الليتورجيّة المحتفل بها والليتورجيّة المُعاشة

 

 

الليتورجيّة المُعاشة

 

إذا كانت الليتورجيّة سرَّ نهر الحياة المتفجِّر من الآب والحمل، وإذا كانت تُدركنا وتأخذنا عندما نحتفل بها، فإنّ ذلك من أجل أن تروي حياتنا وتخصبها. فالليتورجيّة الأبديّة التي يكتمل فيها تدبير خلاصنا، "تتمّ" بواسطتنا، في احتفالاتنا الأسراريّة، لتكتمل فينا، في حنايا شخصنا وجماعتنا البشريّة. ولكي نقتنع من ذلك، ينبغي لنا أن نرى ما يميّز الليتورجيّة المحتفل بها عن الليتورجيّة المُعاشة. ولكن يجب أن نرى أيضًا وأن ندرك لماذا تهدُمُ الليتورجيّة المسيحيّة الحائط الذي كان يفصل في العهد القديم بين العبادة والحياة الأخلاقيّة. هذه الرؤية والإدراك يقوداننا حينئذٍ إلى الوحدة الجديدة، في "ليتورجيّة الينبوع"، بين الإحتفال والحياة.

 

 

الليتورجيّة المحتفل بها والليتورجيّة المُعاشة

 

عندما نحتفل بالليتورجيّة، فإنّنا نشترك بقوّة، وبشكلٍ فريد، في سيِّد حياتنا الحبيب، في كلِّ البشرِ المستعادين إلى شركة الآب، في العالمِ المُصالـَح والزمن المحرّر: فـ"نحيا" حقـًّا. وما سنكونه إلى الأبد يَظهرُ "منذ الآن" ونتذوّقُهُ في الرّوح. فكلٌّ منّا لا يكون أبدًا ذاتَه بهذا المقدار، والكنيسة لا تكون ذاتها، والكون والتاريخ لا يكونان أبدًا مرفوعين برجاء المجد، إلّا عندما نحتفل بالليتورجيّة. أمّا بعد تلك الـ"أوقات" من الملء والنعمة، فيبقى "الزمان"، ويواصل سريانه متمخضًا متوترًا. وتتواصل الليتورجيّة في الزمان، في ظلِّ وجهه الآخر، أي في المحنة والشقاء. وبينما يبدو حجاب الموت يعتِّم على تغلغل حياة المسيح القائم من الموت، فإنّنا ندخل في اختبار الليتورجيّة المُعاشة. وها نحن في كثافة الأزمنة الأخيرة، حيث لم يَعبُرْ بعد كلّ الناس وكلّ إنسان إلى الحياة غير القابلة للفساد.

 

هذه الجدليّة بين "الزمان" و"الأوقات" نجدها من جديد في نوعيّة المجال الذي تفيض فيه الليتورجيّة. فهذا المجال، الذي كان أسراريًّا في الإحتفال به، لم يعُد يبدو إلّا كبيئة وكمحيط تجري فيه الحياة اليوميّة. والعلامات التي تُظهـِر الجدَّةَ المسيحيّة تكشف هذا التمييز. ففي الإحتفالات الليتورجيّة، هذه العلامات هي على جانب كبير من البساطة والتجرّد حتى أنّها تُصبح شفّافة للإيمان. في حين أنَّ كلّ شيء في الحياة العاديّة مرتبط ٌ بالظروف، ويتطلّب باستمرار أن يميّز وان يتحوَّل.

 

ففي "أوقات" الإحتفال، تجعلنا هبة الرّوح القدس نعيش الكنيسة، والهبة عينُها تُظهـِرُ الكنيسة وتنمّيها وتحوِّلها إلى جسد المسيح. أمّا في "زمان" الحياة، فهبة الشركة هذه ليست أقل قوّة وأقل أمانة، ولكن كلّ فرد يجد نفسه مقيَّدًا بانتماءات أخرى داخل الجماعة البشريّة. حينئذٍ، يصبح سرّ "شركة الله والبشر" بحاجة إلى الإثبات في الوقائع والأحداث، ويُصبح السؤال مطروحًا علينا: بعد أن تحوّلنا في الإحتفال الليتورجيّ إلى جسد المسيح، هل سنحيا ذلك؟

 

تبدو سينرجيّات الرّوح القدس والكنيسة، في الحياة، على أنّها طاقات الباراقليط العاملة في كلِّ مسيحيّ، وإن كانت هي دائمًا، وبشكلٍ أعمق، طاقات جسد المسيح. هذه السينرجيذات كانت أسراريّة ً في الإحتفالات، وكانت تفيض بطريقة تربويّة وكأنّها ميستاغوجيّة (العمل الذي يقودنا إلى السرّ)  فعليّة: أمّا في الأوقات الأخرى من الحياة المسيحيّة، فهي عفويّة وغير متوقّعة، وبدون إطار محدّد، ومندمجة ٌ الواحدة في الأخرى. حتى أنّنا لا نستطيع التمييز بوضوح متى يكشف الرّوح لنا يسوع، ومتى يحوّلنا فيه، ومتى يُشركنا معه. من هذه السينرجيّات الثلاث الواضحة تمامًا في الإفخارستيّة – خدمة الكلمة، الأنافورة، والمناولة، أي الشركة – يبدو أنّ الحياة المسيحيّة لا تحتفظ إلّا بالسينرجيّة الثالثة. وفي الواقع، إذا كان الإحتفال هو "وقت" الزرع، فالحياة هي زمن الثمر.

 

وتُختتم إحتفالاتنا عادة بمباركة، ولكن هذه الخاتمة تُعبِّر بالأحرى عن الإرسال بمهمّة: لِنَحيَ الآن ولنبلـِّغ ذاك الذي اقتبلناه. كان الإحتفال قد غطّسنا من جديد في مركز إشعاع المحبّة الإلهيّة. بعد الآن، وانطلاقـًا من الإحتفال عينه، علينا أن نمارس مواهبنا المتعدّدة لأجل خير الجميع. وإذا كان ربُّ المجدِ قد حوَّلنا، فعلينا الآن أن نُشِعَّهُ في التجرُّد. وبعد أن ماثلتنا حيويّة الرّوح بجسد المصلوب فهي ستُظهر في جسدنا المائت، قوَّة القيامة.

 

 

الليتورجيّة أبعد من العبادة ومن الحياة الأخلاقيّة

 

ولكن لماذا الأمر ليس دائمًا على هذا النحو؟ لماذا هذا الإنفصام بين روعة احتفالاتنا وسطحيّة حياتنا؟ يمكننا دائمًا أن نندهش من كوننا خطأة، ولكن هذا البؤس ليس السبب، بقدر ما هو النتيجة، للتباعُد الذي نُبقي عليه بين الإحتفال والحياة. يجدر بنا بالأحرى أن نتساءل ما إذا كنّا لا نزال تحت نظام الشريعة القديمة، هذا "الحرف" الذي يُميت ولا يُحيي (2قور 3/ 6).

 

عظيم هو زمن المواعد، ولكنّه زمن ما قبل بشارة الإنجيل. فعندما يُجسِّد الروح القدس المسيحَ، مُسبقـًا، عبرَ أحداثٍ خلاصيّة، فهو يرمي إلى تهيئة القلوب لاقتباله. فطريقة الرّوح التربويّة هي طريقة وجوديّة كيانيّة. فالرّوح يدعو الإنسان، تجاه أعمال الله، إلى أن يكشف عن قلبه ويأخذ موقفـًا. ولقد كانت هذه الطريقة التربويّة في العهد القديم تمتدُّ على مستويين متميّزين ولكن منفصلين: العبادة والحياة الأخلاقيّة.

 

أوّلاً العبادة. فأمام الحدث الذي يتكلّم الله من خلاله، تُعلّم العبادة الإنسان أن يُصغي وأن يتذكَّر. فأحداث الله الحيّ الخلاصيّة تقيم هذه الذاكرة القلبيّة وتؤسِّسها، والأعمال الطقسيّة تُرجـِـع إلى هذه الأحداث وإليها تُشير. فللعبادة إذاً قيمة الشهادة وحتى قيمة التذكار. والقلب الذي يتذكّر يُصبح حينئذٍ قلبًا عابدًا شاكرًا: "لأنَّ إلى الأبد رحمته!".

 

ولكن هذه الشهادة يجب أن تُحفظ وأن تمرَّ في الحياة الأخلاقيّة. فالأحداث الخلاصيّة المؤسّسة للذاكرة القلبيّة والتذكار الطقسيّ، هي أيضًا دليل العمل. وسفر تثنية الإشتراع كلّه هو هذه الدعوة الموجّهة إلى القلب لكي يحفظ الكلمة ويعمل بها. فأمانة المؤمن يجب أن تكون الجواب على أمانة الله المخلص. وعلى هذا الدرب تتحقّق المواعد في العهد القديم.

 

إلّا أنَّ زمن المواعد هو زمن سابق لليتورجيّة. فالأحداث الخلاصيّة، مثل سائر أحداث هذا العالم تحصل مرّة، ثمَّ تَدخُلُ بعدها في الماضي. والقلب الذي يحفظ الكلمة يتذكّرها بالطبع، في الأعمال الطقسيّة، ولكن هذه الأحداث تبقى أحداثـًا ماضية. والقلب الأمين الذي يحفظ الشريعة يتذكّرها أيضًا، ولكنّه يرجع إليها كما إلى نموذج خارجيّ. ينبغي لنا أن نعي جيّدًا هذا الإنفصام المزدوج، الذي لا يزال يجرح ديانة العهد القديم: فعبادتها لا تحتوي في ذاتها الأحداث الخلاصيّة، بل تتذكّر هذه الأحداث فقط. وأخلاقيّتها تسعى لأن تتمثـَّل بها، ولكنّها تنبثق منها كما من ينبوع راهن.

 

كان للعهود الأولى عبادةُ – ذبائحيَّة ومجمعيَّة – ولكن لم يكن لها ليتورجيا. كانت عبادتها تُعبِّر عن جواب الإنسان الديني. من هنا ثقل العناصر الثقافيّة في ذبائح الهيكل. ومن هنا أيضًا تكرار العبادات الدوريّ. ويُشدِّدُ كاتب الرسالة إلى العبرانيِّين على مظاهر الموت هذه، التي تجعل الهيكل والكهنوت والذبائح اللاويّة عاجزةً تمامًا عن إعطاء الحياة. فالشريعة الموسويّة هي بلا شكّ تربويّة، تُطوِّر طقوس العبادة من جهّة، والعبادة القلبيّة من جهّة أخرى، وتفرض شيئًا فشيئًا المماثلة المتبادلة بينهما. ولكنّنا لا نزال هنا تحت النظام السابق للمسيحيّة، القائم على الموقف الأخلاقيّ المرتبط بتعبيره الطقسيّ. فهنا الدال وهناك المدلول. الأخلاقية والطقوسية هما على المستوى نفسه ولكن خارجانيًا. لأنّ الإنسان لا يندمج فيهما. اللقاء، في العمق، بين العطاء والقبول، لم يأتِ بعد.

 

من موسى إلى يسوع، كان الإنقسام الثنائيّ بين عمل العبادة الطقسيّ والأمانة الأخلاقيّة في الشريعة أمرًا حتميًّا. وهذه الخارجانيّة لن تُهدَمَ إلّا عندما ستُعطى "النعمة والحقّ" (يو 1/ 17) بالإبن الوحيد. فلم يعد لنا وظائف طقسيّة إلى جانب العبادة الداخليّة، بل وحدة جديدة تمامًا (ار 31/ 31-34). فالمسيحيّ لم يعُد منقسمًا، تجاه إلهه، بين اهتمامين: تارةً أعمال مقدّسة وتارةً أعمال دنيويّة، حتى ولو كانت هذه وتلك تتطلّبان أن تكونا مستوحاتين من الحبِّ عينه. فما هذه كلّها إلّا ظلّ الأمور المستقبلة، أمّا الحقيقة فهي جسد المسيح" (قول 2، 17). العهد الجديد يدخلنا إلى أبعد من التفرقة بين العبادة والحياة الأخلاقيّة. هذا الـ"أبعد" هو الليتورجيّة في الروح والحقّ (يو 4/ 24).

 

 

سرّ الليتورجيّة الوحيد

 

إنَّ الليتورجيّة، المحتفَل بها في بعضِ الأوقات، والتي يجب أن تُعاش على الدوام، هي السرّ الوحيد، سرّ المسيح المعطي الحياة للبشر. فهي، عندما يُحتفَل بها لا تقدِّم لنا نموذجًا ينبغي احتذاؤه في الحياة فيما بعد، لأنَّ في ذلك عودة إلى الوقوع في الخارجانيّة التي تفصل بين الشعائر المقدّسة والمسلك الأخلاقيّ. فالمسيح الذي نحتفل به هو ذاته الذي نعيشه، وسرّه موجود دائمًا هنا وهناك. وكما أسراره (Sacrements) هي أسراره (Mysteres) وكذلك حياته فينا، فهي تكون سريَّة (Mystique) أو لا تكون. فروحه القدّوس هو الينبوع ذاته الذي نستقي منه في الإحتفال الأسراريّ والذي يتفجَّر في قلوبنا حياة ً أبديَّة. إلّا أنّه من دون إحتفال، ما من حياة ممكنة. فإن لم يستولِ علينا نهر الحياة، كيف يمكننا أن نثمر ثمار الروح؟

 

إنَّ الهبة الكبرى التي يمنحها الربّ القائم من بين الأموات هي ينبوعنا وحياتنا. وتظهَرُ إستمراريّة طاقته العميقة منذ عمادنا وتثبيتنا: فإذ نطعَّم في المسيح ويَنفذ إلينا ختم روحه الشخصيّ، يمكننا أن نحتفل ونعيش سرّ الحياة الذي يمنحنا إيّاه الآبُ بوفرة. وعندما نصالـَح بعطيَّة الرّوح المتكرِّرة، بغفران خطيئتنا غفرانًا شخصيًّا، يمكننا أن "نُتِمَّ" المناولة الإفخارستيّة ونفيضَ فيما بعد روح الشركة في جماعة البشر. واستدعاءُ جسد المسيح – والقائمون على خدمته هم الخدّام المكرّسون – يُبَلـَّغ حينئذٍ إلى جميع الأعضاء بحسب مواهبهم وكهنوتهم المولكي. الإستدعاء في حياة المسيحيِّين وعلى العالم، هذا الينبوع الثابت والدائم الذي تنبثق منه الليتورجيّة المُعاشة: حينئذٍ يصبح الرّوح الذي هو حياتنا الدافع الذي يجعلنا نعمل أيضًا (غل 5/ 25).

 

وهكذا تدخل الليتورجيّة الأبديَّة في عالمنا عَبرَ تجرّد أعضاء المسيح المتألمين، مثلما يُخَمِّر خميرُ الخلود عجين الأزمنة الأخيرة إلى أن تنقضي. فمجد المسيح الصاعد إلى السَّماء لا يخترق زمننا من وقتٍ إلى وقت، بل يَنفُذ إليه باستمرار بقوَّة تجلّيه المحوِّلة. وهكذا تصبح الروعة ُ التي احتفلنا بها في الليتورجيّة حياةَ البشر. فإذا تعلّمنا من الاحتفال كيف نعيش هذا السرّ، فإنَّ حياتنا تتجذّر في الإحتفال وتنمو وتتفتّح. وعندما يأتي الملكوت أخيرًا، يلتقي الاحتفال بالسرِّ مع عيش السرّ، ويتحّدان إلى الأبد. حينئذٍ، يصير عيش السرِّ هو الاحتفال به، طالما أنَّ الاحتفال به، منذ الآن، هو الدخول في "اليوم"، يوم النور الطويل الأبديّ، يوم الحياة الأبديّة.

 

 

"ليتورجيّة الينبوع"
الأب جان كوربون

 

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية