، يَقُصَّان حكاية العيد، احتفالا ً بذكرى الحدث التاريخيّ المَحتفل به. أمّا البيتُ الثالث، فهو صلاة شكر وتسبيح للثالوث الأقدس على ما حقّقه لنا في الحدث الخلاصيّ المحتفل به...

- اللحن الثاني: يركّز على المعنى اللاهوتي والرّوحيّ والكنسيّ والرّعائيّ والشّخصيّ للحدث الخلاصيّ المُحتفل به...

- لحن سوغيتو: هو لحن ذو وزن شعريّ ثابت في جَميع صلوات الفرض الماروني. وهو لحن انتقاليّ ينقلنا إلى الحسّاية، إلى ذروة الفرض الماروني. هذا اللحن يكون غالباً أبجديّاً، أي مؤلّفاً من 22 بيتاً، يبتدئ كلُّ بيت منهُ بحرفٍ من حروف الأبجديّة الاثنين والعشرين. دوره في الفرض الجديد أن يضعَ حدثَ العيد الحاضر المحتفل به حلقة ً من حلقات تاريخ الخلاص الشّامل في الماضي وفي المستقبل. وقد استعضنا فيه عن حروف الأبجديّة بحروفِ "كلمات مفاتيح" للعيد المُحتفل به: "يوحنّا صوت" (أحد بشارة زكريا)، "مريم أمّ عذراء" (أحد بشارة العذراء)، "مباركة أنت" (أحد زيارة أليصابات)، "ما عسى أن يكون" (أحد مولد يوحنّا)، "يوسف لا تخفْ" (أحد البيان ليوسف)، "وعد الأجيال" (أحد النسبة)، "عمّانوئيل" (عيد الميلاد).

- لحن البخور: هو امتداد لصلاة الحسّاية، وتجديد وتحديث للحدث الخلاصيّ المُحتفل به. في الفرض الجديد خمسة ألحان بخور جديدة مُستحدثة، ذات موسيقى مُستلهَمة من الألحان التقليديّة، وذات كلمات كتابيّة مختارة حرفيّاً من العهدين القديم والجديد، يرتّلها شمّاس مُنفرداً، وتُجيب الجماعة بلازمة صغيرة مناسبة. نجد مجموعة كاملة لمثل هذه الألحان، وفي لحن البخور من صلوات الصباح في الشحيمة (الزمن العادي)، الجزء الثاني، وهي: لحن "طوبى للمساكين بالروح"، ولحن "كروزوتو"، ولحن "فلنسمع أقوال الرّب"، ولحن إنَّ رسالة المسيح" ، ولحن "صوتُ صارخ".

- لحن مزمور القراءات: يُهيّئنا لسماع كلام الله في القراءات الكتابيّة، لنفهمها ونتذهّنها ونعمل بموجبها.

- لحن الباعوت: لحن الختام. له وزنان شعريان لا غير، وزن مار أفرام، ووزن مار يعقوب. يُعيدُ إلى الذهنِ والقلب جوَّ العيد والحدَثِ الخلاصيّ المُحتفل به. وينتهي بتمجيد الثالوث الأقدس وشكرهِ على النّعمة العُظمى التي أهّلنا لها. فهو لحن "قِفل" في كلِّ صلاة ليتورجيّة مارونيّة.

 

ب- صلوات الصباح:

- اللحن الأوّل: يربط الحدثَ الخلاصيّ الذي نحتفل به بحدث خلاصيّ ماضٍ مُماثل من تاريخ الخلاص في العهدِ القديم:

*      حدث بشارة زكريا في الهيكل يرتبط بوعد الرّب لداود، عندما قصدَ أن يبني لله بيتاً، فوعدهُ الربُّ أن يبني هو له بيتاً بابن يملك على عرشهِ أمام الرّب إلى الأبد...

*      حدث بشارة العذراء وحلول الربّ فيها يرتبط بحلول الربّ في خباء المحضر، في الخيمة، حيث كان يلقاهُ موسى الكليم...

*      حدث زيارة العذراء لأليصابات تحمل إليها البشرى والفرح يرتبط بتابوت عهد الربّ الحاوي ألواح الوصايا العشر والمنّ والسلوى، الحامل البركة والنعمة إلى كلّ مكان يحلّ فيه...

*      حدث مولد يوحنّا المعمدان يرتبط بالنبيّ الطفل صموئيل في هيكل شيلو، يدعوهُ الربُّ ليُعدَّ لهُ شعباً جديداً...

*      حدث البيان ليوسف يرتبط بيوسف الصدّيق ابن يعقوب، الذي اختارهُ الربّ ليكون المُخلّص لإخوتِهِ في مصر. هكذا دعا الربُّ يوسف ليكون حارساً لمريم وحامياً ليسوع الطفل من المُضطهد هيرودس...

*      حدث نسبة الربّ يسوع إلى شعب إسرائيل، الذي يرقى إلى إبراهيم الخليل، يرتبط بالجنس البشريّ برمّته، صارَ ابنُ اللهِ أخاً لجميع الناس، ليجعلَ الناسَ جَميعاً أبناءَ لأبيهِ السَّماويّ...

- اللحن الثاني: يركّز على التأمّل في المعنى اللاهوتيّ والكتابيّ والروحيّ للحدث الخلاصيّ الحالي:

*      في بشارة زكريا نتأمّل تسبيقاً "للسرِّ الحيّ الأسمى، عنّا الله أخفاهُ، ملوك وأنبياء، تاقوا مرآه"... وتحقيقاً لنبوءة آشعيا "أعلن آشعيا قال: يوحنّا مِذياعُ الحقّ، بوقُ البُشرى للأجيال، ألرَّبَّ يَسبِق"...

*      في بشارة العذراء نتأمّل "سرّ أمّ عذراء، أعطت ثمرة الفداء، لأمّنا حوّاء التي أغوتها رقطاء"...

*      في زيارة العذراء لأليصابات نتأمّل الله الذي ما عليه من مُحال: "تمّ القول: قد فاضَ الصخرُ أنهار، والغُصنُ اليَبْسُ أعطى أشهى الأثمار"... ونتأمّل نشيد مريم: "هكذا كان الوعد لإبراهيم، إسحق ويعقوب منذ القديم".

*      وفي مولد يوحنّا المعمدان نتأمّل نشيد زكريا "أنتَ يا طفلُ تُدعى نبيَّ العالي، قدّام الربّ تَسعى هَديَ الأجيالِ، تنشرُ عِلمَ الخلاص، صِدق البرِّ والإخلاص"...

*      وفي البيان ليوسف نتأمّل إلهامَ الروح القدُس للصدّيق البارّ: "قُم يا يوسفُ الصدّيق خُذها، كُن لها الرفيق، إنَّ مَن حلّ فيها مولودُ الوعد الأمين، هذا فادي العالمين"...

*      وفي النسبة نتأمّل "وجه الوحيد وحيدِ الحقّ، مَلقى نشيدِ العُلو والعُمقِ، مثلَ المجوسِ نُهدي السُجودا لابن القدّوسِ نوفي العُهودا"...

- اللحن الثالث: يحتفظ بالطابع الأصلي، فالبيت الأوّل تسبيح الكون والملائكة مرتبط بالمزمور 148 سبّحوا الربّ من السّماوات ؛ والثاني تسبيح البيعة مرتبط بالمزمور 149 رنّموا للربِّ ترنيماً جديداً، أقيموا تسبحته في مجمع (بيعة) الأصفياء؛ والبيت الثالث تقديسات ثالوثيّة، مرتبط بالمزمور 150 سبّحوا الله في قُدسه.

- لحن سوغيتو: يضع الحدث المُحتفل به حلقة من تاريخ الخلاص الشامل.

*      أحد بشارة زكريا: "طابت روحُ الشيخ الحَبر بابنٍ قبل الآتي أقبل، يدعو الناسَ: توبوا توبوا، ملكوتُ اللهِ أقبل"...

*      أحد بشارة العذراء:  "كالفردوس للقدّوسِ صارت أمُّ الله مريم، عدنٌ حارت كيف صارت بنتُ الأرضِ أمَّ الأعظم"...

*      أحد زيارة العذراء: "قد قدَّستَ في الأحشاءِ مَن زَيّنتَ بالآلاءِ كي تلقاهُ في الأردنِّ تلقى منهُ غَسْلَ الماءِ"...

*      أحد مولد يوحنّا: "كان ومضَ الرّوحِ القُدسِ كالمِصباحِ قبل الشمسِ، أو كالصّوتِ الصافي الصارخ يَلوي كلَّ رأسٍ شامخ"...

*      أحد البيان ليوسف: "يوسفُ انْهَض، ثِقْ، لا تَغتمّ، سِرُّ الكونِ حَمْلُ مريم، ما أنقى العذراءَ الهيكل، فيهِ أنتَ الحَبرُ الأكمل"...

*      أحد النسبة: "يا ابن النّور، قالت مريم، ما أدعوك؟ لستُ أعلم! ألمحدودَ في ناسوتِهْ، واللاحَدَّ في لاهوتِهْ، نجمُ الشرقِ في أبعادِ الفُرس، أوحى بالميلادِ"...

- لحن البخور: تحديث وتأوين للحدث الخلاصيّ المُحتفل به...

- مزمور القراءات: يُهيّئ لسماع كلام الله...

- لحن الباعوت: يُعيدُ إلى الذهن والقلب جوَّ العيد والحدثِ الخلاصيّ المُحتفل به. وينتهي بتمجيد الثالوث الأقدس. هو اللحن "القفل" في كلّ صلاة.

 

 

الأب يوحنّا خوند

أستاذ في معهد الليتورجيّا

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية