اللّيتورجيّا عرس إلهي

 

 

 

اللّيتورجيّا عرس إلهي

 

 

اللّيتورجيّا عرس إلهيّ

 

اللّيتورجيّا، ليتورجيّات، تتناسق فيها الألوان والأضواء والتراتيل، تتمايل فيها الأشعّة تنسكب على أقمشة وجدران وخشب، على وجوه ندية تفِد إلى فناء الهياكل، تزيّنها قباب وتصدح فيها أجراس، وترتفع منها حناجر تسبِّح مسيحها الحمل الجالس على العرش تخدمه ألوف الألوف من الملائكة والقدّيسين، تطلع الصّلوات منها كما يطلع البخور علامة حبّ وإعتراف بإله سلك إلينا، تدرّج بيننا صبيًّا ونبيًّا ومسيحًا، وفيه تلاقت الأرض بالسّماء وإرتقت الطبيعة من مسار إلى مسار، بعد أن إشترى عارنا وخطيئتنا خاطبًا كلّ واحد منّا للقداسة والحريّة والخلود.

وفي اللّيتورجيّات ألحان خافتة صامتة، وترانيم شجيّة سخيّة، ناطقة بالود والتقدير والشّكران، ترتقي من الأعماق تناسب وئيدة خفيفة، ثمَّ تطلع عالية تقطع المسافات والأودية، تتسلَّق الجبال لترتمي عند قدميّ الحمل الذي قدَّم دمه كفّارة عنّا، وعن تاريخ مخضَّب بدم الأبرياء والطيّبين.

1- الطبيعة ليتورجيّات دائمة

واللّيتورجيّات قباب وصلبان وساحات وأزاهر وأجراس ترنِّم صبحًا وأصيلاً، وهي كلّما صدحت وغنّت، يترنَّم صداها في الأودية العميقة، وفي الهضاب الظليلة والسّهول المتناسقة، وفق القمم الصامتة في اللّيل والنّهار، وكأنّها أحجيات ورسوم وسلات ترتفع معانقة السّماء، تمتدّ جذورها إلى عميق البحار تغتسل من مياهها، وتشرب من ملحها لتعيد الرّياح والأعاصير سكب ما شربته، ينابيع وسواقي وأنهار.

الطبيعة كلّها ليتورجيّات دائمة، ونغم عذب، وشهيّة عبور من الموت إلى الحياة، ورغبة دفينة صادقة في القيامة والتسامي إلى الخلود الأزليّة.

والطبيعة رياح تهبّ حيث تشاء تأتي من تمازج الأعاصير والمياه ومن حركة البراكين والتيّارات، تتفاعل كلّها وتئنّ كأنّها زمن الولادات التي لا تنتهي، زمن الألغاز الذي لا يريد الكشف عن سرّه لأنّ أحدًا آخر هو في أساس سرّه وغاية وجوده وتناقضاته.

والطبيعة سنفونيّة دائمة وأُغنيات عشق وجمال، ومواسم خير وجنى، وفصول تتهادى على مهل تذري عطرها فينداح فوق النسائم وفيه عبق بخور دهريّ، كنشيد ملائكيّ أو كنشيد الأناشيد، يسكر بسحر الوجود وبخالق عتيق كشفت الأجيال عميق حبّه، ومقدار مجده، وعلو مقامه.

ونحن من الله والطبيعة، مضينا إلى كشف سرّنا دهرًا تلو دهر، وزمنًا تلو زمن، نغامر، نقامر، نسامر، نستعدّ، نقاتل، نعاهد، نموت ونحيا على وقع نشيد داخليّ يكشف المعنى والمبنى، السرّ المخبوء والظاهر، الأعجوبة والأحجية.

2- الأرض مملكته والسّماء خدره

نحن في الطبيعة قلبها، ولؤلؤتها، نسيجها المكتمل، ونحن من الله السّنة أخذت من التّراب وقد مدّنا الخالق بما يكفي من التّوق والشّوق والحنين إلى دياره الأزليّة، وسحره الخلاّب، نفتّش بإستمرار ونزين أنفسنا بلباس البرّ والتقوى، ونخلع عنّا الرداء العتيق، وتنطلق قامتنا في البحث والتفتيش، لأنَّ قوّة فينا خرجت من بين يديه، ولا ترتاح إلاّ في فناء خلده وأضواء شعاعه، وسحر مكانه الأنيس الدّافئ المطلّ على الوجود والرّياح والعواصف، الحامل بين يديه المنجل للحصاد.

 

ليس غريبًا علينا، أن نعلن أنَّ الأرض مملكته، وأنّ السّماء خدره وأنَّ شعرة واحدة لا تسقط إلاّ بعلمه، وليس غريبًا أن نتهادى في بيته وبين إخوانه، وصور مختاريه، وتحت أفياء صليبه، يتقدّمنا كاهن بلباس أبيض أو أحمر، أو قرمزيّ، وأمامه مذبح، ومن حوله آنية مملوءة خمرًا وماء، وبين يديه خبز هو ثمرة جهد متواصل من الحقل إلى المطحنة إلى المخبز لتطلع شرائح الخبز نقيّة شهيّة، تلامس فينا القلب والعقل، وقد إتّخذها المسيح آية وأعجوبة، وقد حوّلها جسدًا كجسده، وسكب الخمر فوقها كما سكب دمه ليمتزج في تراب الأرض وتزهر بفعل دمه مواسم الحبّ والجمال والتعزيّات، وليصبح الكاهن مسيحًا ممزّقًا بفعل حبّه وصلاته وغيرته وعلمه ونبله وتقواه، وليصبح قربانة صباح وخمرًا عتيقًا معتّقًا، يتهاوى مثقلاً بجراحات الأيّام، وعند خاصرته وأمامه وخلفه تقوم جموع مبتهلة مبتهجة نديّة العود وقاسية الطباع، أنيسة المعشر صعبة المراس، ويقوم بينها كنبيّ وراعٍ، يصالح جراحها يداوي آلامها وتهب العواصف من كلِّ ناح متهمة إيّاه بالغنى والتسلُّط والجبروت والتكبُّر، ولكنّها تعرف أنّها بحاجة إليه، وإنّ عدم وجوده بينها سيؤدّي بها إلى عبادة العمل والصّنم وإلى موت بطيء للقيم.

3- بين الطبيعة وخالقها

الكون كلّه ليتورجيّة دائمة، تشقّ حجاب السّحاب، لتكشف لله مدى إرتباطها به، ومدى إمتنانها وجميلها لمن نسَّق ألوانها وأرسى أساساتها وأبدع نظامها، وفي هذا الإطار اللّيتورجي القائم أصلاً بين الطبيعة وخالقها، يعيد الإنسان تنظيم وجوده وعباداته وصلواته وإبتهالاته فاللّيتورجيّات تنظيم مقدَّس لأوقات مقدَّسة تعبر مسرعة إلى الأبديّة وتحمل فوق راحتيها البشريّة المسرعة إلى العودة لترتاح في ظلال الله الفسيحة حيث لا وجع ولا حزن ولا موت.

واللّيتورجيّات تنظيم رائع يحمل في ذاته جمالاً أخّاذًا تعشقه العين والأذن والقلب وهي مسار طويل تدرّجت الكنيسة فيه إلى أن وصلت إلى يقين ومعرفة مطلقة.

 إنَّ حضورها يجب أن يسهم في حضور السّماء وإنَّ وجوهها النديّة العطرة البهيّة تعكس وجه مسيحها هذا الباسط ذراعيه إلى اليمين والشمال، الواصل بخشيته وجسده الأرض بالسّماء، والمزمع أن يأتي ليدين الأحياء والأموات ليقود الأُمم إلى الحقيقة والعدل والجمال.

لا معنى ولا فائدة من اللّيتورجيّات إن لم يطعمها الرّوح بألق النّور الداخليّ، وتوق إلى البرارة، وشهيّة إلى المزيد من الإشعاع.

 وهي من أدقّ تفاصيلها رموز تكشف حقيقة أصلها ومنبعها تصل الظاهر بالخفيّ، الدّاخل بالخارج الحاضر بالغائب، هي إرتباط جوهريّ أصيل بما سوف تكون عليه الكنيسة في المجد والملكوت حين تمثّل أمام خالقها بهيّة شهيّة فوّاحة عطرة تحمل إلى راحتيه البشريّة لتصبح وتتحوَّل على يده أنشودة سلام أزليّة تمجِّد الثالوث، فيسكب عليها صكَّ براءته ويطبعها بقبلة الفرح ويجعلها عروسه التي لا عيب فيها ولا دنس بعد أن طهّرتها الأيّام والآلام ودماء الشّهداء والقدّيسين.

4- اللّيتورجيّات خلق متواصل

اللّيتورجيّات هي خلق متتابع لسماوات تحاور سماوات الله، تقلّد دياره، وهي في سرِّها وعلنها مسيرة وجود دائمة ومسلك بشريّ إلى مرابع الله الخصيبة، وهي تجلّيّات لمواسم الله وفي قلبها يسكن المسيح لأنّه المحور والقلب، العقل والشّعاع، وبدونه تسقط اللّيتورجيّات في الرّتابة والموت فلا تعود تُلهم ولا تعود مكان جذب، بل تسقط في الترداد والإجترار وهذا هو البؤس بعينه.

 

لا أصل للّيتورجيّات في ذاتها ولا فصل لها، هي عبادة ونغم وكلمات تغرف من معجن الله من نشيده من كرومه وينابيعه من دعواته ومواعيده من فنِّه ونحته وإزميله، هي عبقريّة متّقدة تخلق بذاتها ما يشتهيه الحمل وكلّما إرتفعت أيد وتماوجت ألحان وصدحت حناجر، وكلّما سجدت جموع وإرتفعت قامات، وكلّما تلألأت أنوار وإمتدَّت هامات مزيّنة بالورد والغار مستربلة بحلل البرفير والحديد والقصب تراقصت النجوم فرحًا وتحرّكت الكواكب طربًا وتمايلت السّماوات يُمنة ويُسرة لتؤدّي الواجب نفسه في عمليّة إلتزام كونيّة. وهذا ما يطرب قلب الله ويثلج صدر الحمل ويبهج الرّوح الجامع الحالّ فينا المتكلِّم بألسنتنا، الذي به وحده نعرف أنّ المسيح هو إبن الله.

 

الخوري إسكندر الهاشم

       

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية