المشاركة الواعية والفاعلة في الليتورجيّا

 

 

المشاركة الواعية والفاعلة في الليتورجيّا

 

المشاركة الواعية والفاعلة في الليتورجيّا

 

 عندما أتى رجال أربعة بالرجل المخلّع في كفرناحوم، شفاه يسوع نفسًا وجسدًا؛ شفى نفسه من خطاياها: «مغفورة لك خطاياك» ؛ وشفى جسده من الشلل: «قم، إحمل سريرك، واذهب إلى بيتك» (مر2: 1-12).  أراد بذلك أن يبيّن أنّ الانسان وحدة لا تتجزّأ بنفسه وجسده. فهو مدعوّ إلى أن يمجّد الله بكلّ كيانه، على ما يقول بولس الرسول: «الجسد هو للرَّبّ والرَّبّ للجسد. والله الذي أقام يسوع سيقيمنا نحن أيضًا بقدرته... إنّ أجسادكم هيكل الروح القدس... فمجّدوا الله إذًا بأجسادكم» (1كور6: 13-14 و 19-20).

 

المشاركة الواعية والفاعلة في الليتورجيّا تشمل كياننا البشريّ: النفس والجسد.

 

 في الاحتفال اللّيتورجيّ، نحن في حضرةِ الله. كلّما أقمنا رتبة طقسية (Ritus)، كرتبة القدّاس مثلًا أو رتبة أي سرّ آخر حسب الطّقس الماروني، نكون في حضرته. تعني الرتبةُ الصيغة العمليّة التي تنظّم العبادة الحقيقيّة وتمجّد الله، وتضعنا على الطريق الصحيح الذي يؤدّي إلى اللّقاء بالله. ولهذا تنظّمها السلطة الكنسيّة لاهوتيًّا وروحيًّا وعمليًّا، وتقرّها وتأمر بالتقيّد بها. لا يقتصر هذا التنظيم على النصوص بل يشمل أيضًا حركات الجسد، لأنّنا نصلّي بكلّ كياننا نفسًا وجسدًا. لذا لا بدَّ من شرح معانيها ورموزها.

 

إشارة الصليب

  إشارة الصليب هي أوّل حركة يصلّي بها جسدنا. نرسمها بشكل صليب من جبيننا إلى البطن فإلى الكتفَين. يشرح معانيها المكرَّم البطريرك اسطفان الدويهي: الحركة من الرأس إلى الصدر تشيرُ إلى نزول ابن الله من السماء لخلاصنا. ونقلها من كتف الشّمال إلى اليمين يشير إلى قيامته من الموت إلى الحياة، وإلى نقلنا، بصليبه، من شقاء هذا العالم إلى المجد الدائم .  ونحن نقولُ في بداية صلاتنا وأعمالنا: "باسم الآب والابن والروح القدس"، وفي الختام: "المجدُ للآب والابن والروح القدس". نبدأ باسم الله الواحد والثالوث ملتمسين عونه وقدرته وإلهامه، ونختم ممجِّدين ومسبِّحين وشاكرين الله على ما قمنا به من عمل مميَّز بالحقّ والخير والجمال.

وتُختَم كلُّ صلاة بالمجد والتّسبيح والشكر لله الواحد والثّالوث، عندما يكون الأسقف أو البطريرك محتفلًا تُحفظ له، بالصيغة السريانية المعروفة بلفظة "بارك يا أبانا، يا رئيس كهنتنا، أو يا رئيس الرؤساء" ليُنهي الصلاة بكامل الدوكسولوجيّا: رفع المجد والحمد والتسبيح والشكر للآب والابن والروح القدس، الآن وإلى الأبد. ويجيب الشعب: آمين. 

 

 إشارة الصليب بشكلها الخارجي هي إعلان إيماننا واتّحادنا بالمسيح المصلوب، الذي هو «قوّةُ الله وحكمةُ الله» بوجه كلّ ضعف وجهالة (كور1: 23). فنقول «نعم» بشكل منظور وعمومي للمسيح الذي تألّم من أجلنا بجسده وأظهر لنا محبّة الله حتّى النهاية، فنعلن قبولنا معه صليب الألم والفداء في حياتنا الخاصّة، ونعلن مشاركتنا في محبة الله الخلاصيّة. ونؤكِّد ملتزمين بأنّ الله يحكم العالم بتواضع الألم والحبّ. ففي مظهر الضّعف هو كلّي القدرة، وفي مظهر العجز يستطيع أن يُخلّص كلّ واحد منّا. بإشارة الصليب نضع ذواتنا تحت حمايته وتحت قدرة الله، ونسير في طريق الحياة على خُطاه، وفقًا لدعوته: «من أراد أن يتبعني، فليضحِّ بنفسه، ويحملْ صليبَه ويتبعْني»  (مر8: 34).

إشارة الصليب مع الكلمات هي إعلانُ إيمان بالله الثالوث:  الآب والابن والرّوح القدس. وعندما نستعمل الماء المبارك مع هذه الكلمات، عند مدخل الكنيسة أو في بيوتنا، فلكي نتذكّرَ معموديّتنا، حيث كلَّلتنا محبّةُ الآب، وافتدتنا نعمةُ الإبن وأحيتنا شركة وحلولُ الرّوح. ونتذكّر بنوع خاصّ أنّ المعمودية أشركتنا في موت المسيح وقيامته، وأعطتنا قدرة الإنتصار على التجربة والنهوض لحياة جديدة؛ وبتعبير القديس بولس، مكّنتنا من أن «نخلع عنّا باستمرار الإنسان العتيق ونلبسَ الإنسان الجديد» (كول3: 9-10)  هذا كلُّه يعني أنّنا نعيش بشكلٍ دائم تحت مفعول الحدث الإلهي الذي تمّ يومَ معموديّتنا. 

 

 إشارةُ الصليب إذن تختصر كلّ جوهر الدّين المسيحي الذي ختمْنا على جباهنا بطـابع الصليب بكلّ أبعاده ومفاهيمه (رؤيا7/3). المسيحيّة هي ديانة البركة. فالمسيح هو البركة للخلق أجمع ولجميع النّاس.  بواسطة إشارة الصليب نستطيع نحن أن نبارك بعضنا بعضًا. الأمُّ تبارك طفلها بإشارة الصليب على جبينه وعلى صدره، وترافق بها أولادها عندما يغادرون البيت. والوالدون يباركون أولادهم بالماء المبارك. البركة حركة كهنوتيّة بحُكم المعموديّة، وحركة كهنوت الوالدين، فضلًا عن بركة الكاهن والأسقف بسلطان الدّرجة المقدّسة .

 

الوقوف والجلوس

الوقوف هو للصّلاة، كما نجده في العهدَين القديم والجديد، فيقتضي أن نقفَ كما يليق بحضرة الله. نجدُ في الإنجيل، على سبيل المثال: الفرّيسي الذي وقف في الهيكل يصلّي، والعشّار الذي وقف بعيدًا يقرع صدره ويُصلّي (لو18: 11 و13). الوقوف هو لاحترام كلام الله الذي نسمعه، ولله الذي نتوجّه إليه بالصّلاة، وللسيّدة العذراء والقدّيسين كذلك. وهو للتّعبير عن الجهوزيّة لعيش كلام الله والعمل بموجبه في حياتنا اليوميّة والشهادة له في ثقافتنا. 

 

بحسب التقليد المسيحيّ، عملًا بالقانون 20 من مجمع نيقية (سنة 325) المسيحيّون لا يركعون طيلة زمن الفصح، من أحد القيامة حتى أحد العنصرة الذي نعود فيه إلى الرّكوع والسّجود برتبة خاصّة. الوقوف، في زمن الفصح، هو لذكرى قيامة يسوع المسيح وانتصاره على الخطيئة والموت، وللتعبير عن فرح القيامة. الوقوف علامة الانتصار. هكذا رأى اسطفانوس ساعة مثوله أمام المجلس "يسوع واقفًا عن يمين الله" (اعمال7: 55). عندما نقف لنصلّي، نتأمّل الرّب يسوع واقفًا في مجده، ومستعدًّا ليأتي لنصرتنا في حاجتنا، ولا يتراجع. فنتّحد بانتصاره، لنذهب ونلاقي كلّ محتاج وضعيف.

 

 الجلوس هو من أجل التأمّل والخشوع، ما يقتضي أن يكون جسدُنا في حالة استراحة، فيسهل السّماع والتأمّل والإستيعاب، وتوجيه أنظار العقل والقلب إلى يسوع. إنّنا في ذلك "نلتمس وجه الله"(مز27: 8). فهو أسمى منّا، لكنّه يأتي لملاقاتنا، ونحن بدورنا نسعى إلى التقرّب منه بصلاتنا.  والجلوس للتأمّل يساعدنا على الدّخول إلى عمق نفوسنا، فندرك فقرنا وضعفنا ومحدوديّتنا أمام عظمة الله، وفي الوقت عينه لكي نجدَ الله في أعماق نفوسنا. هو "الأقربُ إلينا أكثر من قُربنا نحن لذواتنا"، على ما يقول القدّيس أغوسطينوس، وعندما نجد الله في داخلنا، نعرفُ حقيقة ذواتنا.

 

فتح اليدين وضمّهما

  فتح اليدين هو حالة المصلِّي، ونجدها لدى جميع الأديان. هو التعبير عن حالة السّلام والرّفض للعنف، وعن إنفتاح القلب على الله وقدّيسيه بالثقة والرّجاء. يُشبَّه فتح اليدَين بالجناحَين، وكأنّ الإنسان يريد الإرتفاع نحو العُلى، إلى الله بجناحَي الصّلاة. بالنسبة إلى المسيحيّين، فتح اليدين يذكّر بذراعَي المسيح على الصليب المفتوحتين، لكي يجتذب إليه الجميع (يو 12/32) ويضمّهم إليه. كما يُذكّر بتسليمه المطلق لإرادة الآب كفعل عبادة بنويّ، وباتّحاد كامل معه: «لا مشيئتي أيّها الآب، بل مشيئتك» (متى 26: 39). فتح اليدين عبادة لله، ومحبّة لجميع النّاس.

 

 أمّا ضمّ اليدَين فهو علامة إيداع الذات بين يدَي الله، للتعبير عن الثّقة بعنايته وعن الأمانة لمحبّته. الكاهن يضمّ يدَيه في الرّسامة بعد مسحهما بالميرون، كعلامة لقبول وديعة الكهنوت، هوّية ورسالة وسلطانًا، فيحافظ على الوديعة لا كأنّها ملكيّتُه، بل كموكَّل عليها من قِبل الله. إنّه يتذكّر ذلك في كلِّ مرَّة يضمُّ يدَيه بعد الصَّلاة، كتعبير عن المحافظة على ما ناله من نِعَم وعطايا من لدُن الله.

 

 

الانكباب على الأرض

من أهمّ تعابير الصّلاة الرّوحيّة، بحركات الجسد، الانكباب على الأرض والرّكوع أو السّجود والارتماء، ونجدُها كلَّها في الكتاب المقدّس. 

الانكباب على الأرض هو الإرتماء بكامل الجسم والوجه نحو الأرض. نجده عند يشوع لمّا رأى "رئيس جيش الرّبّ" (يش 5: 14)، واعتبر أوريجانس أنّ هذا الرئيس هو المسيح الذي سيأتي. الرّبُّ يسوع نفسه انكبّ على الأرض للصّلاة في جبل الزيتون ليلة آلامه،  إذ «أكبّ على وجهه يصلِّي قائلًا: يا أبتِ، إن أمكن، فلتعبرْ عني هذه الكأس!» (متى 26: 39؛ مر14: 35). يسوع يسقط على الأرض ليكون في حالة سقطة الإنسان، ويُصلّي إلى الآب من أعماق العزلة والحاجة. فيضع إرادته البشريّة الخاصّة في عهدة إرادة الآب، ليشفي إرادة الإنسان الضعيفة بقدرة إرادة الله: «لا مشيئتي، بل مشيئتك». هذه هي كلمة الحقيقة التي تحرّر، والتي من أجلها قبِل يسوع هذا الضّعف البشريّ وقاومه، لكي يقوّيه بالقدرة الإلهيّة.

 

الانكباب على الأرض في روحانيّتنا وتقليدنا المارونيّ معروف "بالمطانيّة" المشتقة من اللّفظة اليونانيّة في العهد الجديد (ميتا- نويا Metanoia) وتعني التّوبة والانسحاق مع ثورة على الذّات بروح الارتداد عن الشرّ والعودة إلى الله. اعتاد الآباء القدِّيسون على القيام بالمطانيّات اللّيليّة بهذه الرّوح. وما زلنا نحافظُ عليها بنوع خاصّ في رتبة السّجدة للمسيح المصلوب يوم الجمعة العظيمة. ولكنّها تبقى جزءًا مهمًّا من روحانيّتنا المارونيّة النُسكيّة. فهي إقرار بضعفنا الذي يرمي بنا أرضًا، وبحاجتنا إلى قدرة نعمة المسيح القائم من الموت، لكي يُنهضنا ويُقوّينا.

 

السجود والركوع

 السّجود معروف في الكتاب المقدّس بمعنى العبادة حسب اللّفظة اليونانيّة Proskynein. . عندما رأى التلاميذ يسوعَ ماشيًا على البحر، ثمّ صعد إلى السّفينة بعدما انتشل بطرس من الغرق، "سجدوا له وقالوا: حقًّا أنتَ ابن الله" (متى 14: 33). كذلك الأعمى منذ مولده الذي شفاه يسوع، لمّا لقيه بعد شفائه، وسأله إذا كان يؤمن بابن الإنسان، استفسر قائلًا:  «ومن هو يا سيّد؟ أجابه يسوع: لقد رأيتَه، وهو الذي يكلّمُك! فقال: أنا أؤمن يا ربّ، وسجدَ له» (يو9: 35-38).

 السّجود هو فعل إيمان وعبادة أمام الله، أمام المسيح، أمام سرّ القربان. وهو يتمّ عادةً بالسجود على الرّكبتَين أمام القربان المقدّس المصمود، وبالرّكوع على ركبة واحدة عند تبخير الصّليب أو أيقونة قلب يسوع. هذا الرّكوعُ معروفٌ بالعبريّة بلفظة «Barak».  إنّ طيّ الرّكبة يرمز، حسب تقليد العهد القديم، إلى طيّ قوّتنا أمام الله الحيّ، والاقرار بأنّ كلّ ما نحن عليه هو عطيّة منه. ومعلوم أنّ الرّكبة  «Berek» ترمز إلى القوّة. 

إنّ فعل العبادة الرّوحي يعبّر عن ذاته بحركات الجسد، وهنا بالسجود أو الرّكوع. من دون فعل عبادة روحي، يفقد السّجود كلّ معناه، ويصبح مجرّد فعل خارجيّ. العبادة الحقيقيّة تشمل الانسان في كلّ كيانه.

 

الارتماء على القدمَين

 توجد حركة جسديّة أخرى في الصّلاة هي الارتماء على القدمَين للطّلب والتوسّل، كما فعل الأبرص عندما ارتمى جاثيًا على قدمَي يسوع وقال له: «إن شئتَ فأنتَ قادرٌ أن تطهّرَني» (مر1: 40) ؛ والشابّ الغنيّ الذي أسرع إلى يسوع وارتمى على قدمَيه، وسأله: «أيّها المعلّمُ الصالح، ماذا أعملُ لأرثَ الحياةَ الأبديّة؟» (مر10: 17)؛ والرّجل الذي دنا من يسوع، وجثا أمامه وقال: "يا ربّ، إرحم ابني، لأنّه مصابٌ بداء الصّرع..." (متى17: 14)، هذه الحركة الجسديّة هي تعبير عن الإيمان بيسوع وبقدرته، وعن الثقة به واحترامه. إنّها نابعة، أوّلًا، من القلب، ومرئيّة في حركة الجسد. في نقيضها نجد من «يجثو» أو «يرتمي على القدمَين» للإستهزاء والتحقير، كما فعل جنود الوالي عندما «ضفروا إكليلًا من شوك، ووضعوه على رأس يسوع، وجعلوا بيمينه قصبة، وجثوا أمامه واستهزأوا به قائلين: سلام! يا ملك اليهود!» (متى 27: 29).

 

إنحناءةُ الرأس

 إنحناءةُ الرأس هي علامةُ التواضع أمام الله الذي ينتزعُ منّا روح الكبرياء. وهي رذيلةٌ في أساس خطيئة الإنسان الذي يتكبّر على الله ويُخالف وصاياه ورسومه، ويجعلُ من نفسه إلهًا. هذه كانت خطيئةُ آدم وحوّاء: «تكونان شبيهَين بالله» (تك3: 4-5). ذروةُ انحناءة الرأس تواضعًا ظهرت في الرّبّ يسوع عندما "انحنى وغسل أرجل التلاميذ" (يو13: 1-20).

والإنحناءةُ تعني انحناءَة المحبّة والمشاعر الإنسانيّة، مثل الله الذي حنته محبّتُه ورحمتُه فأقبل إلينا متجسّدًا. نحن مدعوّون لننحني على أخينا الإنسان، كلِّ إنسان، في جرحه وعوزه ومرضه وحاجته. ونحني رؤوسَنا لقبول البركة بالقربان أو بالأيقونة أو بصلاة البركة في القدّاس، في كلّ مرّة يدعو المرتّل "أحنوا رؤوسكم"، أو يتلو الكاهن: «بارك أللّهم شعبك المنحني أمامك»، أو عند تبخير الجماعة. وتعني الإنحناءة أيضًا التوبة وانسحاق القلب، مع قرع الصّدر، مثلما فعل العشّار في الهيكل (لو18: 13).

 

الصّمت

 الصّمت في الاحتفالات الليتورجيّة عنصر أساسي، لكي نستقبل في القلوب كلام الله، ونتأمّله، ونتّخذ منه المقاصد. وهو ضروريّ لكي نردّد في القلب ما أعلنّاه باللّسان من صلوات وأناشيد وأدعية ومزامير، وما قمنا به في القدّاس وفي سواه من الرّتب الليتورجيّة. ومن الواجب أيضًا أن تلحظ الروبريكات والإرشادات الطقسيّة هذه الأوقات.

 

البطريرك – الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي

 

 

المركز الدائم للتنشئة المسيحية macro-max rebound mazar
CMS x