المجال الأسراريّ في الإحتفال

 

 

المجال الأسراريّ في الإحتفال

 

إنّ المسيح  هو زماننا الجديد، وهو الذي نحتفل به في ليل إيماننا، إلى أن يكتمل كلّ شيء في النور، يومَ مجيئه. وهو أيضًا مجالنا الحيويّ، و"كوننا" الجديد، "هاءنذا أجعل كلّ شيء جديدًا" (رؤ 21/ 5). وفيه نحتفل بأسرار الإيمان إلى أن يصير كلّ شيء سماءً جديدة وأرضًا جديدة، "مسكنُ الله مع الناس" (رؤ 21/ 1 و 3). إنّه، منذ الآن، المجال السرّيّ "المكتوم في الآب"، حيث نحتفل أسراريًّا بالليتورجيّة الأبديّة. ولكن بمَ هذا المجال هو أسراريٌّ حقـًّا؟ وكيف يمكن لمجال عالمنا أن يكون حاملا ً الكون الجديد؟

 

 

 

"ربّي، أين تُقيم؟" (يو 1/ 38).

إنَّ تدبير الخلاص، الذي يكشفه لنا الكتاب المقدّس والذي يكتمل في احتفالاتنا، يخترقه من طرف إلى آخر البحثُ عن مسكن. هذه العلامة تظلّل الخلق الأوّل. فالأرض هي قابلة للسكن لأنّ الله هيّأها سكنى للإنسان الذي أحبّه. إلّا أنّها أصبحت معادية منذ أن استقرَّ الخوف في قلبِ الإنسان. وهنا بالذات نرى الله يأتي ليبحث عن الإنسان: "أين أنت؟" (تك 3/ 9). أوّل هشاشةٍ في هذا المسكن تتأتى من كون الإنسان وقد جعل منه مخبأً لأنانيّته بدلا ً من أن يفتحه على اللقاء والاستقبال. منذ ذلك الحين، غدت الأرض غير مضيافة للإنسان الهارب من وجه إلهه، فأصبحت أسيرة إبهامٍ مأسوي: الخصب والموت، الحديقة والصحراء، البيت والمنفى. على ضوء ذلك، يمكن فهم الوعد المتفجّر من قلب الآب وموضوعه: أرض يسكنها أبناءٌ يؤمنون بحبِّه. هذا الإبهام يجب أن يُزال، لأنَّ الإنسان لا يستطيع أن يسكن أرضَ إلهـِه إلّا إذا تجدّد قلبُهُ في الثقة.

 

"إمضِ إلى الأرض التي أريك"، ولكن بشرط أن "تترك أرضَكَ وعشيرتَكَ وبيتَ أبيكَ" (تك 12/ 1). بعد أجيال من السَّير والخروج والسبيّ، عندما صار الابن نفسه إنسانًا، أتمَّ هذين الوعدَ والشّرط: فقد خرج من الآب وأتى إلى العالم، إنّما لكي يقودنا ويدخلنا إلى بيت الآب (يو 13/ 1-3 و 14/ 1). هل كان التلميذان الأوّلان قد استشعرا ذلك عندما أجابا على سؤال يسوع الذي يخفي دعوة محتجبة ولكنّها مثقلة بالرّجاء، بقولهما: "ربّي (يا معلّم)، أين تُقيم؟" ومنذ أن "صار الكلمة بشرًا"، "سكن بيننا"، (يو 1، 14). ومنذ أن صار قلب أمّه مسكونًا بكامله بالإيمان، أقام الابن الأمين في أرضنا. حينئذٍ عاد كل شيء مجدّدًا إلى الحياة. وهذه الأرض التي يختبئ فيها الإنسان، في الخوف، وللموت، عادت من جديد لتصير المجال الذي وضعه الله فيه: في الثقة للحياة.

 

فمنذ الحبَل بيسوع، وحتّى صعوده إلى السماء، أتمَّ الربُّ هذا السرّ، سرَّ المسكن. فمَن يحتوي الكون كلّه بقوَّة كلامه، تحتويه كطفلٍ أحشاء أمِّه. ومن كوَّن آدم من آديم الأرض، تكوَّن في "أرضِ" مريمَ العذراء. و"الكلمة، خالق العالم، جاء ليجد له مأوى في مغارة. المغارة، نموذج مساكن البشر الأولى، إعتبرتهما الكنائس باكرًا رمزًا لمكان ولادة يسوع. ولكن المغارة التي كان الإنسان يلتجئ إليها خوفـًا من الموت صارت الآن مكان لقائه بِمُبدع حياته. وهذا ما ستكشفه حاملات الطيب عندما وُضِعَ يسوعُ في آخر مغارة للإنسان: القبر. "لماذا تبحثين عن الحيِّ بين الأموات؟" (لو 24/ 5). إذاك، كلُّ شيءٍ تغيّر. إنّه إنفجار المجال كما هو إنفجار الزمان أيضًا. فالمجال لم يعُد مقفلا ً على ذاته، بل تحرّر من الموت، وامتلأ من مالئ الكلّ، المُحتوي الكلَّ في جسده. ومن القبرِ الفارغ إلى الأبواب المغلقة في علّيَّة صهيون نجد السرّ عينه، سرّ الكون الجديد الذي بدأ بالظهور: "لا مكان" المسيح القائم من الموت أصبح بانتصار الربّ على الموت، مجال كوننا الجديد. ومن الآن فصاعِدًا سيُمدَّدُ صعودُ الربِّ مجالَ جسده غير القابل للفساد، إلى أن يصير كُلّاً في الكلِّ وتكتمل الخليقة الجديدة. "هاءنذا معكم طوال الأيّام إلى إنقضاء الدهر" (متى 28/ 20).

 

 

 

الكنيسة بيت الله

إنَّ الكنيسة الحجر أو الخشب التي ندخل إليها لنحتفل بالليتورجيّة الأبديّة هي، بلا شكّ، مجال من مجالات عالمنا. ولكن جدّتها تكمن في كونها مجالا ً فجّرته القيامة. فهي ليست مجالا ً يرمز أفلاطونيًّا إلى كونٍ مجرَّد، ولكنّها مجال يسكنه حقـًّا عالمٌ محرّر من الموت. ففيها نحتفل بالليتورجيّة بإتمامِنا سرّ جسد المسيح. والحال، أن مكان الإحتفال هو المكان الذي يتمُّ فيه وعدُ المسكن. المكان ذاته، بماديّته المحسوسة، هو المكان الذي يُتِمُّ فيه المسيح وعدَه وانتظارَ البشر: بيت الآب (يو 14/ 2) وهذا البيت مفتوح لنا في هذا المجال الأسراريّ. يقول لنا مجمع نيقيا الثاني عن أيقونة المسيح: "في المسيح ذاته نتأمّل في آنٍ معًا من لا يُعبَّرُ عنه ومن هو مُمثـَّلٌ في الأيقونة فما عساها تكون الكنيسة، كمجال أسراريّ، إن لم تكن أيقونة جسد المسيح، المسيح "الكلّي"، رأسًا وجسدًا؟

 

كنّا قد استشففنا ذلك عند تأمّلنا صعود الرّب كإحتفالٍ بالليتورجيَّة الأبديّة: فجميع الفاعلين في السرِّ حاضرون، يحيطون بالجماعة المحتفلة هنا الآن. ومجال الكنيسة تحوّل. ومساحاتها التي تحييها الأيقونات تفتح، فيما هو أبعد من ذاتها، على مجال الملكوت الآتي. وحجارتها، حيث يُشادُ بعظائم سرِّ المسيح، تصبح الحجارة الحيَّة في أورشليم الجديدة. ولأنَّ هذا المجال هو أسراريّ، فإنَّ كنيسة الحجر تُظهـِرُ "كنيسة البشر". "الكنيسة".

 

ولكن، خشية أن نغرق في رمزيّة ذاتيّة، نوضح أنّ هذا المجال الأسراريّ لا يُمكن إدراكه إلّا في رؤية الإيمان. وهذه الرؤية هي مركّزة، لا على المسيح القائم من الموت فحسب، تحت علامة "الضابط الكلّ" أو علامة "الصّليب" المحيي، بل على علامة لا "مكانه" للموت، أي قبره. والمذبح هو، بالفعل، مكان التقاء خطوط جميع هذا المجال. ومجال الكنيسة، إنطلاقـًا من المذبح، هو مجال أسراريّ حقـًّا. فالمذبح يعني في الحقيقة أنَّ جسد المسيح لم يعد هنا أو هناك كما في مكان زائل، ولكنّه قام من بين الأموات وهو يملأ الكلّ بحضوره. هذا الـ" لا مكان" للموت، يصبح الذي تتمّ فيه ذبيحة الفصح. لذلك، فالكنيسة ليست مكانًا مقدّسًا بمعنى بيوت العبادة التي تبنيها الأديان بحثـًا عن الألوهة. إنّ مجال كنائسنا الأيقونيّ هو مجال مفتوح على الربّ الآتي، فهو في الإنتظار وهو مملوء في الوقت عينه، وهو يحمل العالم ويجتذبه الملكوت، وهو مكان استدعاء الرّوح القدس وتحوُّل كلُّ تقدمة في جسد المسيح.

 

 

 

مجال جسد المسيح

كلُّ كائنٍ إنسانيٍّ يحمل في ذاته حلم منزل. أمّا مع إلهنا، فلم يعد الأمر حلمًا، بل وعد، وقد صار الوعد في يسوع المسيح حقيقة ً: الحقيقة. فعندما نشيد كنيسة فنحن نحمل في ذواتنا هذه الرّغبة في منزل، له ولنا. ولكن هلّا فكّرنا كفاية أنَّ نبوءة ناتان النبيّ لداود تتحقـّق حينذاك لأجلنا: "هو الربُّ الذي سيبني لك بيتًا" (2صموئيل 7). وهذا ما أعلن عنه يسوع أيضًا في غيرته على بيت أبيه: "انقضوا هذا الهيكل، أقمه في ثلاثة أيّام" (يو 2/ 19). إنقلاب النعمة هذا، العبور إلى المنزل الذي يصبح كلّ شيء فيه حيًّا، هو بالذات إنفجار المجال الذي يصبح كلّ شيء فيه حيًّا، هو بالذات إنفجار المجال الذي يتحقـَّق في قيامة يسوع. وبه أيضًا يتحقـَّق وعد المسكن.

 

وبالفعل، لقد شعر الإنسان دائمًا بأن المسكن هو امتداد لجسده، هو المجال الثاني لشخصه، بعد الملبس. فالبيت يؤنسن المجال، يجعله قابلا ً للسكن، يشخصنه، حتى أنّ الهندسة المعماريّة الخاصّة بالبيوت الأولى كانت تتبع شكل الجسم البشريّ. أمّا في المسيح، فإنَّ الآب يحقـِّق هذه الروعة أبعد من كلّ انتظار وتوقّع: فنحن هم الذين نصبح مسكنه لأنّنا نأخذ شكل ابنه. هذا الشكل مقصود بصورة ظاهرة في الكنائس التي هي على شكل الصَّليب: عندما يجتمع فيها شعب الله فإنّه يأخذ شكل المسيح المصلوب المنتصر على الموت. وعندما يفيض نهر الحياة على أورشليم الجديدة، يُطلِعُ أشجارَ حياة.

 

إنّ مجال البيت هو في انتظار حضور ساكنيه، وهو علامة ُ نوعيَّةِ حضورهم. أمّا مجال الكنيسة الأسراريّ فهو يحمل انتظارًا من نوع جديد. إنّه، أبعد من الجماعة المحتفلة، مفتوحٌ باتّجاه كلِّ الذين ليسوا حاضرين وهم لا يعرفون بعد أنّ مسكنهم الحقيقيّ هو جسد المسيح. وبما أنّه علامة الآب الذي ينتظر، والرّوح الذي يدعو، فالمجال هو أيضًا علامة ُ حضورٍ هو هبة مجّانيّة، ومشاركة وفرح وسلام. ومن جديد، المذبح هو في الوسط، في المركز، مثل مكان كأس الخلاص وفعل الشكر ومائدة وليمة المحبّة الإلهيّة. فالمجال الأسراريّ، بوجود المذبح، ليس مركّزًا وحسب، بل هو في حركة، وهذه الحركة هي حركة شركة الثالوث، حيث يتمدّد جسد المسيح في التقدمة وفي تسبيح المجد. وهكذا، فالبحث عن المسكن، الذي ابتدأ في الفردوس الأوّل، ينتهي هنا في قلب الثالوث الأقدس: "أثبتوا فيَّ كما أثبتُ فيكم... أثبتوا في محبَّتي كما أثبتُ في محبّةِ الآب" (يو 15/ 4 و 9 و 10).

 

وكما هي كلّ السينرجيّات الأسراريَّة، فإنَّ مجال إحتفالاتنا هو في حالة أخيريّة: ففيه يأتي الملكوت "منذ الآن"، ولكنّه "يُعطى" لنا لأنّ الملكوت لم يكتمل "بعد"، "لأنّه ليس لنا هنا مدينة باقية، وإنّما نحن نسعى إلى مدينة المستقبل" (عب 13/ 14). إنَّها محطة يتوقّف فيها شعب الله المجتمع في الكنيسة وهو في طريق "خروجه". المجال الذي يشغله، هو، كما هو الحال بالنسبة للحاج، حيث يضع رجليه. ولكنّه، حالما يرفع عينيه، فهو يتأمّل الربَّ الآتي، ووالدةَ الإله القدِّيسة، وجمعَ الشهود السّائرين معه. وهكذا ينعكس مستويا الرؤية في سِفر الرؤية، وينكسران في المجال الأسراريّ الخاص بالإحتفال الليتورجي.

 

وأخيرًا، هذا المجال هو أسراريّ لأنّه وسيط. فبما أنّه علامة ٌ تحمل الكون الجديد الآتي إلينا والذي يَجذبُنا نحوه، فهو يُعبِّرُ أيضًا عن جوابنا، عن مساهمتنا وعملنا الإيمانيّ المشارك في طاقة الرّوح القدس. ففي كلِّ بيت إنسانيّ، المجال هو وسيط أو واسطة حضور. فهنا يمكن لكلِّ واحد أن يكون ذاته، أن يتكلّم وأن يُصغي، أن يرى أقرباءه وأن يتعرّفوا هم إليه. وفي بيت الله يمكننا بفضل هذا المجال الجديد، وبالمشاركة بعضنا مع بعض، أن نكون ذواتنا في حقيقة القلب، فنُصغي إلى "الكلمة" المخلّص، ونتأمّله ونُقبَل منه. هذا الصمت الذي ندخل فيه، يشترك في مجال الكنيسة الأسراريّ. فلكونه صمت القلب، فهو جوابنا على الكلمة التي تحوِّلنا. ولكونه صمت العيون، فهو تَقدمَتُنا أمام نور التجلّي. حينئذٍ، ومثل صاحب الرؤيا في بطموس، وفي إيمانٍ دائم ِ التنقـِّي، يمكننا أن "نلتفت لننظر إلى الصوت الذي يخاطبنا" (رؤ 1/ 12). فيصير المسيح القائم من بين الأموات، كلمة ُ الآب وأيقونته، "عالمنا الجديد". ويمكننا أن نترك الكنيسة ومجالها الأسراريّ، ولكنّنا لا نترك أبدًا "الحمل" الذي هو هيكلنا في الرّوح. وإذ نبقى فيه وهو فينا، فنحن نتوقـَّف بالتأكيد عن الإحتفال بليتورجيّة، ولكننا، في الواقع، نبدأ بأن نحياها.

 

 

 

ليتورجيّة الينبوع"

الأب جان كوربون

 

Storiom macro-max rebound mazar المركز الدائم للتنشئة المسيحية